توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية

حين اتخذت أميركا قرار شن الحرب على العراق عام 2003 أصدر آلن غرينسبان، رئيس الاحتياطي الفدرالي الأميركي (البنك المركزي الأميركي) كتابه هو أيضا، وهو ككل كتاب يتحدث عن حروب أميركا الأخيرة في منطقتنا أو عن ذرائع تلك الحروب.

"
العراقيون المهجرون ليسوا ضحايا كارثة طبيعية لنستدر الصدقات عليهم، بل هم أصحاب حقوق منهوبة تجب مطالبة كل من ساهم في نهبها، وأصحاب مظلمة تجب ملاحقة وتغريم كل من تورط فيها
"
حقق الكتاب رواجاً مع أنه لم يأت بجديد، على الأقل ليس بالنسبة لنا نحن أبناء المنطقة العارفين بالحقائق، ولا بالنسبة للنخبة الأميركية المطلعة.

فما قاله غرينسبان بشكل رئيس هو أن الحرب شنت على العراق لتأمين مصالح نفطية أميركية, وهو ما سبق أن واجه به كافة مناهضو تلك الحرب والحصار السابق لها، الإدارات الأميركية المتعاقبة، الجمهورية والديمقراطية على السواء، وكان شعارهم أن "لا دم مقابل النفط"!.

ولكن تلك لم تكن مصالح أميركا، ناهيك عن أن تكون مصالح "الاقتصاد العالمي" كما يؤثر غرينسبان أن يغلف الأمر لأغراض دعائية وتحالفاتية يبدو أنها ما زالت تحكم الرسميين الأميركان حتى عندما يريدون النأي بأنفسهم بعض الشيء عن فشل وقذارات تلك الحرب وذلك الحصار.

أما الذي أتى بجديد فهو سلف السيد غرينسبان، رئيس الاحتياطي الأميركي الأسبق بول فولكر.

فحين حاولت الولايات المتحدة ابتزاز الأمين العام للأمم المتحدة السابق كوفي أنان وعددا من موظفي الأمم المتحدة، استخلصت من مجلس الأمن قراراً بتشكيل لجنة للتدقيق في الفساد الذي شاب تنفيذ الأمم المتحدة لما سمي بقرار "النفط مقابل الغذاء"، وأوكلت رئاسة اللجنة لبول فولكر.

ولكن بول فولكر فاجأ أميركا (أو أن أميركا تعمدت عن طريقه فضح بعض المسؤولين العرب المتواطئين معها لمزيد من تطويعهم وابتزازهم، واحتجت شكلاً على فولكر قائلة إنها لم تطلب منه كشف هذا الجزء) إذ كشف ما هو أخطر مما شاب تطبيق برنامج "النفط مقابل الغذاء"، وهو ما أسماه "أكبر صفقة تهريب منفردة في تاريخ البرنامج".

وكشف عن صفقة جرى فيها تهريب النفط العراقي من منصة خاصة مجاورة للمنصة التي كان يجري من عليها تحميل النفط المصدر لأغراض الغذاء والدواء، أي تحت سمع وبصر قيادة قوات التحالف المنتشرة في الخليج العربي وبتسهيلات منها.. وجرى التهريب لصالح مسؤولين ورجال أعمال في دول ذكر بعضهم بالاسم.

كما أوضح تقرير فولكر أنه كان يجري تهريب منتظم للنفط عبر الحدود البرية، حتى قبل إصلاح منصة "كور العمايا" الذي جرى على استعجال لتهريب أكبر كمية ممكنة من نفط العراق مع اقتراب موعد احتلاله ورفع أسعار النفط العالمية بالتالي، ومنذ عام 1994 تحديدا.

وفي المقابل يتحدث التقرير عن تهريب في الاتجاه الآخر لكل أنواع البضائع بما فيها مواد ممنوعة بقرار الحصار, وحتى مواد فارهة ترفية.

وبينما كان المهربون يدفعون سبعة أو ثمانية دولارات لبرميل النفط المهرب، كانت السلع المهربة إلى داخل العراق تبلغ أضعاف قيمتها الحقيقية، وهو ما أوجد عدداً كبيراً من المليونيرية، بل والمليارديرية, من أعضاء تلك الحكومات وأقربائهم وأنسبائهم وشركائهم.

وإذا كان النظام العراقي معذوراً في تهريبه للنفط بهذا السعر المتدني (في حدود ربع السعر الرسمي الذي كانت تحدده دول التحالف لصادرات العراق وليس بالضرورة سعر السوق حينها) لأنه كان عليه تأمين ما يمنع وصوله إليه من حاجات أساسية في ظروف الحصار, فإن استغلال الآخرين لحاجة العراق بهذا الشكل، في التهريب منه وإليه بأرباح فاحشة, لا عذر لفاعليه.

كل هذا الذي أوردناه مقدمة ضرورية للحديث عن حال اللاجئين العراقيين في الخارج، وفي الدول المجاورة للعراق خاصة.

فقد بلغت الصفاقة بأميركا التي رصدت -لأجل مصالح حكامها وشركات نفطها وشركات خدمات الحروب عندها- وما تزال ترصد مئات المليارات في ميزانياتها لتغطية تكاليف حربها على العراق، أن أدارت ظهرها لاحتياجات اللاجئين العراقيين الذين هربوا من بلادهم للنجاة بأرواحهم وأعراضهم من بطش الجيش الأميركي والمرتزقة الذين استأجرهم, ومن بطش مليشيات رجال الحكم الجديد في العراق!.

"
على من استفادوا من حصار العراق والحرب التي شنت عليه أن يتكفلوا بنفقات المهجرين والمصابين في الحصار والحرب.. وأسماء بعض هؤلاء مذكورة صراحة في تقرير فولكر
"
أما الأمم المتحدة.. "الهيئة الدولية" المتورطة رسميا وعلناً في حرب الخليج الأولى والتي غضت الطرف عن استعمال أميركا لأسلحة محرمة دولياً، وتورطت بعدها في قرارات الحصار الجائر وما نتج عنها من موت وتشوهات ومن تلوث بيئي أنتج أمراضا مستعصية وقاتلة وتشوهات خلقية لأجيال من أطفاله الذين ولدوا فيما بعد..

والأمم المتحدة التي تورط متنفذوها، "كأشخاص" هذه المرة وسراً، في فساد دولي قادته أميركا وحلفاؤها في ذلك الحصار وتلك الحرب ولم يلبث أن كشفه فولكر في تقريره.. هذه الأمم المتحدة تدير ظهرها الآن لحاجات ما يزيد على مليوني لاجئ عراقي خارج العراق وأكثر من مليون مهجّر داخله.

ومنظمات الأمم المتحدة المعنية (منظمة الصحة العالمية والمفوضية العليا لشؤون اللاجئين واليونسيف) التي بدأت تظهر دلائل فساد جديد على كيفية تصرفها في المخصصات الشحيحة لهؤلاء اللاجئين، تطلق الآن حملة دولية للتبرع بنحو 84.8 مليون دولار فقط لا غير.. أي أقل من أرباح مهربي نفط العراق في بضعة أيام -على أبعد تقدير لكون الأرقام هنا مخفية- منذ عام 94 وحتى 2003، وما يساوي كلفة سويعات للقوات الأميركية في العراق، حسب مخصصات الموازنة الأميركية لتلك القوات..

وهي تنوي الإبقاء على تلك القوات في العراق بشكل دائم، "بترتيب ما" كما ورد على لسان عسكري يعول على قوله أكثر مما يعول على خطابات السياسيين عن الانسحاب، هو الأدميرال وليام فالون قائد القيادة الوسطى للجيش الأميركي في لقاء معه على شاشة الجزيرة قبل أيام..

ولا ندري كم تساوي أربعة وثمانون مليوناً تلك من كلفة حكام العراق الجدد وكلفة أمنهم، ولكننا نعرف إلى حد ما كلفة إقامة عوائلهم المرفهة في الأردن، وكلفة تنقل هؤلاء المسؤولين بين الأردن والعراق أسبوعياً للبعض، وما سمي "استثماراتهم".

وهذه كلها أنعشت أعمال عدد من المتنفذين عندنا ممن دخلوا السياسة من باب "الأعمال الحرة" أو العكس, ولكنها رفعت كلفة المعيشة على بقية الأردنيين وعلى العراقيين المفقرين المهجرين إليه.

والغريب أن لا حديث يجري عن مقاصة، على الأقل، بين ما ينفقه هؤلاء المتنفذون المقيمون في الأردن لكونهم يفضلونه على المنطقة الخضراء في بغداد، وبين ذلك الجزء من كلفة اللاجئين التي لا يستطيع أصحابها تغطيتها، ولكنهم مضطرون للفرار من إقامة أبعد ما تكون عن ظروف المنطقة الخضراء.

فبالنسبة للعراقي العادي قد يكون الفرار من إقامة في سجون كأبو غريب أو سجون وزارة الداخلية السرية, أو من الموت تعذيباً على أيدي المليشيات, أو الموت بالجملة في حملات يقال إنها لتطهير المناطق المستهدفة من "الإرهابيين"!.

ولكن الحديث عن اللاجئين أو "الضيوف" العراقيين في الأردن تحديدا ليس هذا مكانه, فهو حديث ذو شجون، وما أوردناه عابراً هنا إلا لأن الأمم المتحدة تعلن أن حملتها لجمع التبرعات تهدف لتخفيف العبء عن موازنات الدول المضيفة وفي مقدمتها الأردن وسوريا، وهو تسوّل على العراقيين وباسمهم نأباه لإخوتنا، كما نأبى أن يتم باسمنا أيضا!.

"
على الحكومات التي تقول إن كاهلها أثقل بنفقات اللاجئين أن تبادر لتحصيل حقوق هؤلاء اللاجئين السابقة محليا ودوليا، والمحلي منها في متناول يدها منذ اللحظة، والدولي ممكن أن يباشر به إن ملكت هذه الحكومات إدارة ناجعة لعلاقاتها السياسية الدولية
"
فالعراقيون المهجرون ليسوا ضحايا كارثة طبيعية لنستدر الصدقات عليهم، بل هم أصحاب حقوق منهوبة تجب مطالبة كل من ساهم في نهبها بردها، وهم أيضاً أصحاب مظلمة تجب ملاحقة ومحاسبة ومعاقبة وتغريم كل من تورط فيها بتعويضات تتجاوز الكلف المادية إلى التعويض عن الضرر المعنوي.

وإذا كانت تعويضات المقيمين في الكويت، وليس فقط تعويضات الكويتيين أنفسهم، عند دخول الجيش العراقي لها عام 1990 قد جرى تحصيلها باقتطاع ما لا يقل عن ثلث ثمن النفط الذي سمح بتصديره لأغراض الغذاء والدواء, واقتطاع جزء مقارب ككلفة لإدارة ذلك البرنامج (وهو ما جرى وما زال يجري فيه فساد كبير ليس أقله التورط في مبالغات بل وكذب بشأن تلك الخسائر).. فإن المطالبة بحقوق العراقيين، اللاجئين المهجرين ومن بقي داخل العراق، قد طال استحقاقه, وشجع إغفاله أميركا وأعوانها على الإمعان فيه بل وعلى والتفكير في إعادة الكرة في المنطقة عندنا، وربما في مناطق أخرى من العالم!.

فالقول إن المقاومة العراقية المسلحة ستفشل وحدها المشروع الأميركي، في استسهال للثمن البشري الذي يقدم عشرات الأرواح العراقية مقابل جندي محتل أو مرتزق واحد، هو اتكاء على الجرح العراقي النازف.

فإفشال المشروع الأميركي لن يتم إلا بإفشال تحقيق الهدف منه، وهو "نهب ثروة العراق".. وغير هذا، من تقسيم العراق أو تغيير هويته أو.. هو مجرد وسيلة لضمان تحقيق ذلك الهدف.

لهذا فإن من أراد أن يساعد العراقيين فعلا فعليه أن يتبرع لحملة دولية قانونية تباشر رفع الدعوى باسم العراقيين المتضررين كي يعرف العالم أن الجريمة لا تفيد، حتى لو تواطأت على ارتكابها قوى دولية.. ثم لتتم صيانة ما تبقى من كرامة إخوتنا العراقيين دون التفريط في أي من حقوقهم الإنسانية وحتى المادية.

ولحينه، على من استفادوا من حصار العراق والحرب التي شنت عليه أن يتكفلوا بنفقات المهجرين والمصابين في الحصار والحرب.. وأسماء بعض هؤلاء مذكورة صراحة في تقرير فولكر، والإشارة إلى مواقع آخرين تكاد تسميهم بنفس الصراحة.

وعلى الحكومات التي تقول إن كاهلها أثقل بنفقات اللاجئين أن تبادر لتحصيل حقوق هؤلاء اللاجئين السابقة "محليا ودوليا"، والمحلي منها في متناول يدها منذ اللحظة، والدولي ممكن أن يباشر به إن ملكت هذه الحكومات إدارة ناجعة لعلاقاتها السياسية الدولية, كما يفترض في دول عاشت عمرها في قلب صراعات إقليمية ودولية كبرى.

أما حقوق هؤلاء اللاجئين "اللاحقة"، فلها حديث آخر استشرافي لا يقل ارتباطاً عن سابقه بتجارب دول المنطقة المريرة مع الأطماع الدولية.

بمثل هذه الإجراءات تكون إجارة الجار واستضافة الشقيق السابق فضله وكرمه، لأن العراق حتى وهو محاصر، حرص على ألا يحوجنا لمذلة سؤال.. وحين أعطانا لم يمنّ علينا, بل قال إنه حق لنا كعرب في نفط العرب.. حين كان للعرب بقية نفط!.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك