عادل لطيفي

ظروف التأسيس والأهداف
حصيلة متباينة
أزمة تصدير الثقافة العربية

في نهاية سنة 1987 دُشن معهد العالم العربي بباريس كواجهة ثقافية بالنسبة للعالم العربي وكمعلم ثقافي ورمز للانفتاح بالنسبة للإدارة الفرنسية.

لقد علقت العديد من الآمال على هذا الإنجاز ولعل أبرزها تمثل في مد جسر ثقافي بين فرنسا وأوروبا من ناحية والضفة الجنوبية للمتوسط من جهة ثانية، بشكل يسمح بتجاوز حقبة الاستعمار ومشاحنات مرحلة الحرب الباردة.

غير أن حصيلة العشريتين الماضيتين تبدو دون مستوى الآمال المنتظرة خاصة في ظل الأزمة المالية الخانقة التي تمر بها هذه المؤسسة. وبقدر ما تبرز الأزمة على أنها حالة عادية لمؤسسة ثقافية، فهي في الحقيقة تحيل على قصور عربي على تصدير ثقافة موحدة في ظل هاجس بناء الدولة الوطنية الإقليمية.

ظروف التأسيس والأهداف
يعد معهد العالم العربي بباريس ثمرة تعاون بين فرنسا و22 دولة عربية، وقد وضعت لهذه التجربة بعض الأهداف لعل من أهمها:
- تعميق وتطوير معرفة العالم العربي في فرنسا من حيث لغته وحضارته وواقعه الحالي.
- تشجيع التبادل الثقافي والإعلامي بين فرنسا والعالم العربي وخاصة في المجالين العلمي والتقني.
- تقوية الروابط بين فرنسا والعالم العربي ومن ثمة بين العالم العربي وأوروبا.

لفهم المحتوى العميق لهذه الأهداف ولهذه التجربة المشتركة لا بد من العودة إلى السياق التاريخي الذي انبثق ضمنه المشروع، والمقصود هنا بدايات وأواسط الثمانينيات من القرن الماضي.

"
معهد العالم العربي، ومن خلال الازدواجية الإدارية (فرنسية/عربية)، ظل محكوما بالتعارض بين الثقافة الإدارية الفرنسية المعقلنة, وبين أسلوب التسيير العربي المؤسس على عقلية الولاء والمنفعة الشخصية
"
وهي مدة بدأ ينحصر فيها مناخ الخروج من المرحلة الاستعمارية وما صاحبه من توتر لعل أبرز دليل عليه حالة الاحتقان التي سادت العلاقات بين الجزائر وفرنسا.

ففي الجزائر بدأت تبرز أكثر فأكثر مظاهر القطيعة مع مرحلة هواري بومدين في ولاية خليفته الشاذلي بن جديد. ولعل هذا التحول الجزائري كان من أبرز عوامل الدفع نحو التقارب العربي الفرنسي. نضيف إلى ذلك الواقع الجديد الذي خلفته الحرب العراقية الإيرانية.

ففرنسا كانت من المساندين العلنيين لصدام حسين، وهي التي ساعدته على خوض تجربته النووية. ليس من المستبعد كذلك أن تكون هذه التجربة الثقافية مرتبطة بتصاعد التيارات الإسلامية مع نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، حيث يساهم التقارب الثقافي العربي الفرنسي في حصار شعار الغرب هو الشيطان الأكبر كما روجت له أفكار الثورة الإسلامية الإيرانية.

بهذا المعنى يكون معهد العالم العربي في أحد أبعاده الضمنية تواصلا ثقافيا للحصار السياسي العربي حول النظام الإيراني الجديد والذي رعته الدول الغربية الفاعلة. هناك إذن أرضية سياسية تفسر إلى حد ما بعض النقائص الحالية.

على مستوى التسيير، يعتبر معهد العالم العربي مؤسسة خاضعة للقوانين الفرنسية المعمول بها في هذا المجال. وربما كان هذا الازدواج في الشخصية سببا من بين أسباب أزمتها.

فالتسيير الإداري مزدوج إذ نجد على رأسه الرئيس وهو دائما فرنسي (دومينيك بوديس حاليا) ثم المدير وهو عربي (حاليا الجزائري مختار طالب بن ذياب).

التمويل كذلك مشترك، 47% تأتي من التمويل الذاتي للمؤسسة بما فيها عائدات الرعاية من المؤسسات ومن الأفراد، في حين تمول الحكومة الفرنسية والدول العربية النسبة المتبقية.

إن معهد العالم العربي، ومن خلال هذه الازدواجية الإدارية، سيكون محكوما بالتعارض بين الثقافة الإدارية الفرنسية المعقلنة (من حيث مراقبة السلطة التشريعية والقضائية للتسيير الإداري) وبين أسلوب التسيير العربي المؤسس على عقلية الولاء والمنفعة الشخصية.

حتى إن بعض الدول العربية أصبحت غير متحمسة للإسهام في حركية المعهد بسبب وزن المراقبة الإدارية الفرنسية.

حصيلة متباينة
ما هو الواقع الحالي لمعهد العالم العربي بباريس؟ من غير الممكن إنكار نجاحات هذه المؤسسة التي أصبحت معلما ثقافيا وسياحيا سواء في باريس أو على الصعيد الفرنسي ككل. مع ما يقارب المليون زائر سنويا، للوقوف على خصوصيته الهندسية، يعد هذا المعلم من بين الأماكن الأكثر جذبا للسياح في العاصمة الفرنسية.

ويساهم هذا الجذب بشكل غير مباشر في تمويل خزينته وبالتالي في توفير قاعدة مالية لتمويل أنشطة ثقافية تعرِّف بالعالم العربي. من غير الممكن كذلك المرور بشكل عابر على أهمية الحركة الثقافية التي ارتبطت بمعهد العالم العربي باعتباره مرجعا، في فرنسا وحتى في أوروبا، للاطلاع على الثقافة العربية، سواء كان ذلك من خلال مكتبته الثرية أو من خلال الندوات والمحاضرات التي يحتضنها بمعدل مرتين في الأسبوع تقريبا.

على المستوى العلمي ساهمت مكتبة هذه المؤسسة في التعريف بالعالم العربي على الصعيد الثقافي العام وعلى صعيد البحث العلمي.

لكن لا يمكن لهذه النجاحات الثقافية والعلمية أن تحجب واقعا خانقا قد يغطي على كل المظاهر الإيجابية المذكورة. ما يظهر بشكل مباشر هو أن الأزمة مالية بالأساس.

"
تبدو أزمة معهد العالم العربي بباريس مالية لكنها تحيل إلى مكانة الثقافة في الخيارات الإستراتيجية للبلدان العربية، وهي كذلك تسييرية تحيل إلى مرض الإدارة العربية التي ربما أصابت بعدواها الإدارة الفرنسية
"
لكن حقيقة الأمر أن الأزمة أعمق من هذا المستوى لأنها تحيل على أزمة الثقافة في العالم العربي سواء على مستوى تطويرها الداخلي أو على مستوى تصديرها.

فميزانية المعهد تسجل عجزا مزمنا منذ تأسيسها تقريبا ويكفي هنا أن نورد رقما للتدليل على ذلك. فالديون المتراكمة تبلغ حوالي 15 مليون يورو على ميزانية سنوية تقدر بـ23 مليون يورو، أي أن نسبة المديونية تقدر بـ68%.

ويفسر هذا الوضع بعاملين رئيسيين، يتمثل الأول في عدم زيادة قيمة المساهمة الرسمية الفرنسية منذ سنة 1990 (8.5 ملايين يورو). لكن العامل الأبرز يبقى مرتبطا بعدم انتظام نسق المساهمات العربية في هذا المشروع.

وعلى سبيل المثال تبلغ الديون الليبية تجاه المعهد قرابة 14 مليون دولار، أي أكثر من نصف الميزانية السنوية للمؤسسة. غير أن المثال اللليبي يفهم ضمن الوضع الذي ساد العلاقات مع فرنسا والحصار الذي فرض عليها بسب قضيتي الطائرتين اللتين فجرتا في أسكتلندا وفي النيجر.

وقد قررت السلطات الليبية هذه السنة تسديد مبلغ 8 ملايين دولار من جملة ديونها. المشكلة أن التأخير في دفع هذه المستحقات يشمل أغلب الدول العربية تقريبا.

