عبد الله الحسن

- منشأ الأزمة
- عوامل مضافة
- وظيفة الأزمة
- لبنان تحت الانتداب
- أزمة مخاض

أسطورتا ولادة لبنان: السماوية أسطورة الملاك العاشق سيدار الذي يهبط إلى الأرض ويحتضن ابنه الجبال ليولد لبنان، أو الأرضية زواج ربة الجمال عشتروت من الإله الجميل أدونيس ليولد لبنان، المفعمتان بالرومانسية لا تتفقان بتاتا مع حقائق الاجتماع السياسي اللبناني ولا الجغرافية ولا التاريخ اللذين بدا فيهما لبنان على طول حيانه ملكا للآخر أكثر مما هو هبة لأبنائه.

لذلك حين يختل التوازن القائم بين قوى الآخر الإقليمي والدولي، يتخلخل العقد الاجتماعي ويتهاوى لبنان في مستنقع محنة متعددة الوجوه، تشكل عوارض لجوهر أعمق كثيرا، يتحاشى الكثيرون مقاربته على الأقل صراحة خوفا من مواجهة حقائق مرة.

وجوهر هذه الأزمة يتعلق بلبنان الكيان ومدى قابليته للاستمرار وقدرته على الصمود أمام العصبيات الشمشونية والعضلات المستعارة من الخارج، خاصة في ظل اللحظة الإقليمية والدولية الراهنة التي يحكمها اللايقين الأمني والسياسي والجغراسياسي أيضا.

"
اللافت في لبنان في الفترة الأخيرة هو أن الطوائف اللبنانية باتت تستحضر الآخر بصورة دائمة في خطابها، سواء في سياق الحديث المخادع عن "وحدتها الوطنية" أو في سياق تنصلها من بناء الوطن والدولة
"
منشأ الأزمة
أزمة الكيان اللبناني هي دون شك ذات طبيعة تكوينية بنيوية يصعب التحرر منها ضمن الشروط التاريخية والاجتماعية القائمة اليوم، وهي ترتبط بإعلان دولة لبنان الكبير على يد الاستعمار الفرنسي مطلع العقد الثاني من القرن الـ20، وتحديدا إلى دستور العام 1926 الذي وضعته فرنسا على أسس طائفية، كرسها لاحقا في الميثاق الوطني عام 1943.

هذه التركة المقيتة التي طالما أشعلت الحروب الأهلية حولت لبنان إلى معمل تجارب للقتل والخطف وتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، حتى بات تاريخ لبنان هو تاريخ الصراع بين الطوائف، لكن بتفاوت في طبيعة العنف، وصراع بين سلطة مركزية ودويلات لا تلبث أن تتكون تحت اسم كانتونات، أو إدارة محلية مدنية أو إمارة ، أو قائمقامية..إلخ.

أما الفترات الهادئة، فلم يكن هدوؤها سوى الهدوء الذي يسبق العاصفة, حين تستعد الأطراف لأحداثها أو لإحداثها، وهكذا عاش لبنان بين أزمة راهنة وأزمة لاحقة تختمر وتحضر نارا تحت الرماد.

ما يلفت النظر في الأمر وتحديدا في العقود الثلاثة الأخيرة هو أن الطوائف اللبنانية باتت تستحضر الآخر بصورة دائمة في خطابها، سواء في سياق الحديث المخادع عن "وحدتها الوطنية" أو في سياق تنصلها من بناء الوطن والدولة.

وهذا الآخر هو أولا الفلسطينيون والسبب واضح لا لبس فيه، وهو أن عصبيات الطوائف اللبنانية لا تكتمل ولا تتم إلا في أتون الصراع مع الفلسطينيين.

هكذا فعل المسيحيون أواسط السبعينيات والشيعة أواسط الثمانينيات، وربما هذا ما يفعله سنة الحريري اليوم.

عوامل مضافة
يبرز في مقدمة هذه العوامل:
1- التحولات الجارية في عالم اليوم، والانتقال من قرن فكرة الدولة القومية أو الوطنية، القرن العشرين إلى قرن الأعراق والطوائف والمذاهب، القرن الـ21... حيث تلعب هذه المكونات دورها في تعزيز وتعميق أزمة الكيان اللبناني من خلال موضعتها في سياق عالمي واسع.

أبرز الدعاة لذلك هو المفكر الفرنسي ريجيس دوبريه الذي وصف لبنان بـ"المختبر الصغير الذي كانت ولا تزال تجري فيه محاولات للتعايش بين أقليات دينية تختزل جانبا من مشروع عالمي تعثر مؤخرا، وانحدر إلى مستوى اللجوء إلى القوة لحسم خلافات مستمدة من كتب التاريخ القديمة".

ويبدو أن دوبريه يستمد رؤيته من أفكار مستشار كارتر لشؤون الأمن القومي زبغنيو بريجنسكي الذي تتنبأ باندثار القوميات مع زيادة الاتجاه نحو العالم الواحد، نتيجة الثورة الحادثة في وسائل الاتصال والإلكترونيات، ما يؤدي إلى ازدياد الجماعات العرقية والدينية انغلاقا على نفسها بسبب رغبة الأفراد في الحصول على انتماء حميم وعلى شعور بالحماية.

2- موقع لبنان الجغرافي، إذ يقع لبنان على خط زلازل المنطقة الحبلى دائما بالانفجارات، حيث يفرض عليه استحقاق الموقع أن يكون في لهيب الصراع، وساحة معركة للعديد من المصالح المتداخلة والمتعارضة في الشرق الأوسط.

وبفعل توزع ولاءات الأطراف الداخلية اللبنانية بين المشاريع والمحاور الإقليمية والدولية دائما يكون الاجتماع السياسي بسببه عرضة للانفجار.

وتزداد وطأة استحقاقات الموقع الجغرافي اليوم في ظل تغير المشهد الجيوسياسي في السنوات الأخيرة وبروز تحديات ذات ديناميكات أكثر تعقيدا مما سبق، ومسببة للاضطرابات.

ويعود ذلك إلى كونه صورة مصغرة عن المنطقة وأزماتها أولا، وإلى كون المسائل الجوهرية المتعلقة بطبيعة الدولة والمجتمع مازالت من دون حل.

3- اندراج لبنان منذ اغتيال المرحوم رفيق الحريري في حالة فوضى أي في حالة من اللاقرار وسيادة اللادولة.

تجدر الإشارة إلى أن الفوضى تصنع غالبا بإثارة العصبيات الطائفية والمذهبية، وما تفضي إليه من تعدد مرجعيات القرار التي تدخل مع بعضها في حالة صراع وصدام وتنافس تكون نتيجتها العجز الفاضح عن اتخاذ القرار.

وظيفة الأزمة
ثمة وصف سكه وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر خص به لبنان في الأساس هو (الفائض الجغرافي).

ويبدو لي أن المعنى الكامن فيه كان ذات وظيفة مستقبلية تتحقق اليوم، وهي تمكين الولايات المتحدة من استخدام لبنان محطة كبرى في تنفيذ مخططاتها تجاه المنطقة العربية الإسلامية عبر جعله غرفة عمليات متقدمة لإستراتيجية "الفوضى الخالقة" العابرة للحدود، لتقييد خيارات السياسة السورية واحتوائها، والدفع لتحطيم الجغرافيا السورية.

"
في سبيل امتلاك المحطة اللبنانية في مشروعها "الشرق الأوسط الكبير" قامت الولايات المتحدة بإدخال لبنان رسميا تحت الوصاية الدولية عبر سلسلة من القرارات الصادرة عن مجلس الأمن
"
وحسبنا هنا أن نشير إلى مقالة الضابط المتقاعد في الجيش الأميركي المقدم رالف بيترز الذي قضى عشر سنوات من حياته العسكرية في الاستخبارات العسكرية الأميركية في ألمانيا، وحملت عنوان "حدود الدم: ما هو شكل شرق أوسط أفضل؟".

وهذه المقالة نشرها صاحبها في مجلة القوات المسلحة الأميركية عدد يونيو/ حزيران 2006.

بعض الآراء تقول إن نشر مقال خطير كهذا في مجلة عسكرية بهذا الوزن يعني أن المشروع ليس مشروع الكاتب بل مشروع من وراء الكاتب، فيما يخص سوريا لبنان، وقد جاء في المقال "سوريا سوف تخسر الكثير كالعراق".

