محمد أبو رمان

- أزمة البرنامج الاقتصادي
- انتفاضة الحرس القديم المتأخرة
- خلفية الأزمة وتجلياتها المختلفة
- عناوين الصراع وأبعاده السياسية

لم تكن لغة معهودة في الخطاب الرسمي الأردني تلك التي جاءت في إعلان رئيس الوزراء معروف البخيت، في نهاية شهر أغسطس/آب الماضي في المؤتمر الصحفي حول تأجيل رفع أسعار المشتقات النفطية إلى العام القادم.

البخيت تجاوز الحديث عن مبررات عدم رفع أسعار المحروقات إلى الهجوم "المُبطن" للمرة الأولى على "النخبة" التي ترسم السياسات الاقتصادية وتتمركز في الديوان الملكي، وبالتحديد باسم عوض الله الشخص الجدلي في الأوساط الإعلامية والسياسية المحلية، الذي يتولى موقع مدير مكتب جلالة الملك.

رئيس الوزراء تحدث في ذلك اللقاء عن مدرستي الأرقام، إشارة إلى مجموعة البزنس أو القطاع الخاص وعرابها عوض الله، ومدرسة الإنسان، وتبدو الإشارة هنا إلى المدرسة التقليدية في السياسة الأردنية.

وفي إشارة لافتة أكد البخيت أن الملك ينحاز إلى مدرسة الإنسان، ومن أجل ذلك قررت الحكومة مراعاة أوضاع الناس على أبواب شهر رمضان، وحالة الغلاء الشديد، وذلك بتأجيل رفع أسعار المحروقات.

"
الخلل الكبير في السياسات الاجتماعية المرتبطة ببرنامج الإصلاح الاقتصادي أدى إلى نتائج كارثية على حالة القطاع العام في الدولة وعلى الطبقة الفقيرة والمتوسطة، وخلق مزاجا اجتماعيا سلبيا تجاه السياسات الاقتصادية الحالية وتجاه النخبة التي تتولى الإشراف عليها
"
أزمة البرنامج الاقتصادي
في المعادلة الاقتصادية الداخلية، فإن رفع أسعار المحروقات كان من المتوقع أن يزيد أسعار مختلف السلع، مما سينعكس على القدرة الشرائية للدينار الأردني وعلى معدل التضخم لأسعار المستهلك الذي وصل، في الربع الأول من العام الحالي، إلى 8.2%.

كما تشير الإحصائيات إلى أن دخل الأسرة يتآكل بصورة كبيرة أمام ارتفاع أسعار الغذاء والمتطلبات الأساسية.

هذه المعاناة الاقتصادية الملحوظة لدى الطبقة العامة التي أدت إلى قرار تأجيل رفع أسعار المحروقات تتناقض مع الأرقام المرتفعة حول النمو الاقتصادي الذي وصل خلال الربع الأول من العام الحالي إلى 5.9%، مما يعني أن هنالك فجوة كبيرة بين معدل الناتج الإجمالي والنمو المحلي وبين معدل دخل المواطن، تُفسر حالة السخط العام وعدم الرضا على مخرجات البرنامج الاقتصادي.

المفارقة اللافتة أن قرار عدم رفع أسعار المحروقات جاء بعد أيام قليلة من صدور تقرير مؤسسة "كارنيغي إنداومنت" في واشنطن، للخبير الفلسطيني في اقتصاديات الشرق الأوسط، سفيان العيسة، بعنوان "إعادة النظر في الإصلاح الاقتصادي في الأردن: مواجهة الوقائع الاقتصادية والاجتماعية".

أبرز ما في التقرير هو الحديث عن الخلل الكبير في السياسات الاجتماعية المرتبطة ببرنامج الإصلاح الاقتصادي، ذلك الخلل الذي أدى إلى نتائج كارثية على حالة القطاع العام في الدولة وعلى الطبقة الفقيرة والمتوسطة، وخلق مزاجا اجتماعيا سلبيا تجاه السياسات الاقتصادية الحالية وتجاه النخبة التي تتولى الإشراف عليها.

تقرير كارنيغي حلل طبيعة الصراع بين الحرس الجديد الذي أطلق عليه "النخبة المعولمة الشابة" والحرس القديم الذي وصفه بالبيروقراطي.

فعلى الرغم من المكانة السياسية التي تحظى بها النخبة الجديدة (باسم عوض الله وفريقه) فإنها لا تملك جذورا اجتماعية متينة، وليس لها تأثير ولا وجود ملموس في الشارع، على النقيض من الحرس القديم الذين يمثلون واجهات عشائرية واجتماعية ويحظون بنفوذ كبير في القطاع العام وفي المؤسسات السياسية الرئيسة كالبرلمان.

ويتوقع التقرير أن الملك إذا تعرض لضغوط شديدة واضطر إلى المفاضلة بين الحرسين سيختار الحرس القديم، وهو بالتحديد ما حدث في يونيو/حزيران 2005 عندما قدم باسم عوض الله استقالته من منصبه وزيرا للمالية، بعد اشتداد المعركة بينه وبين الحرس القديم، وفي مقدمتهم رئيس مجلس النواب عبد الهادي المجالي.

انتفاضة الحرس القديم المتأخرة
كتب المحلل السياسي في صحيفة العرب اليوم فهد الخيطان معلقا على خطاب البخيت السابق أنه بمثابة "انتفاضة متأخرة"، إذ من الواضح أن البخيت الذي طالما تعرض لهجوم إعلامي وسياسي وانتقادات شعبية واسعة (على خلفية سوء إدارة أزمات كبيرة تعرض لها المواطنون في الآونة الأخيرة: تلوث مياه المنشية في محافظة المفرق، وقبلها سوء إدارة التعامل مع تساقط الثلوج في مناطق الجنوب، وأخيرا حالات التسمم الجماعي المتكررة)، كان يشعر بأن عوض الله هو "رجل الظل" الذي يقف وراء تلك الحملة.

وكان الجميع يُرجح في الشهور الأخيرة الماضية رحيل حكومة البخيت مُحملة بأوزار تلك الأزمات وبما جرى في الانتخابات البلدية من تجاوزات وانتقادات واسعة.

إلا أن البخيت فاجأ الجميع بالتقاط المبادرة في صراعه مع الحرس الجديد، وذلك بتولي الحرب الإعلامية مع الإخوان المسلمين، بعد الانتخابات البلدية، وهي الحرب التي عززت من فرص بقائه، كي لا يُعتبر رحيله انتصارا للإخوان، ومن ثم اتخاذه قرار "تأجيل رفع أسعار المحروقات"، وهو القرار الذي استعاد فيه الرئيس جزءا من الشعبية، متوازيا مع نشاط غير مسبوق له في النزول إلى الشارع والتحدث مع الفعاليات والهيئات المختلفة، وتلميع صورته الإعلامية من خلال مراقبة أسعار السلع.

وهذا ما عزز من قوته في صراعه الحالي مع الحرس الجديد، بعد أن كان الانطباع السائد سابقا هو أن الحرس الجديد يمتلك كافة أوراق اللعبة في مقابل برلمان ضعيف ذي أداء رديء وحكومة غير قادرة على تنفيذ التوجيهات الملكية كما كان يروج الكتاب والصحفيون القريبون من النخبة الجديدة.

"
الانطباع العام السائد هو أن رئيس الحكومة معروف البخيت لم يكن عضوا في المطبخ السياسي المصغر خلال الشهور السابقة، وأن النخبة الجديدة هي الأقرب إلى الملك وإلى صناعة القرار
"
خلفية الأزمة وتجلياتها المختلفة
السؤال الذهبي الذي تطرحه جدالات وحوارات النخب السياسية في عمان هو من هو الأقرب إلى الملك في الصراع الحالي، ألحرس القديم أم الجديد؟.

في الشهور الأخيرة بدت حدة الخلافات واضحة بين مراكز القوى داخل النظام، ونما شعور بأن مؤسسات الظل قد استولت على القرار السياسي والاقتصادي، في حين أن المؤسسات الدستورية الرئيسة، متمثلة في البرلمان والحكومة تراجع دورها كثيرا، ولم تعد تشكل جزءا من المطبخ السياسي الأعلى في البلاد.

عوض الله الذي عاد إلى الديوان الملكي، بعد أن استقال بفترة قصيرة من الوزارة لم يتأخر كثيرا حتى بدأ في إعادة إنتاج الدور السياسي للديوان الملكي، ليبدو وكأنه حكومة الظل الحقيقية التي تراقب عمل الحكومة والوزارات المختلفة، وتقود المبادرات الكبرى، وتقحم نفسها في التفاصيل الصغيرة بذريعة أن ذلك يوفر الرضا الشعبي العام ويجسر العلاقة بصورة مباشرة بين الملك والشعب.

خلال الشهور الأخيرة بدت المعادلة الداخلية مختلفة ومتوترة والقرارات السياسية والاقتصادية والإدارية موزعة بين الديوان الملكي والحكومة والدائرة الأمنية، ولم يعد من الصعوبة بمكان ملاحظة ديناميكية الصراع الداخلي بين مراكز القوى والنفوذ داخل مؤسسات الحكم وتباين وجهات نظرها في العديد من الأحداث، مما انعكس أيضا على الإعلاميين الذين يدورون في فلك كل دائرة من الدوائر السابقة ويسوّقون مواقفها في القضايا الرئيسة، وفي كثير من الأحيان في مواجهة الدوائر الأخرى.

الانطباع العام السائد هو أن رئيس الحكومة معروف البخيت لم يكن عضوا في المطبخ السياسي المصغر، خلال الشهور السابقة، وأن النخبة الجديدة بالإضافة إلى مفاصل محدودة في مؤسسة الحكم، هي الأقرب إلى الملك وإلى صناعة القرار السياسي، بما فيه مستقبل الحكومة ذاتها.

إلا أن الصحوة المتأخرة للبخيت وخروجه عن صمته وإمساكه بالمبادرة في العديد من القضايا الحيوية يثيران تساؤلا جديدا عما إن كان البخيت يمثل اليوم رأس الحربة لدى الحرس القديم في جولة جديدة من الصراع مع عوض الله الذي يتحصن داخل المكتب الخاص للملك؟.

عناوين الصراع وأبعاده السياسية
صحيح أن الصراع بين الحرسين القديم والجديد، في ملامحه العامة، يبدو بلا عناوين واضحة، وكأنه فقط على عملية صنع القرار والنفوذ داخل المؤسسات المختلفة، لكن هذا لا ينفي وجود اختلاف يتجذر حاليا حول السياسات الاقتصادية، بأبعاد ومدلولات سياسية.

يمكن التقاط أحد أبرز ملامح الصراع في التفاعلات الأخيرة، التي أعقبت قرار تأجيل رفع أسعار المحروقات، إذ بدأ كل من الديوان الملكي والحكومة بحملة نشطة لضبط أسعار السلع في شهر رمضان، بالضغط على كبار التجار بضبط الأسعار في حدود معينة وفتح الأسواق الشعبية الموازية لمساعدة الطبقات الكادحة، وتشجيع حملات التبرع للطبقات المعدمة.

النشاط الملكي فُسر من قبل الحرس الجديد بأنه محاولة لسد الفجوة الناجمة عن ضعف أداء الحكومة وعدم قدرتها على القيام بالمهمات المطلوبة منها، على أن المشكلة لا تكمن في برنامج الإصلاح الاقتصادي نفسه، وإنما في عجز الحكومة عن خلق آليات لشبكة أمان اجتماعي قوية كفيلة بحماية الطبقة الكادحة والمتوسطة من وحش الغلاء والتضخم.

أما الحكومة ففسرت نشاطها بأنه استدراك على مخرجات برنامج الإصلاح الاقتصادي، السابق على وجودها والذي ترسم مساره النخبة الجديدة، إذ أخل بالمعادلة الاقتصادية الداخلية وأتى بنتائج مدمرة على الطبقة الوسطى والفقيرة، فهنالك ضرورة لانعطافة جوهرية في المسار الاقتصادي تعيد الاعتبار للقطاع العام في موازاة القطاع الخاص.

"
لا يبدو هنالك خلاف حقيقي جوهري بين الحرسين القديم والجديد في مسألة الإصلاح السياسي، بل هنالك اتفاق ضمني على ترحيل استحقاقاتها إلى مراحل متقدمة ربما تختلف فيها البيئة السياسية داخليا وإقليميا
"
إذن، على الصعيد الاقتصادي البحت يبدو الخلاف بين مدرستين: الأولى؛ وهي أقرب إلى "الليبرالية الجديدة" تسعى إلى إدماج الاقتصاد الوطني في العالمي، والالتزام ببرنامج الإصلاح الاقتصادي بصورة متشددة تقوم على تخليص الموازنة من جزء كبير من النفقات الجارية (بما فيها دعم السلع المختلفة) والمسارعة في تسليم القطاع الخاص المهمات الكاملة في النشاط الاقتصادي والخدماتي.

أما المدرسة الثانية فهي أقرب إلى الليبرالية المعدلة التي تريد وضع فرامل وكوابح لبرنامج الإصلاح الاقتصادي، بما يتفق مع الوقائع الاجتماعية والاقتصادية.

مصدر قوة رؤية الحرس القديم يكمن في الخلل البنيوي في برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي يؤثر على الطبقة الوسطى والعامة ويخلق تداعيات سياسية وأمنية كبيرة، وتؤيده في ذلك أرقام التضخم والفقر والبطالة واستطلاعات الرأي العام التي تُظهر انزعاجا شديدا من الوضع الاقتصادي.

أما مصدر قوة الحرس الجديد فهو في أنه يمتلك رؤية واقعية، تُجنب الاقتصاد الوطني الركود أو التراجع وتدفع به إلى أرقام نمو جيدة، حتى وإن كان هنالك قصور في الجانب الاجتماعي يمكن إصلاحه وتعديله، في حين أن مآل تذمر الحرس القديم من المسار الاقتصادي الحالي سيدفع بالبلاد مرة أخرى، وقريبا، إلى أنياب البنك الدولي تحت وطأة العجز في الموازنة وعدم القدرة على سداد الديون.

على الصعيد السياسي فإن مآلات رؤية الحرس الجديد تؤدي نظريا إلى خلق طبقة سياسية جديدة مختلفة عن المعادلة التقليدية في الحكم، وتعطي دورا أكبر للنخب الجديدة في القطاع الخاص على حساب القطاع العام، إلا أن المؤدى العملي هو إضعاف القطاع العام والحرس القديم دون القدرة على بلورة جيل جديد يشكل رافعة اجتماعية وسياسية للنظام.

ولذلك لجأ عوض الله إلى فكرة تشكيل لجان "كلنا الأردن"، و"شباب كلنا الأردن"، في محاولة لخلق اللوبي الشعبي المطلوب.

أما الحرس القديم، على اختلاف مشاربه وأفكاره السياسية، فينطلق من الحفاظ على المعادلة التقليدية التي يمتلك فيها "الشرق أردنيون" الذين يشكلون العمود الفقري في النظام، الدور الأكبر والملحوظ في مؤسسات الحكم.

والهاجس الرئيس لديه هو أن إضعاف القطاع العام وترهله سينعكس سلبا على الطبقة الوسطى ''الشرق أردنية''.

من جهة أخرى، لا يبدو هنالك خلاف حقيقي جوهري بين الطرفين في مسألة الإصلاح السياسي، فهنالك اتفاق ضمني على ترحيل استحقاقاتها إلى مراحل متقدمة ربما تختلف فيها البيئة السياسية داخليا وإقليميا!.
__________________
كاتب أردني

المصدر : الجزيرة