يضاف إلى هذا العجز المالي تلك الفضيحة التي مست سمعة المعهد العربي في الصيف الماضي والمتعلقة بسرقة جزء من مخزونه الأثري والفني.

فقد أعلن مع بداية صيف سنة 2007 عن فقدان بعض الآثار الفنية النادرة. وقد فوجئ المهتمون بشأن المعهد بخبر عودة المسروقات من جديد وبشكل غامض إلى أروقته.

أما على مستوى المنتوج الثقافي ذاته، فالسؤال يطرح اليوم حول مدى نجاح معهد العالم العربي بباريس في نشر ثقافة عربية نوعية قادرة على إبراز ثرائها وتنوعها ومدى انخراطها في سياق الثقافة الإنسانية.

ولعل المؤشر على ذلك هو الانتشار المفزع للفكر السلفي الجهادي في أوساط الشباب من ذوي الأصل العربي في فرنسا. فالعودة إلى ثقافة الأصل تمر في فرنسا اليوم عبر بوابات المساجد التي يؤمها أفراد مغالون في التطرف وليس عبر معهد العالم العربي.

قد تبدو الأزمة إذن مالية لكنها تحيل كما أسلفنا على مكانة الثقافة في الخيارات الإستراتيجية للبلدان العربية، وهي كذلك تسييرية تحيل على مرض الإدارة العربية التي ربما أصابت بعدواها الإدارة الفرنسية.

أزمة تصدير الثقافة العربية
إذا تناولنا الجانب المالي من الأزمة، وجب علينا التساؤل عن أسباب عدم انتظام المساهمة العربية في هذا المشروع الرائد, أرى أن عدم الانتظام هذا يعكس وضعين أساسيين تشكو منهما الثقافة العربية في ظل الخيارات السياسية القائمة حاليا.

إن عدم انتظام المساهمة العربية يعكس ترددا أو ربما عدم اقتناع بجدوى المعهد وربما بجدوى تصدير الثقافة العربية عموما. وقد أذهب أبعد من ذلك بالقول بأن لا وجود لسياسة عربية حقيقية لتصدير الثقافة العربية. لماذا؟ لأن تصدير الثقافة العربية يتطلب رؤية موحدة لهذه الثقافة المشتركة.

ومثل هذه الرؤية تندرج ضمن مشروع موحد يرتكز على وعي بقيمة الثقافة العربية المؤسسة لهوية ثقافية عربية جماعية. والحال أن الدول العربية بنت شرعية وجودها السياسي والثقافي في مرحلة الاستقلال على مفهوم الوطن الإقليمي.

"
عدم انتظام المساهمة العربية بمعهد العالم العربي يعكس ترددا أو ربما عدم اقتناع بجدوى المعهد وربما بجدوى تصدير الثقافة العربية عموما، بل ربما لعدم وجود سياسة عربية حقيقية لتصدير الثقافة العربية
"
فكان سعي هذه الدول موجها أكثر نحو بناء ثقافة تبرر النظام الإقليمي لأنه الإطار السياسي الذي يضمن وجود دولة الحزب الواحد، ودولة القائد الواحد وكذلك دولة العائلة الواحدة.

فكل توجه ثقافي أوسع نحو الثقافة العربية الشاملة كان سيضع الشرعية السياسية للوجود الإقليمي محل شك. لهذا السبب نجد هذه البلدان تشجع على المقومات الثقافية للوجود المشترك في إطار الدولة الوطنية.

فبناء الشخصية الثقافية للفرد يعد مجرد حلقة من حلقات بناء الدولة الوطنية التي يٌختزل وجودها في رمز موحد (الحزب أو القائد).

فحتى الأنظمة التي بنت شرعية وجودها على مفهوم الثقافة العربية القومية (ليبيا والأنظمة البعثية مثلا)، كانت في الحقيقة توجه هذا المخزون القومي لإبعاد الفرد عن الاهتمام بحقيقة ما يدور في إطار الدولة الوطنية وللالتفاف على الاستحقاقات الديمقراطية.

ما يلاحظ كذلك أن عملية بناء الدولة الوطنية ركزت على البعدين السياسي والمعيشي اليومي. أقصد بالبعد السياسي اختزال علاقة الفرد المواطن بالسلطة في علاقة الولاء الأبدي.

أما الجانب المعيشي فيتمثل في حصر وجود الفرد في بعده اليومي البيولوجي المرتبط بلقمة العيش مع ما يفرزه ذلك من الشعور بدين أبدي تجاه الحاكم موفر لقمة العيش.

لقد أدى هذا التسييس السلطوي الفاضح إلى حصار رسمي للبعد الثقافي ضمن تكوين الفرد وذلك خوفا من قدرة الثقافة النوعية على فتح آفاق خارج إطار السلطة. كما أدى هذا الخيار إلى نفور الفرد ذاته من الثقافة لعدم جدواها الحيني على مستواه المعيشي وكذلك لرهبة من الابتعاد عن فضاء السلطة.

في سياق هذا البناء الوطني الإقليمي والهواجس السياسية والاجتماعية التي ارتبطت به تمت صياغة سياسة رسمية للثقافة لم تكن في حقيقة الأمر سوى خطاب مضخم لإجراءات ومبادرات ظرفية لا ترقى إلى الحاجيات الحقيقية للمجتمع على صعيد الثقافة الفاعلة والنوعية.

فالتراث مثلا لم يعد معطى ناتجا عن تراكم التجربة التاريخية للمجتمع، بل أصبح عنصرا من عناصر بناء سلطة النخبة السياسية باعتبارها الراعي النهائي والوحيد لعناصر هوية الوطن.

ضمن هذا الإطار يمكننا أن نفهم الحماس العربي الرسمي تجاه الأيام الثقافية والمعارض الخاصة بكل دولة لما توفره من فرص للدعاية الرسمية في الخارج في ظل فقدان مصداقيتها على المنابر السياسية الدولية.

هذا يعني وجود نوع من المنافسة بين السياسة الثقافية الرسمية، أي الإقليمية، وبين الحاجة لإبراز الثقافة العربية ضمن إستراتيجية الانفتاح على الآخر.

يمكننا كذلك أن نفهم تردد الدول العربية تجاه تصدير الثقافة العربية إلى الخارج ضمن السياسة الخارجية العربية عموما وموقع الثقافة ضمن رهاناتها.

أرى أن عملية بناء الدولة الوطنية وما ولدته من احتكار للسلطة في يد نخب حزبية أو عائلية أو في يد أفراد كاريزميين، يطرح السؤال عن إمكانية وجود رهانات أخرى عدا تلك المرتبطة بتركيز نفوذ هذه النخب على مجتمعاتها وعلى جهاز الدولة.

"
لا تنحصر مسؤولية النظام العربي الرسمي عن قصور محاولات تصدير الثقافة العربية على مستوى المستحقات المالية المخصصة لهذا الغرض بالمعهد أو على مستوى السياسة الثقافية، بل تتجاوزها إلى مستوى التسيير والإدارة
"
فالرهانات الحقيقية لهذه الأنظمة داخلية وليست خارجية. وإن وجدت لها بعض الرهانات خارج هاجس تعزيز السلطة القائمة فهي تتخذ عادة شكل المواجهة مع بلد عربي مجاور والأمثلة على ذلك عديدة. هذا الوضع يفسر غياب سياسة عربية خارجية فاعلة ولو على مستوى كل دولة على حدة.

لا تنحصر مسؤولية النظام العربي الرسمي عن قصور محاولات تصدير الثقافة العربية على مستوى المستحقات المالية المخصصة لهذا الغرض أو على مستوى السياسة الثقافية، بل تتجاوزها إلى مستوى التسيير والإدارة.

فبالعودة إلى مثال المعهد العربي، يمكن القول إن عدوى قصور الإدارة العربية وفسادها وصل حد الساحة الباريسية متجسدة في صراع إداري محموم أحيانا بين هذه الدولة وتلك لفرض مدير عام من جانبها أو من المقربين منها.

فعندما تكون الإدارة جزائرية مثلا، كما هو الحال الآن، فعلينا أن ننتظر سنوات لنرى حماسة مغربية في التعامل مع المعهد العربي بباريس.

هذا إلى جانب المحسوبية وكل مظاهر البيروقراطية التي تنفجر في كل مناسبة توظيف جديدة. على هذا المستوى انتقلت الإدارة العربية بكل تخلفها لتحط برحالها على ضفاف نهر السان.
_____________

كاتب تونسي

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك