صالح السنوسي

صالح السنوسي

أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة بنغازي.

في إحدى معارك الجبل الأخضر الكبيرة فوجئ عمر المختار بأن الصفوف الأولى في القوات الإيطالية هي من المجندين الليبيين الذين يطلقون عليهم تسمية "الشناوير" و"الباندة" نسبة إلى "الشنوارة" باللهجة المحلية الليبية أي الحلية التي تتدلى من قبعاتهم الحمراء تمييزا لهم عن الجنود الإيطاليين، فوجد عمر المختار نفسه مترددا في إعطاء الأمر بالهجوم أمام هذا الوضع الشاذ.

"
منطق الغالب والمغلوب بين العرب والغرب هو الذي كان خلف ظهور قبائل الصحوة في العراق حين حملوا السلاح إلى جانب المحتل بحجة العنف المنفلت متجاهلين أن السبب الحقيقي وراء ذلك ليس دخول القاعدة أو المقاتلين العرب، بل الغزاة الذين اجتازوا حدود العراق بقوة السلاح
"
غير أن أركان قيادته لم يكونوا من رأيه، لأنه لا سبيل إلى الوصول إلى جنود روما الذين تدفقت بوارجهم عبر البحر الأبيض إلى رمال الشواطئ البيضاء وسهول الحنطة في الجبل الأخضر، ما لم يتم ضرب واختراق الخطوط الأولى.

أمام هذا الخيار الصعب وإصرار رجاله على رأيهم أعطى عمر المختار على مضض أمره بخوض المعركة التي انتهت حسب المصادر التاريخية بنصر مؤزر للمجاهدين، غير أن عمر المختار أمام هذا المشهد المأساوي كان على صهوة جواده يردد طوال المعركة عبارة أضحت شهيرة في تاريخ الجهاد الليبي "عرب في عرب عطكم جرب".

كان ذلك في بدايات القرن العشرين في خضم الموجة الاستعمارية الأوروبية الثانية، التي انطلقت في بدايات القرن التاسع عشر، وكان آخر ضحاياها إمبراطورية بني عثمان، حيث تم تقسيم بلاد العرب بالتراضي إلى أنصبة بين قوى الاستعمار الغربي العريقة منها والناهضة.

لم يكن المشهد الذي وجده عمر المختار أمامه شاذا بالنسبة لتاريخ الغزاة والشعوب المغزوة، فأي قوة محتلة لا بد أن تجد بين أبناء البلد المحتل من يتعاون معها، غير أن تحكم قانون الغالب والمغلوب منذ خمسة قرون في العلاقة بين العرب والغرب أدي إلى تكرار هذه الظاهرة في مشرق بلاد العرب وغربها، بحيث بدا وكأن العرب هم أكثر شعوب العالم تعاونا مع محتليهم.

فبعد مضي أربعة عقود على هذا الموقف الذي واجهه عمر المختار ورفاقه، وجدت الثورة الجزائرية نفسها في موقف مماثل، فقد جند الاستعمار الفرنسي آلافا مؤلفة من المحليين الجزائريين وأطلق عليهم اسم "الحركيين" وهم جنود ومقاتلون أشداء وأكثر تهورا من الجنود الفرنسيين أنفسهم في مواجهة المجاهدين الجزائريين، وأشد قسوة وعدوانية في مواجهة أبناء جلدتهم من المدنيين في المدن والقرى.

كان الحركيون أكثر دراية بعادات وتقاليد المجتمع، وأكثر فهما للغته ومشاعر أبنائه وردود فعل أفراده وطريقة تفكيرهم، وبالتالي أصبحوا رأس حربة الجيش الفرنسي في المداهمات والصدامات والمعارك في القصبة أو في الحراش مثل ما هم في جبال أطلس.

وضاق بهم مقاتلو جيش التحرير مثل ما ضاق قبلهم عمر المختار ورجاله بالشناوير والباندة، فكان على رجال المقاومة الجزائرية أيضا أن يضربوا الحركيين ويتغلبوا عليهم أولا قبل أن يتمكنوا من الوصول إلى الغزاة الفرنسيين.

لاشك أن مثل هذا القرار مؤلم ومأساوي ومثبط لعزيمة المقاوم الذي يحس بأن تضحيته لا يدفع ثمنها جنود الاحتلال، بل أبناء جلدته الذين يتصدون له.

ورغم أنه يتعامل معهم مثل ما يتعامل مع جنود الاحتلال، فإنه في الأغوار العميقة من نفسه يشعر بأسى وبألم لما يصدر منه تجاههم وما يصدر منهم تجاهه.

"
ظاهرة الصحوة ما هي إلا فكرة عربية أو على الأقل ابنة النصائح والاستشارات التي دأبت أطراف عربية على تقديمها للإدارة الأميركية قبل وبعد غزو العراق
"
قانون الغالب والمغلوب المتحكم في العلاقة بين الغرب والعرب منذ قرون، لم يتوقف عن إعادة إنتاج هذه الظاهرة في كل بقعة عربية تعرضت للغزو والاحتلال وذلك لسببين.

أولهما، أن الغرب لم يتوقف عن التدفق عسكريا صوب المنطقة فارضا على شعوبها اختلاطا قسريا في حدود مصالحه وإستراتيجيته، يدفعه إلى ذلك بقاء قانون الغلبة المتحكم في علاقته بالعرب.

ولذا فإن الرئيس الأميركي جورج بوش -على سبيل المثال- أعلن الحرب على العراق دون أن يكترث بشبه إجماع المجتمع الدولي على رفض هذه الحرب، وذلك لأن واقع علاقة القوة كان يؤكد أن نتائج الحرب مضمونة عسكريا لصالح الولايات المتحدة الأميركية، في مقابل خسائر زهيدة قد لا تتجاوز العدد اليومي لضحايا السير على الطرق في إحدى الولايات الأميركية.

ثانيهما، هو أن الاحتلال عادة ما يؤسس وقائع تخلق بدورها منطقا مترابط الحجج بالنسبة لمن يريد أن يتعاون من أبناء البلد المحتل مع محتليه، فيصبح الجدل وإعمال العقل يدور حول كيفية التعامل مع هذه الوقائع التي أمست أمرا واقعا، بينما يتوارى في زحمة الواقع الجديد السبب الحقيقي والمنشئ لهذه الوقائع وهو الاحتلال.

ولعل مثل هذه الوقائع وهذا المنطق كان خلف ظهور قبائل الصحوة في العراق، الذين حملوا السلاح بحجة العنف المنفلت والعبثي، إلى جانب المحتل الأميركي وتجاهلوا أن السبب الحقيقي وراء ذلك ليس دخول القاعدة أو المقاتلين العرب، بل الغزاة الذين اجتازوا حدود العراق عنوة بقوة السلاح وأصبحوا حلفاء لهم في شوارع ومدن العراق.

فقوات الصحوة أثناء أداء مهماتها الموكولة إليها من القوات الأميركية تقوم بإطلاق النار والاشتباك مع كل من يحمل سلاحا في مناطقها، باستثناء قوات المارينز والمتعاونين معهم من العراقيين.

لقد جرى في ظل الواقع الذي أوجده الاحتلال تبرير الوجود العسكري الأميركي على أساس أنه الضمانة الوحيدة ضد الحرب الأهلية وتمزق العراق، في الوقت الذي يتم فيه تسويغ محاربة المقاومة تحت مظلة الحرب ضد القاعدة.

"
أصبح بالإمكان بقاء القوات الأميركية مرابطة في قواعد آمنة وهي قادرة على التدخل للحفاظ على استمرار المصالح الأميركية في العراق في حين تقوم مجالس الصحوة وغيرها بالمهام الباهظة الثمن بشريا في شوارع المدن والقرى نيابة عنها
"
ولهذا تنطلق قوات الصحوة لتقتل أي مسلح يظهر في طريقها باعتباره من القاعدة، بينما يقتل الجيش الأميركي كل من يحمل السلاح ضده سواء من القاعدة أو من المقاومة، لأن النصر لابد أن يكون أميركيا خالصا.

لعل ظاهرة الصحوة ما هي إلا فكرة عربية، أو على الأقل ابنة النصائح والاستشارات التي دأبت أطراف عربية على تقديمها للإدارة الأميركية قبل وبعد غزو العراق.

وكيف ما كان الأمر فإنها هي أحد الأسباب الحقيقية وراء ما يدعيه العسكريون الأميركيون من تحسن في وضعهم العسكري في العراق، ومن تدن في خسائرهم، مما جعل الكونغرس يوافق بعد مماطلة طويلة على ميزانية الحرب التي أصرت عليها إدارة الرئيس بوش، دون ربطها بجدول انسحاب.

فقد بدا أنه بالإمكان مرابطة قوات أميركية في قواعد آمنة وقادرة على التدخل للحفاظ على استمرار المصالح الأميركية في العراق، في حين يقوم العراقيون من مجالس الصحوة وغيرها بالمهام الباهظة الثمن بشريا في شوارع المدن والقرى، نيابة عن تلك القوات المتحصنة في مواقع يصعب الاحتكاك بها والاشتباك معها بالنسبة للمقاومة.

وهكذا تجد المقاومة نفسها في مواجهة عناصر مجالس الصحوة الباحثين عن من يعتبرونهم أجانب من السعوديين أو الليبيين والجزائريين وغيرهم، في الوقت الذي يتعاونون فيه مع جنود المارينز القادمين من وراء المحيط الأطلسي على أساس أنهم حماة أمن العراق ووحدته.

إن هذا الاقتتال الذي أضاف بعدا آخر إلى المشهد المأساوي والموت العبثي في العراق، لا يهدف إلا إلى تحقيق نتيجة واحدة فقط وهى إنقاذ المشروع الأميركي المترنح، كما أنه يضع المقاومة العراقية أمام الموقف نفسه الذي واجهه عمر المختار ومن بعده الثوار الجزائريون.

فقانون الغلبة ما يزال يحكم العلاقة بين الغرب والعرب، والظاهرة لا تزال تعيد إنتاج نفسها، ولو عاد عمر المختار وألقى نظرة على المشهد العراقي لما وجد ما يعبر به عما يراه أمامه سوى عبارته التي قالها في بدايات القرن العشرين في أحد أودية الجبل الأخضر "عرب في عرب عطكم جرب".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك