فاضل الربيعي

فاضل الربيعي

- ولد في بغداد عام 1952 - عمل في سنوات شبابه في الصحافة العراقية والعربية - يعمل اليوم باحثا ً متفرغا ً في المركز العراقي للدراسات الإستراتيجية بعمان وخبيرا ً في مركز دراسات الوحدة العربية- بيروت


بحسب المثل العراقي القديم فإن البريطانيين قرروا الانسحاب من البصرة "بعد خرابها".. لم يفعلوا ذلك يوم كانت البصرة تبدو تحت سيطرتهم هادئة، وإلى الدرجة التي شاع فيها انطباع خاطئ حتى في صفوف العراقيين، وكأن هذه المدينة العنيدة بدت -على غير توقع- أكثر استعداداً من سواها لتقبّل فكرة وجودها تحت رحمة البريطانيين، بدلاً من الأميركيين الذين كانوا يسومون السكان سوء العذاب في مناطق العراق الأخرى.

وبالطبع، فقد كان البريطانيون يتباهون طوال سنوات الغزو الأميركي للعراق، بأنهم تمكنوا في هذا الجزء من البلاد من بناء نموذج "للمدينة الوادعة تحت الاحتلال"، متجاوزين بذلك أخطاء شركائهم الأميركيين الذين كانوا يغطسون في المتاعب.

"
قصة الانسحاب البريطاني من البصرة تبدو كأنها لا تعني أي شيء آخر سوى الهروب من كابوس الاحتلال، فليس ثمة ما يدعو للاعتقاد بأن البريطانيين يتركون البصرة لأنهم حققوا فيها أهدافهم وهم يغادرونها طائعين
"
وكانت لديهم بالفعل وطوال السنوات الماضية من الاحتلال الأميركي، قصة سعيدة تفتخر بها صحف لندن عن حنكة البريطانيين ومعرفتهم العميقة بمزاج سكان المستعمرات القديمة وثقافاتهم، فها هي "مدينة هادئة تنعم بالأمن والاستقرار في ظل الحراب الإنجليزية".

ولكن ما أن أُعلن بدءُ الانسحاب من البصرة حتى بدا أن نوعاً من سوء الفهم أو الالتباس قد وقع في سرد القصة السعيدة، إذ بدلاً من أن يتوجه البريطانيون صوب الكويت توقفوا فجأة وسط الصحراء واتخذوا منها "مكاناً آمناً"؟ فماذا حدث بالضبط؟ هل انسحبوا حقاً؟ هل توقفوا عن استكمال الانسحاب؟ هل تراجعوا عنه؟ وماذا ترك البريطانيون هناك؟

تبدو قصة الانسحاب البريطاني من البصرة كأنها لا تعني أي شيء آخر سوى الهروب من كابوس الاحتلال، فليس ثمة ما يدعو المراقب للتطورات في الجنوب العراقي للاعتقاد بأن البريطانيين يتركون البصرة لأنهم حققوا فيها أهدافهم وهم يغادرونها طائعين، أو أنهم ينسحبون من المدينة لأن "مهمتهم انتهت على أكمل وجه".

وعلى العكس من ذلك كشف الصراع الضاري بين المليشيات حول الثروة والنفوذ، أن البريطانيين فقدوا السيطرة كلياً على مجرى تطور الأحداث هناك، وأن قواتهم تحوّلت هي نفسها وفي سياق صراع المليشيات، إلى "مليشيا" ليس لها من مهمة مركزية يمكن أن تقوم بها سوى إخماد نشاط هذه الجماعة أو التنافس مع تلك، وفي بعض الأحيان الدخول مع مليشيات أخرى في مفاوضات سرية للجلاء عن هذا الموقع أو ذاك.

ولهذا كله، يبدو قرار الانسحاب من البصرة "بعد خرابها" وفي أجلى صوره، تعبيراً عن سياق جديد من تطور الصراع، تصبح فيه القوات البريطانية طرفاً ضعيفاً وربما عاجزاً.

إن القاعدة الأساسية في لعبة الحرب والتي تنبني عليها صور النصر والهزيمة، هي أن يصبح طرف ما عاجزاً عن مواصلة الصراع وإلى الدرجة التي لا يعود فيها من خيار آخر أمامه سوى قرار الانسحاب من اللعبة. ولهذا أيضاً تبدو القوات البريطانية وهي تباشر قرار الانسحاب، وكأنها أضحت هي الطرف الذي أخرجته سائر أطراف الصراع الأخرى.

ولذلك فإن أي محاولة لتصوير الانسحاب بوصفه نتيجة مكاسب وإنجازات عسكرية وأمنية -على الطريقة الأميركية- سيبدو ضرباً من العبث والتضليل. لقد خلق الاحتلال البريطاني للبصرة -تماماً كما خلق الأميركيون في كل شبر من أرض العراق- "وحوشاً" كاسرة سوف تقض مضاجع جنودهم.

لم تعد البصرة هادئة، وربما لم تكن كذلك مثلما صورتها صحف لندن وتقارير الجنرالات.

"
أي محاولة لتصوير الانسحاب البريطاني بوصفه نتيجة مكاسب وإنجازات عسكرية وأمنية –على الطريقة الأميركية- سيبدو ضرباً من العبث والتضليل, فلم تعد البصرة هادئة، وربما لم تكن كذلك مثلما صورتها صحف لندن وتقارير الجنرالات
"
وليس من شك في أن قرار الانسحاب طبقاً للظروف والتوقيت، مصمم -كما تبيّن من سلسلة تقارير موثقة- ليس من أجل تفادي الهروب، بل لتجنب الانهيار الوشيك مع تردي معنويات الجنود التي بلغت الحضيض، ومع تزايد ضغط العوامل والظروف المتشابكة المحيطة بعمل ونشاط قوات الاحتلال البريطاني. ولذلك فهو ينبني على تكتيكين رئيسيين:

الأول- الخروج من مركز مدينة البصرة حيث "الكثافات السكانية" وتجنب مواصلة الاحتكاك العنيف بالقوى المسلحة (التي باتت خريطتها معقدة للغاية) والاتجاه نحو الصحراء حيث "الكثافات النفطية".

الثاني- التخلص من الإرث البغيض الذي تركه توني بلير تدريجياً، وترك الأميركيين يسددون لوحدهم فاتورة الغزو الباهظة.

وبذلك تكون واحدة من أكثر قصص غزو العراق قد انتهت نهاية منطقية، فالبصرة لم تعد نموذج المدينة الهادئة والسعيدة، والسكان التعساء هناك لم يعودوا يصدقون الأكاذيب.

كما أن المحتلين أنفسهم لم يعودوا يشعرون بأي قدر من الأمن هناك، مثلهم مثل السكان المذعورين من سطوة المليشيات المتعاظمة.

إن حجم التحديات والضغوط التي واجهت البريطانيين طوال السنتين الماضيتين، يكشف عن المدى الذي ذهب فيه تزييف الوقائع، فهم كانوا باستمرار تحت رحمة قوى وجماعات مسلحة محلية كانت تزداد شراسة وعدوانية في كل لحظة تتعاظم فيها فرص وأشكال التنافس فيما بينها.

وفي ظل حالة غير مسبوقة من الانهيار الأمني والسياسي للبلاد, فإن البريطانيين كانوا يكتشفون –على الأرض- حقائق أخرى، من بينها أنهم لن يفلحوا في نهاية المطاف في بناء نموذج استعماري.

ويبدو من سلسلة وقائع مترابطة أن الضغوط التي مارستها إدارة بوش على لندن هي التي تسببت بوقوع التباس في سرد قصة الانسحاب، وتأخيره وربما تأجيله إلى ما بعد مرحلة تطبيق مقترحات "بتراوس-ووكر".

ومهما يكن من أمر فإن البريطانيين سوف يتركون البصرة عاجلاً أم آجلاً وهم يشعرون بالإحباط بسبب افتضاح مضمون القصة، فليس ثمة بعد الآن نموذج استعماري جيد عن مدينة "هادئة تحت الاحتلال" حيث ينشغل السكان بإطعام أولادهم بدلاً من إطلاق الصواريخ على المعسكرات.

"
في ظل حالة غير مسبوقة من الانهيار الأمني والسياسي للبلاد, فإن البريطانيين كانوا يكتشفون –على الأرض- حقائق عدة من بينها أنهم لن يفلحوا في نهاية المطاف في بناء نموذج استعماري
"
كما أن هذا النموذج الخيالي يفتقد أبسط عنصر من عناصر النجاح أو التقدم على الأرض.

وعلى سبيل المثال فقد أدى تفاقم الصراع واحتدامه بين مليشيات حزب الفضيلة وبدر والصدر، وهو صراع متراكب الأبعاد نظراً للطبيعة المعقدة للخلافات حول السيطرة على عمليات تصدير النفط من الموانئ وتقاسم المال والسيطرة على السكان، إلى تحويل جذري في مهمة القوات، بحيث أصبحت مع الوقت تتركز أكثر فأكثر على "المهام الأمنية".

إن التغير الذي طرأ على طبيعة المهمة المركزية لقوات الاحتلال في البصرة يكاد يتمثل في تلاشي أي أهداف ذات جدوى، وفي ظهور أهداف بدلاً منها ذات طابع تكتيكي يغلب عليها أسلوب التدخل العنيف، وإلى الدرجة التي أصبح فيها الجنود أكثر شبها برجال إطفاء الحرائق التي تندلع هناك وهناك.

وبلغة العسكريين البريطانيين فإن صراع المليشيات من جهة، وظهور مقاومة منظمة من جهة أخرى، بدد كل الآمال بأي إمكانية حقيقية للعودة إلى الأهداف الأصلية للاحتلال.

وفي هذا السياق، فإن التبدل في خريطة تحالف وصراع المليشيات، يحمل في طياته مخاطر جديدة. وهناك أنباء متواترة عن توافق بين الفضيلة والصدر وجناح من حزب الدعوة، واذا ما برز أي ائتلاف شيعي جديد بديل عن الائتلاف القديم، فهذا يعني أن البصرة ستكون قد خرجت نهائياً عن أي إمكانية للسيطرة عليها من جانب البريطانيين. فهؤلاء سوف ينتقلون من التنافس الى الشراكة، بيد أن العامل الأهم والحاسم في معادلة الصراع هذه سيكون بكل تأكيد صعود نجم مقاومة وطنية شيعية منظمة، وهذه بدأت تطل برأسها بقوة متحدية المليشيات والاحتلال على حد سواء.

لقد سعى الأميركيون والبريطانيون عبثا إلى تصوير المقاومة في عاصمة الجنوب العراقي على أنها مليشيات مسلحة مدعومة من إيران، بينما نعلم أن هذه المليشيات كانت منشغلة في صراع لصوصي، ولم تكن معنية بمقاومة الاحتلال بمقدار اهتمامها بالمغانم.

قد يبدو وصف صحيفة "إندبندت" البريطانية لرد فعل الجنود وهم يتلقون نبأ الانسحاب جديرا بالنظر إليه بوصفه تجسيدا لنوع وطبيعة المأزق البريطاني في البصرة. فهم لم يكونوا سعداء وحسب، بل كانوا يشعرون بـ"الخلاص" على حد تعبير الصحيفة. وحين يشعر المحاربون بأن الفرار من المعركة يستحق شعورا بالسعادة، فإن النصر سيكون عندئذ بعيد المنال.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك