علاء بيومي

عودة المحافظين الجدد
مشكلة جولياني
زار إسرائيل 3مرات ولم يزر العراق
عمدة كفء
تساؤلات

متابعة تصريحات رودولف (رودي) جولياني وكتاباته وما يكتب عنه تجعل من الصعب على المراقب أن يفرق بين جولياني عمدة نيويورك السابق، أحد المرشحين الجمهوريين للرئاسة الأميركية والرئيس الأميركي الحالي جورج دبليو بوش فيما عدا فارق بسيط، هو أن خبرة جولياني السابقة وخلفيته الشخصية وسمعته التي اكتسبها خلال عمله عمدة لنيويورك تجعله نسخة معدلة من الرئيس الأميركي الحالي تتميز بالذكاء والوعي بالتفاصيل والنظام والعزيمة التي تصل إلى درجة السلطوية.

"
ضعف سجل جولياني على المستوى الأخلاقي جعله يسعى لتعويض نقصه السابق عبر التركيز على القضايا الأمنية وخاصة الحرب على الإرهاب التي أعاد تسميتها ليطلق عليها حرب الإرهابيين على أميركا


"

عودة المحافظين الجدد
وتزيد من هذا الاعتقاد طبيعة المستشارين الذين أحاط بهم جولياني نفسه خاصة في مجال السياسة الخارجية، إذ إن من بينهم بعض أهم زعماء تيار المحافظين الجدد وأكثرهم تهورا في مجال السياسة الخارجية على صعيد التشدد تجاه العالم الإسلامي ومساندة إسرائيل.

وأخص هنا بالذكر نورمان بودهورتز مؤسس مجلة كومنتاري الصادرة عن اللجنة اليهودية الأميركية وأحد الآباء المؤسسين لتيار المحافظين الجدد الفكري بالولايات المتحدة، ومارتن كرايمر الأكاديمي المعني بقضايا الشرق الأوسط.

وبالإضافة إلى مركزية بودهورتز وسط تيار المحافظين الجدد فإنه يروج لمصطلح "الفاشية الإسلامية" ولكون من يسميهم بالفاشيين الإسلاميين هم أخطر أعداء أميركا في الوقت الراهن، وأن أميركا منخرطة في حرب عالمية معهم على غرار الحربين العالميتين الأولى والثانية والحرب الباردة.

ولا يخفي بودهورتز إيمانه بانتشار "الفاشية الإسلامية" وسط أعداد كبيرة من المسلمين في ظل عظم أعداد المسلمين عبر العالم ووجود نسبة منهم تؤمن بالأفكار الفاشية يقدرها بودهورتز بحوالي 10% على الأقل.

أما مارتن كرايمر فهو معروف بانتقاده للجامعات الأميركية بسبب مواقفها التي يرى أنها متعاطفة مع المسلمين والعرب، ولا يخفي الرجل نقده لمسلمي وعرب أميركا والغرب باعتبارهم متعاطفين مع أوطانهم الأصلية.

يضاف إلى هؤلاء دانيال بايبس المعروف بمواقفه المتشددة من مسلمي وعرب أميركا، وقد أثارت أنباء انضمامه لحملة جولياني الانتخابية موجات من القلق والرفض من قبل منظمات المسلمين والعرب الأميركيين.

مشكلة جولياني
وفي سعيهم لتفسير أسباب ارتماء جولياني في أحضان المحافظين الجدد على الرغم من سمعتهم السيئة التي اكتسبوها بعدما قادوا إدارة الرئيس جورج دبليو بوش إلى كثير من الأخطاء السياسية وعلى رأسها حرب العراق، يرى بعض المراقبين أن مشكلة جولياني تعود إلى خلفيته السياسية الليبرالية.

فالرجل مثل بقية المحافظين الجدد كان ليبراليا في الستينيات، ثم تحول نحو اليمين في السبعينيات وأصبح جمهوريا في عهد الرئيس الأميركي السابق رونالد ريغان، كما أنه يمتلك سجلا ليبراليا على المستوى الأخلاقي، إذ يؤيد حقوق الإجهاض ويهادن الشواذ.

هذا إضافة إلى حياته الأسرية والشخصية التي تبدو مفككة، مما يجعله مرشحا غير جذاب في نظر القواعد الجماهيرية الجمهورية التي تسيطر على فئات واسعة منها قوى اليمين المتدينة، خاصة في ولايات الغرب والوسط الأميركية التي يحتاج جولياني إلى تأييدها لكي يفوز بترشيح الجمهوريين له في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

ويقول هؤلاء إن ضعف سجل جولياني على المستوى الأخلاقي جعله يسعى لتعويض نقصه السابق من خلال التركيز على القضايا الأمنية، وخاصة الحرب على الإرهاب التي أعاد تسميتها ليطلق عليها "حرب الإرهابيين على أميركا".

ولا ينسى القارئ أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول ساهمت في صناعة صورة جولياني على أنه بطل قومي في أميركا وعبر العالم، حيث إن جولياني عمدة نيويورك في ذلك الوقت، كان الصوت الذي طمأن الأميركيين بعد الأحداث.

ففي الساعات التالية للهجمات اختفى الرئيس بوش ونائبه تشيني من الساحة السياسية لأسباب أمنية، أما جولياني فلم يختبئ ولم يهرب بل  ظل في نيويورك –أرض المعركة– متحدثا ومطمئنا الأميركيين.

لذا نجد أن جولياني عادة ما يبدأ حديثه بتذكير مستمعيه بأحداث 11/9 وبجيل 11/9، وبأن 11/9 مثلت البداية الحقيقية للقرن الحادي والعشرين.

لذا يطلق بعضهم على جولياني تسمية عمدة 11/9، ويسميه أحد منتقديه عمدة 12/9، لأن ذلك المنتقد يرى أن وصف جولياني لنفسه بأنه خبير في مكافحة الإرهاب غير مبرر، وأن جولياني لم يتحدث عن القاعدة قبل 11/9، وأنه ارتكب أخطاء جسيمة في إدارة نيويورك الأمنية قبل 11/9، وفي يوم الحادث خاصة فيما يتعلق بسوء التنسيق بين قوات الشرطة وقوات الإطفاء مما أدى إلى مصرع العديد من رجال الإطفاء في محاولتهم إنقاذ ضحايا البرجين.

ويرى أصحاب هذا الرأي أن جولياني اكتسب شهرته بسبب أدائه السياسي بعد الهجمات لا بسبب أدائه الأمني قبلها.

أما الفريق الثالث فيرى أن الجمهوريين بطبيعتهم حزب منغلق يرفض نقد الزعيم، وهو جورج بوش في الوقت الراهن، وأن غالبية المرشحين الجمهوريين للرئاسة الأميركية، بما فيهم جولياني يتجنبون نقد بوش، وهو ما يتركهم أمام خيار واحد هو السعي لأن يكونوا صورة أفضل أو معدلة من الزعيم جورج بوش.

"
جولياني لا ينسى التزام أميركا بحماية إسرائيل من أي اعتداء، ولا أنه طرد ياسر عرفات ذات يوم من أحد فنادق نيويورك، رابطا ذلك بأن خبرته في مكافحة الإرهاب تعود إلى الثمانينيات حين كان يحقق في نشاطات عرفات أيام عمله في وزارة العدل
"
زار إسرائيل 3 مرات ولم يزر العراق
منتقدو جولياني يشيرون إلى ضعف خبرته السياسية، خاصة في مجالات الأمن الدولي والسياسية الخارجية التي يركز عليها كثيرا في خطاباته كما ذكرنا من قبل، فالرجل الذي يريد أن يصور نفسه للناخب الأميركي على أنه الرئيس القادر على تمثيل جيل 11/9 وحماية أميركا من 11/9 أخرى، لم يزر العراق حتى الآن، كما أنه خلال فترة عمله عمدة لنيويورك لم يسافر خارج أميركا إلا أربع مرات، ثلاث منها إلى إسرائيل.

ومع ذلك يقدم جولياني رؤية متشددة نحو العالم الذي يصفه بأنه عالم مخيف مليء بالأخطار وبالإسلاميين الراديكاليين الفاشيين الذين يتحينون الفرصة للهجوم على أميركا.

لذا فهو ينادي في المقابل بالهجوم المستمر على الأعداء وببناء قوة أميركا وجيشها وتأمين الحدود وتعبئة الجيل الراهن من خلال مؤسسات مدنية وعسكرية لتحسين صورة أميركا في الخارج، كما ينادي بالحد من النقد لأميركا داخل أميركا وخارجها وبحشد السياسيين والدبلوماسيين الأميركيين من أجل ذلك.

كما ينتقد الأمم المتحدة ويعتبرها مؤسسة فاسدة فاشلة لا تصلح إلا لإرسال قوات حفظ سلام إلى بعض الدول، ويبدو أنه يريد استبدال الناتو بها، حيث يريد توسيعه ليضم إسرائيل وغيرها من الدول المساندة للولايات المتحدة والغرب.

ويؤكد أنه صادق في تهديده لإيران، وأنه لن يسمح لها بامتلاك السلاح النووي، وأنه مستعد لاستخدام ضغوط سياسية واقتصادية قاسية على إيران لإشعارها بجدية الطلب الأميركي.

وقال إنه عند التفاوض لن يشعر الطرف المواجه له بالاطمئنان وضمان عواقب جولياني وسياساته، فسوف يبقى دائما رئيسا يصعب التنبؤ بسياستة الصارمة لا يتورع عن الضغط بكل طاقته، كما يهدد الإيرانيين بأنهم "لو اقتربوا من أن يصبحوا قوة نووية فسوف نمنع ذلك، أو سوف نعيدهم عشر سنوات للرواء".

أما بخصوص الصراع العربي الإسرائيلي فيعود جولياني إلى المربع الأول، لأنه يرى أن منح الفلسطينيين دولة ليسيطر عليها المتشددون لا ينبغي، بل يجب على الفلسطينيين أن يحكموا أنفسهم أولا ويكافحوا التطرف وسطهم على أن يكافؤوا بعد ذلك بدولة.

ولا ينسى جولياني التأكيد على التزام أميركا بحماية إسرائيل من أي اعتداء، وعلى صداقته مع إيهود أولمرت، وعلى أنه سبق أن طرد ياسر عرفات من أحد فنادق نيويورك، وأن خبرته في مكافحة الإرهاب تعود إلى الثمانينيات حين كان يحقق في نشاطات عرفات عندما كان جولياني مسؤولا في وزارة العدل الأميركية.

ويعد جولياني بالبقاء في العراق وأفغانستان حتى يتم إصلاح الدولتين وتحويلهما إلى عداد الدول الحرة والمتقدمة، حيث يرى أن الفشل فيهما سوف يحولهما إلى غزة جديدة في قبضة المتطرفين.

كما يتراجع جولياني عن فكرة نشر الديمقراطية عبر العالم عن طريق الإسراع بعقد انتخابات حرة، لأنه يرى أن تلك الفكرة ممعنة في المثالية، وأنه من الأفضل تشجيع الدول غير الديمقراطية على بناء مؤسسات مدنية قوية أولا قبل عقد انتخابات حرة.

وعلى الصعيد الداخلي يطالب جولياني بإصدار بطاقات هوية خاصة للأجانب تحتوي على كل معلوماتهم بما يسهل عملية تعقبهم والتعرف عليهم وطردهم إذا أخطؤوا.

كما يدعو إلى تقوية قوانين مكافحة الإرهاب، وإنهاء تدفق المهاجرين غير الشرعيين على الولايات المتحدة.

"
العيب في أفكار جولياني وخطاباته أنها مجرد وعود لا تساندها خطط واضحة، بل إنه يشغل الوقت بيقينه بأنه قادر على قيادة أميركا مثلما كان قادرا على إعادة بناء مدينة نيويورك عندما كان عمدة لها
"
عمدة كفء
الأفكار السابقة أشعرت كثيرا من المتابعين الأميركيين بالخوف والقلق من جولياني وتهوره، ودفعت بعضهم إلى وصف أفكاره بأنها أكثر تشددا من أفكار الرئيس جورج دبليو بوش، كما دفعتهم إلى اتهام جولياني بالجهل في كثير من الأحيان وبأنه لا يمتلك الخبرة التي تؤهله لفهم قضايا السياسة الخارجية وبأن مستشاريه يكتبون له أفكارا متطرفة صعبة المنال.

ويرى بعضهم على سبيل المثال أن خطة جولياني لتوسيع الجيش الأميركي تتطلب زيادة كبيرة في عدد الجنود تفوق قدرة الجيش على العثور على أفراد راغبين في التجنيد في الوقت الراهن، كما يرى آخرون أن خطط جولياني لمراقبة الحدود ولحماية أميركا ببناء درع صاروخي تفتقر إلى التقدم التكنولوجي الذي يسمح بتحقيق ذلك.

لذا يشير هؤلاء إلى أن أفكار جولياني وخطاباته ينتابها عيب أساسي واضح، هو أنها عبارة عن وعود وأفكار ضخمة لا تساندها خطط واضحة، بل إن جولياني –كما يرى هؤلاء– يتعمد الهروب من الأسئلة المحددة مفضلا قيادة ناصية الحديث وتوجيهه لشغل الوقت بأحاديثه المفضلة التي تتركز على يقينه الذاتي بقدرته على قيادة أميركا إلى الفوز في "حرب الإرهابيين على أميركا" مثلما تمكن من إعادة بناء مدينة نيويورك عندما كانت عمدة لها.

وهنا يعترف أنصار جولياني وخصومه بقدرته على تطهير نيويورك من الجريمة والبطالة ومن مؤسسات الإعانة الاجتماعية الفاشلة.

ويجمع الكثيرون على أن جولياني المنحدر من أصول إيطالية أميركية فقيرة، الذي تمكن بمجهوده الفردي من أن يكون محاميا وأن يعتلي مناصب سياسية مرموقة يمتلك قدرا كبيرا من الذكاء والنظام.

فحملاته الانتخابية تسير كالقطار تحت أفكار محدودة بدقة كبيرة، كما أنه رجل قادر على الوعي بتفاصيل الأمور، والحرص على المشاركة في صناعة القرار واتخاذه، كما يتميز بقدر من العناد يؤهله لتبني أفكار جريئة وغير مقبولة وفرضها على خصومه ومعارضيه.

وهذه هي الصورة التي يسعى جولياني لرسمها لنفسه مرارا وتكررا، وحتى الآن تبدو إستراتيجية جولياني ناجحة على الأقل في أوساط الجمهوريين الذين يفضلونه على أي مرشح جمهوري آخر بفارق واضح في الوقت الراهن.

تساؤلات
بقي لنا أن نتساءل عن حقيقة اقتناعات جولياني وسياساته، وهل ستتغير بعد فوزه بترشيح الجمهوريين له، حين يتحتم عليه ترشيد أفكاره وتعديلها بما يسمح له باجتذاب أصوات اليمين واليسار على حد سواء.

وهل ستتغير إذا ما فاز بالرئاسة، ثم هل ستتغير أفكار جولياني وسياساته بمرور الوقت وهو الذي أظهر قدرات براغماتية عالية، وقدرة على الاختلاف عن مستشاريه خاصة فيما يتعلق بالإسلام والمسلمين عبر عنه بأفكار إيجابية تختلف إلى حد كبير عن أفكار بودهورتز وكرايمر وبايبس.
__________________
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة

التعليقات