ياسر الزعاترة

ياسر الزعاترة

كاتب أردني

- هدف الإعلان وتوقيته
- هدف جانبي ولكنه مهم للمؤتمر
- إعلان مبادئ وغموض بنّاء
- بين النجاح والفشل

لم تمض سوى أربعة أسابيع على الحسم العسكري الذي تم على يد حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في قطاع غزة حتى خرج الرئيس الأميركي جورج بوش بإعلان عقد مؤتمر دولي في الخريف بهدف إحلال السلام في الشرق الأوسط، وكان لافتاً أن الإعلان جاء هكذا عاماً ومن دون الكثير من التفاصيل.

"
هناك دول عربية تبدي حماسة حيال المشروع الأميركي ومعها استعداد لتهيئة الأجواء من أجل إنجاحه بتهدئة الملف العراقي عبر دفع العرب السنة إلى وقف المقاومة ومحاربة القاعدة، وعبر تهدئة الملف الفلسطيني وعدم الضغط على عباس من أجل محاورة حماس
"
هدف الإعلان وتوقيته
أن يأتي الإعلان بعد أربعة أسابيع من الحسم العسكري لحماس في قطاع غزة منتصف شهر يونيو/حزيران الماضي، فليس ذلك مصادفة بالتأكيد، ذلك أن معضلة الملف الفلسطيني منذ شهر فبراير/شباط 2005 قد تمثلت في فوز حماس في الانتخابات التشريعية.

وكان هدف جورج بوش من الضغط لإتمام تلك الانتخابات حصول محمود عباس الذي ورث ياسر عرفات على تفويض جديد بالمضي في برنامج التفاوض بصرف النظر عن نتيجته، وإن أدرك الإسرائيليون والأميركان حقيقتها ممثلة في دولة فلسطينية مؤقتة على قطاع غزة وما يتركه الجدار من الضفة الغربية.

وهذه الحقيقة ذاتها هي مشروع شارون منذ كان في المعارضة عام 2000، ثم أسس بناء عليها برنامج حزب كاديما قبل أن يدخل في غيبوبته الطويلة تاركاً المهمة لخلفه أولمرت.

جاء فوز حماس في الانتخابات ليحرف البوصلة؛ بوصلة الجهود السياسية والأمنية عن مسار إتمام مشروع الدولة المؤقتة مع قيادة سياسية فلسطينية ترفض العنف رفضاً قاطعاً، إلى العمل الحثيث على إخراجها من اللعبة بكل الوسائل الممكنة.

بعد الحسم العسكري الذي وقع في قطاع غزة، وجدت القيادة السياسية الفلسطينية أن حماس قد "حفرت قبرها بيدها"، وهي الرؤية التي شاركتها فيها الدوائر الأميركية والإسرائيلية، فحماس التي كانت تقود حكومة وحدة وطنية ما لبثت أن حشرت نفسها في قمقم قطاع غزة.

من السهل على قيادة حماس أن تحشد المبررات التي دفعتها إلى ذلك، وهي بالتأكيد مقنعة من الزاوية الأخلاقية، وضمن منطق الحق والباطل، لكن ما نسيته تلك القيادة هو أن القطاع ليس محور العالم، وأنه ليس سوى واحد ونصف في المائة من فلسطين، أو ستة في المائة من الأراضي المحتلة عام 67.

ولا تسأل بعد ذلك عن فقدانه السيادة ووقوعه أسير الاحتلال وحصار مصر المتراجعة أمام الضغوط الأميركية، ثم لا تسأل بعد ذلك عن تجاهلها، أعني قيادة حماس، لمصير توأمها الثاني في الضفة الغربية الذي صار أسير قمع الاحتلال والسلطة في آن، في حين يقبع قادته، بما في ذلك الوزراء وأعضاء المجلس التشريعي الذين احتفى البعض بفوزهم على نحو تجاهل واقع الضفة الغربية التي يسرح الاحتلال ويمرح فيها صباح مساء.

أيا كان الأمر فقد وجد أعداء حماس في الحسم العسكري فرصتهم في إخراجها من اللعبة السياسية وأخذ زمام المبادرة لتنفيذ برنامجهم السياسي التفاوضي، من دون أن ينسوا بالطبع لعبة الحصار المتدرج وصولاً إلى إعادة القطاع إلى "حضن الشرعية" بمختلف الوسائل، بما في ذلك الاستعانة بالاحتلال في حال لزوم الأمر بعد أن يتم حشر حماس ضمن إطار القوة البوليسية القامعة للناس، فضلاً عن حشر القطاع في إطار الحصار الذي لن يطيقه الناس طويلاً، بحسب ما يعتقده المحيطون بالرئيس الفلسطيني محمود عباس.

وما جرى ويجري منذ أسابيع من حرب إعلامية وشعبية على الحركة تحت لافتات الصلاة يؤكد ذلك، في حين جاء تصنيف القطاع إسرائيلياً وأميركياً بوصفه كياناً معادياً ليرسم مسار استعادته على نحو أكثر وضوحا.

في هذه الأجواء جاءت دعوة بوش إلى مؤتمر الخريف ليؤكد أن القيادة الفلسطينية الجديدة تفتح أفقا للسلام، وأن على العرب التجاوب مع الدعوة، وبالطبع في سياق استثمار خطأ حماس، وصولاً إلى تعزيز حصارها بكل الوسائل.

لكن ذلك ليس كل شيء في واقع الحال، فهناك إلى جانب الملف الفلسطيني ملفان آخران يشغلان بال القيادة السياسية في واشنطن وتل أبيب؛ الأول هو الملف العراقي الذي يتطلب النجاح فيه تهدئة الملف الفلسطيني وفتح أفق سياسي يقنع العرب بالتعاون.

أما الملف الثاني فهو الملف الإيراني، إذ لا مناص لإدارة بوش المحكومة بالهواجس الصهيونية من ضرب المشروع النووي الإيراني، الأمر الذي يتطلب تعاوناً عربياً أيضا.

ويبدو أن دولا عربية كثيرة تبدي حماسة حيال هذا المشروع ومعها الاستعداد لتهيئة الأجواء من أجل إنجاحه، سواءً بتهدئة الملف العراقي عبر دفع العرب السنة إلى وقف المقاومة ومحاربة القاعدة، أم عبر تهدئة الملف الفلسطيني وعدم الضغط على محمود عباس كي يحاور حماس.

هدف جانبي ولكنه مهم للمؤتمر
هناك هدف جانبي للمؤتمر على درجة من الأهمية يضاف إلى هدف تهدئة الملف الفلسطيني وفتح الباب من جديد أمام مشروع الدولة المؤقتة الذي لا يملك الإسرائيليون حلا سواه، على الأقل في ظل الأجواء الحالية بعد هزيمة لبنان، وفي ظل غياب القيادات التاريخية، وربما في ظل ضعف أولمرت وحزب كاديما وعودة اليمين إلى الصعود بقيادة نتنياهو، إلى جانب عدم الثقة بقدرة محمود عباس على لجم الوضع الفلسطيني وفرض حل من النوع الذي يريده الإسرائيليون، كما كان بوسع عرفات أن يفعل.

"
الهدف الجانبي للمؤتمر هو إطلاق موجة تطبيع مبكر تستغل ضعف الوضع العربي أمام الإملاءات الأميركية، ورغبة بعض الأطراف في قيام أميركا بتخليص العرب من الخطر الإيراني الذي بات في عرفهم أكثر بكثير من خطر المشروع الأميركي الإسرائيلي
"
الهدف الجانبي الذي نعنيه للمؤتمر يتمثل في إطلاق موجة تطبيع مبكر تستغل ضعف الوضع العربي أمام الإملاءات الأميركية، ورغبة بعض الأطراف في قيام الأميركان بتخليص العرب والمنطقة من الخطر الإيراني الذي بات في عرفهم أكثر بكثير من خطر المشروع الأميركي الإسرائيلي.

من هنا كان التركيز الإسرائيلي الكبير على حضور المملكة العربية السعودية، إلى جانب الإمارات العربية المتحدة والعديد من الدول الأخرى، مع استبعاد سوريا التي تصنف حليفاً لإيران ولـ"الإرهاب" بشكل عام، من حزب الله إلى حماس والجهاد.

وحتى الآن لا يمكن القول إن الرياض حسمت موقفها من حضور المؤتمر، إذ ثمة تصريحات كثيرة في هذا السياق، بعضها أقرب إلى الرفض، لكن القاسم المشترك بينها هو ربط الحضور، وربما مستواه أيضاً بوجود أفق حقيقي للسلام، عبر مناقشته للقضايا الأساسية، أي ما يعرف بقضايا الوضع النهائي، وبوجود جداول زمنية للتنفيذ، الأمر الذي لا يبدو ممكناً بحسب الإسرائيليين.

والحال أن مطلب تحديد أفق حقيقي للمؤتمر، وبرنامج عمل مقنع، لم يكن مجرد مطلب لدى المملكة العربية السعودية، بل هو أيضا مطلب فريق السلطة الفلسطينية الذي يشعر بحرج الموقف حين يذهب إلى مؤتمر للعلاقات العامة لا أكثر ولا أقل، وإن بدا أنه أضعف من أن يقول لا للأميركيين في سياق مؤتمر يدعو إليه الرئيس الأميركي شخصياً.

الأميركيون بدورهم يدركون هذه المعضلة، وهم منذ أسابيع يجاهدون من أجل التوصل إلى صيغة ما تكون مقبولة لدى مختلف الأطراف وتمنح المؤتمر تأشيرة النجاح، لاسيما أن بوش المأزوم في العراق لن يقبل أن يتحول مؤتمر دعا إليه بهذا الحجم إلى فشل آخر لسياساته.

على هذه الخلفية تواصلت اللقاءات التي رتبتها وزيرة الخارجية الأميركية رايس بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت، وهي لقاءات وصلت حتى الآن ستة لقاءات، وتمخض الأخير منها عن تشكيل لجنة للمفاوضات تبحث الملفات العالقة، وذلك مع اقتراب موعد المؤتمر الذي يتوقع الإسرائيليون أن يكون في العشرين من شهر نوفمبر/تشرين الثاني القادم قبل عيد الشكر في الولايات المتحدة.

إعلان مبادئ وغموض بنّاء
ولما كان أولمرت في وضع لا يسمح له بالموافقة على إعلان مبادئ لمناقشة قضايا الوضع النهائي لأن ذلك سيشكل خيانة لبرنامج حزب كاديما، وسيرفضه كثيرون داخل الحزب، كان لا بد من البحث عن صيغة ما لحل هذا الإشكال.

وهنا خرجت من الأدراج نظريات السيد كيسنجر حول الغموض البنّاء، أي صياغة إعلان مبادئ على شاكلة أوسلو يمكن لكل طرف أن يفهمه بطريقته، أما التطبيق فيترك للزمن.

والحال أن المجتمع السياسي الإسرائيلي لا يبدو مهيأ لمنح الفلسطينيين حتى ما عرض عليهم في قمة كامب ديفد، صيف عام 2000، ورفضوه بقوة، كما رفضته الدول العربية المحورية أيضاً. ومن هنا لا يمكن أن يفرض أولمرت الضعيف الذي لم يُشف بعد من هزيمته في لبنان، شيئاً كهذا.

فكرة الغموض البنّاء هي التي ستوضع موضع التطبيق كما يبدو حتى الآن، وفي هذا السياق تعرض صيغ شتى أبرزها صيغة الوزير الإسرائيلي حاييم رامون الذي تسلم ملف المفاوضات مع الطرف الفلسطيني، مع العلم بأن كل الصيغ التي سربتها الصحافة الإسرائيلية منقولة عن جهات شتى لا يختلف كثيراً بعضها عن بعض.

خلاصة الصيغة المذكورة هي مناقشة الوثيقة التي لا ينبغي أن تتجاوز صفحة واحدة أو صفحتين في أعلى تقدير للقضايا الأربع الرئيسية (الحدود الدائمة والأمن والقدس واللاجئون)، وبالطبع على قاعدة الغموض البنّاء في مختلف القضايا، اللهم إلا قضية الأمن التي ستجري معالجتها وفق خطة خريطة الطريق التي تجعل أي تقدم في العملية السياسية رهنا بوقف ما يسمى الإرهاب ونزع أسلحة الفصائل المسلحة.

"
المجتمع السياسي الإسرائيلي لا يبدو مهيأ لمنح الفلسطينيين حتى ما عرض عليهم في قمة كامب ديفد 2000 ورفضوه بقوة ورفضته الدول العربية المحورية أيضا، كما أنه لا يمكن أن يفرض أولمرت الضعيف -الذي لم يُشف بعد من هزيمة لبنان- شيئا كهذا
"
ويكون ذلك بالطبع بعد أن يجري ترتيب إعادة القطاع إلى ولاية عباس، مع أن ذلك ليس شرطاً أساسياً في البداية، إذ يمكن نقل بعض الصلاحيات الأمنية في مدن الضفة للسلطة إذا أثبتت كفاءتها في محاربة الإرهاب، أي أننا في هذا الملف أمام نفس المسلسل الذي تابعناه أيام أوسلو (الأرض مقابل الأمن)، أي الانسحاب الإسرائيلي من المدن والقرى بعد التأكد من قدرة السلطة على ضبط الأمن؛ لصالح الإسرائيليين بالطبع، وليس فيما يتعلق بالانفلات الأمني الداخلي.

في سياق الحدود الدائمة يجري الحديث عن صيغة غامضة، تتحدث عن حدود 67 مع تبادل للأراضي، وهنا سيفهم كل طرف من هذا النص ما يريده، لكن الإسرائيليين لن يغيروا موقفهم من حدود الجدار وبقاء المستوطنات الرئيسية التي أقرت السلطة ببقائها مع تبادل للأراضي، والتبادل هنا يبدو مثيراً للسخرية لأن المستوطنات المشار إليها تسرق أهم مواقع الضفة ومصادر المياه فيها، ولا يمكن أن تستبدل بمواقع بائسة هنا أو هناك.

في موضوع القدس سيتمثل الغموض في الحديث عن أن المدينة ستكون عاصمة للدولتين، والنتيجة هي أن ما للفلسطينيين هو مجرد ضواحٍ جديدة من المدينة، بينما المدينة القديمة تحت السيطرة الإسرائيلية، مع إدارة ما للأماكن المقدسة من قبل كل طرف.

ولن يأتي أحد على ذكر المسجد الأقصى وما يريده الإسرائيليون منه، سواء من الجزء العلوي أو السفلي، وهو الجانب الذي فجر مفاوضات كامب ديفد عام 2000.

في مسألة اللاجئين سيكتفي الطرفان بالحديث عن حل متفق عليه، وهو الحل الذي يعلم الجميع أنه لا يشمل العودة إلى الأراضي المحتلة عام 48.

سيتم الحديث عن الممر الآمن بين الضفة والقطاع في إطار تبادل الأراضي، وسيكون نوعاً من المقبلات، كما كشف الصحفي الإسرائيلي "عكيفا ألدار"، وبالطبع من أجل تمكين عباس من كسب معركته مع حماس.

كل ذلك لم يوافق عليه الإسرائيليون حتى الآن، لكن جهوداً تبذل لإنجاز نص فضفاض يكون أقرب إلى الرؤية الإسرائيلية منه إلى الرؤية الفلسطينية، حتى في أسوأ طبعاتها تراجعا، مع العلم بأن التطبيق سيشهد تراجعات حتى عن النص السيئ كما أكدت تجربة أوسلو ومختلف تجارب التفاوض مع الطرف الإسرائيلي.

بين النجاح والفشل
ليس من المستبعد أن يتمكن الأميركيون والإسرائيليون من التوصل إلى صيغة مريحة لإعلان المبادئ تجنب المؤتمر مسار الفشل، وتمنحه شكلاً ما من أشكال النجاح بحضور السعودية التي يعولون على حضورها.

كما أنه ليس من المستبعد أن يقدم الإسرائيليون بعض المقبلات لمحمود عباس كجائزة على تفانيه في مطاردة حماس وتأييد التفاوض، مثل الإفراج عن عدد محدود من الأسرى، إلى جانب إزالة بعض الحواجز، واستمرار الإفراج عن أموال الضرائب لدعم سلطة رام الله.

لكن ذلك كله لن يشكل ضمانة للنجاح، لأن الشيطان يكمن في التفاصيل وفي التطبيق في آن، ويستبعد بل يستحيل أن يعرض الإسرائيليون على الفلسطينيين ما يمكن أن يقبلوه في ظل موجة الرفض وروح المقاومة السائدة في الشارع الفلسطيني.

أما الأهم فهو التطورات العربية والإقليمية التالية، وما يمكن أن يترتب على ضرب إيران وردودها على الضربة، إلى جانب تطورات الوضع العراقي.

وفي حين تشير المعطيات جميعاً إلى أن الفشل سيكون من نصيب إدارة بوش في مغامرتها الجديدة، فإن ذلك سيترك آثاره على هذه الحقبة البائسة، والنتيجة هي عودة الجميع إلى خيار المقاومة من جديد، تماماً كما عادوا إليه في انتفاضة الأقصى بعد قمة كامب ديفد في يوليو/تموز عام 2000.

المصدر : الجزيرة

التعليقات