وصاحب المقال بيترز يقص الساحل السوري ويقدمه هدية إلى لبنان الأكبر، على ألا يكون لبنان هذا شبيها بلبنان اليوم، إذ المطلوب منه أن يتحول إلى انتماء متوسطي (نسبة إلى البحر الأبيض المتوسط)، وهكذا تولد فينيقيا من جديد.

كما ترمي الولايات المتحدة إلى استخدام لبنان قاعدة ونقطة انطلاق لحماية أنابيب نقل النفط الأميركية في المنطقة (خط باكو تبليسي سيهان) و(خط الموصل كركوك سيهان) وكذلك محورا للإمداد اللوجستي للقوات الأميركية في العراق، وكمكان للراحة والاستجمام واستراحة للقوات الأميركية الموجودة في المنطقة.

وفي سبيل تحقيق هذه الأحداث تعقد الولايات المتحدة العزم على "إقامة قاعدة عسكرية جوية" في شمال لبنان تحت ذريعة تدريب الجيش اللبناني.

وقد جاء الحديث عن هذا المشروع في تقرير "واين ماديسون" الاستخباري الذي أكد أن وزارة الدفاع الأميركية منحت شركتي جاكوبس وسفير درب وعدا بمنحها عقدا مريحا لبناء قاعدة جوية كبرى للولايات المتحدة، وذلك من أجل تسهيل الإمدادات اللوجستية ومن أجل بقاء طويل الأجل في الشرق الأوسط.

التقرير أضاف أن حجم القاعدة الجوية المخطط له سوف يكون في حجم قاعدة العديد الأميركية القائمة حاليا في قطر.

لبنان تحت الانتداب
اندفعت الولايات المتحدة في سبيل امتلاك المحطة اللبنانية في مشروعها "الشرق الوسط الكبير" إلى إدخال لبنان رسميا تحت الوصاية الدولية، وذلك عبر سلسلة من القرارات الصادرة عن مجلس الأمن التي بلغت رقما قياسيا، ويندرج بعضها تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة: القرارات 1559 و1595 و1636 و1644 و1701 و1757.

وقد أناطت الولايات المتحدة بالكيان الصهيوني مهمة إنفاذ بعض هذه القرارات، وبالتحديد القرار 1559 الذي ينص على تجريد حزب الله من سلاحه، لكن فشل إسرائيل في حرب يوليو/ تموز جعل الولايات المتحدة تخرج من جعبتها سيناريو آخر ذي ركيزتين.

الأولى: تكليف قوات حلف الشمال الأطلسي بمهمة تجريد المقاومة من سلاحها، ولا شك أن هذه الركيزة تمتلك الفاعلية والقابلية لأسباب عديدة، في طليعتها قوة الحلف الذي يضم في عضويته اليوم 26 دولة، وقوات عسكرية تقدر بـ2.4 مليون جندي تحت السلاح.

زيادة على ذلك نجحت أميركا في سحب حلف الشمال الأطلسي وراءها إلى أفغانستان ثم سحب بعض دوله وراءها إلى العراق ومنطقة الخليج العربي، وكذلك قرب المياه اللبنانية.

الثانية: تفجير لبنان تحت وطأة توالي الأزمات وزيادة تعقيدها من خلال "لعبة التفاعل المتسلسل"، وهي لعبة مضمونها أنه حالما يبدأ طرف ما بطرح موقف فيه استفزاز للأطراف الأخرى تسارع هذه تلقائيا لاستكمال استدارة الدائرة بطرح مواقف أخرى مناقضة.

وفي الانتقال من تصعيد إلى تصعيد تمهد الأجواء وتخلق البيئة المناسبة لتنفيذ خطة التقسيم إلى فدراليات، وضعت أسسها النفسية أثناء الحرب الأهلية اللبنانية، لكن تنفيذها أجل انتظارا لإعداد أقطار عربية أخرى أهم من حيث الدور السياسي للتقسيم وفي مقدمتها العراق.

في هذا السياق نقرأ قول الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل في حفل بمناسبة دخول المحكمة الدولية حيز التنفيذ "أن المسيحي لن يقف مكتوف الأيدي في حال ما إذا وصلت الأمور إلى تهديد حقيقي لوجوده ودوره وكرامته، فحذار من اللعب بالنار".

فضلا عن ذلك تشير كل المقدمات إلى أن سمير جعجع رئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية لم يغير موقفه من طرح الفدرالية، وهو يعمل على توفير عناصر النجاح لها من خلال الرهان على تعاظم النزعة الانعزالية عند الآخرين لتصبح الفدرالية مطلبا مباشرا، وأيضا من خلال تعظيم القوة الاجتماعية للمسيحيين في لبنان بمساعدة الولايات المتحدة عبر استقبال المسيحيين العراقيين في لبنان، دون أدنى شك فإن "عرقنة" لبنان هي أفضل وسيلة لنجاح الانتداب.

"
الترابط الوثيق بين ما يجري في الداخل اللبناني وما يجري في الساحات الدولية والإقليمية لا يقيم كبير وزن لهموم اللبنانيين، مما يتطلب من الأطراف اللبنانية الخروج من الأزمة قبل أن يضيع لبنان الوطن شذر مذر كما ضاع شقيقه العراق
"
أزمة مخاض
بيد أن هناك نظرة أخرى تنازع القراءة السابقة في مآل الأزمة اللبنانية الراهنة تقول إن الأزمة ما هي إلا مخاض ولادة الجمهورية الخامسة، منطلقة من اقتفاء أثر تطور الجمهورية الفرنسية عبر مراحلها الخمس.

وتحدد هذه المراحل وفق الآتي:
- الجمهورية الأولى: (1926-1943)، وشملت عهدي الرئيس شارل دباس والرئيس إميل إده.

- الجمهورية الثانية: (1943- 1958) شملت عهدي الرئيس الشيخ بشارة الخوري والرئيس كميل شمعون، أسقطتها الثورة الشعبية عام 1958 على خلفية موافقة شمعون على مبدأ إيزنهاور.

- الجمهورية الثالثة: ولدت بفعل التسوية بين الجمهورية العربية المتحدة بزعامة جمال عبد الناصر والولايات المتحدة الأميركية، وشملت عهود الرؤساء فؤاد شهاب وشارل الحلو وبعض عهد الرئيس الراحل سليمان فرنجية. وقد سقطت باندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975.

- الجمهورية الرابعة : (1989-2004) شملت الأيام المعدودة 17 يوما للرئيس رينيه معوض، وعهد الرئيس الراحل إلياس الهراوي وعهد الرئيس إميل لحود.

يقول بعض أصحاب هذه النظرة أن الجمهورية الرابعة سقطت أو فقدت شرعيتها منذ التمديد للرئيس إميل لحود في سبتمبر/ أيلول 2004، بينما بعضها الآخر يقول إنها أفلست وانتهى مبرر وجودها وباتت تفتقر إلى الشرعية منذ اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، وإن لبنان منذ ذلك الوقت يطرق أبواب الجمهورية الخامسة، لكن هناك استعصاء يحول دون ولوجه عهد الجمهورية الخامسة.

لا شك أن هذه النظرة تعطي العامل الداخلي اللبناني الأرجحية على العوامل الخارجية، والإقليمية والدولية، وفي ذلك قدر كبير من السذاجة أولا، وثانيا تغفل حقيقة السياسة الأميركية التي لم تعد تكتفي بإدارة الصراعات، وإنما باتت تعمل على تغيير العالم وفي الصدارة منطقة الشرق الأوسط ولبنان جزء منها.

د. غسان سلامة في كتابه "حين تريد أميركا إعادة صنع العالم" يقول إن من بين مقومات الإستراتيجية الإمبريالية التي يتبعها المحافظون الجدد وتعتمدها إدارة بوش منذ العام 2000 "عدم اهتمام واضح بالاستقرار ونفور من الستاتيكو وتاليا انجذاب غريب إلى الفوضى التي يمكن أن تبتلع آلاف الأشخاص في دواماتها في سبيل أن تصبح خلاقة".

قصارى القول إن الترابط الوثيق بين ما يجري في الداخل اللبناني وما يجري في الخارج، في الساحات الدولية والإقليمية لا تقيم كبير وزن لهموم اللبنانيين، بل تتربص شرا بالكيان اللبناني، وفي ظل قدرة هذا الخارج الفائقة على استثمار الأزمة المتفاقمة، فإن الأمر يتطلب من الأطراف اللبنانية الخروج من الأزمة قبل أن يضيع لبنان الوطن شذر مذر كما هو حال شقيقه العراق.
__________________
كاتب سوري

المصدر : الجزيرة