نبيل شبيب

نبيل شبيب

كاتب وباحث إسلامي


- حرب إعلامية خاسرة
- تبادل المواقع

- عدوى صراع الإرادات
- مسؤولية تاريخية

مناظرة من أغرب المناظرات، بين طرفين من أغرب "شخصيات التاريخ المعاصر، في مرحلة من أخطر مراحل التقلبات السياسية العالمية، تلك التي جرت دون الالتقاء وجها لوجه، بين زعيمِ ما يوصف بأخطر تنظيم إرهابي معاصر، ورئيس ما يوصف بالدولة الكبرى والأعظم تسلحا في تاريخ البشرية.

وقد تزامنت المناظرة مع انقضاء ستة أعوام على أول تراشق علني بين الجانبين غير المتكافئين بمختلف المقاييس، ما يغري بالمقارنة بين ما كان الوضع بينهما وما أصبح عليه.

"
ليس بسيطا أن تقع تلك الخسارة الأميركية في الحرب الإعلامية، فالحديث هنا لا يدور حول بلدين صغيرين متجاورين، ولا شركتين إعلاميتين، بل عن منظمة، مهما بلغ شأنها فهي منظمة، وبين دولة، مهما قيل عن سقوطها حضاريا، فهي على أعلى درجات التقدم التقني
"
حرب إعلامية خاسرة
يلفت النظر أولا أن الجهات الأميركية المسؤولة لم تعلن هذه المرة أنها تريد التأكد بأساليب الاستخبارات التقنية المتطورة من أن الشريط الجديد هو فعلا لبن لادن، وليس "مزيفا".

وكأنما أدركت الإدارة الأميركية سذاجةَ هذا الأسلوب الإعلامي المتكرر لوصم العدو بأنه "مخادع" يجب تحري صحة كل ما يصدر عنه، وإن كان بالصوت والصورة وبمضمونٍ لا يتناقض مع ما سبق الاعتياد عليه منه، ونشرته جهات مؤيدة له، أو جهات محترفة وموثوقة في أداء رسالتها الإعلامية.

كما يلفت النظر ثانيا أن "الرئيس"، وهو ما يراد نشر التعامل معه وكأنه الوحيد ذو المكانة العليا عالميا، حتى بات يكفي قول "الرئيس" ليعرف المقصود دون ذكر اسمه "بوش"، أو وصفه "الأميركي".. قد "تنازل" هذه المرة إلى مستوى الرد بنفسه على كلمات "بن لادن الإرهابي"، فلم يكن الرد كما كان في مرات سابقة عن طريق موظف حكومي من الدرجة الثالثة أو أدنى.

وسبق أن قيل الكثير عن خسارة واشنطن ما يوصف بالحرب الإعلامية، بين "الدولة العظمى والتنظيم الإرهابي"، وهو استقراء صحيح لا يحتاج إلى دليل إضافي.

إنما جاء التعامل الأميركي مع آخر أشرطة زعيم القاعدة، ليؤكد هذه الخسارة بصورة استعراضية، بعد أن بلغت حجما لا يُوارى، تكشف عنه عناصر أخرى، مثل اختيار التوقيت وفرضه على الطرف الآخر، إلى جانب اختيار الصياغة والمضمون، وكلا الأمرين من دلائل قدرة أحد الطرفين على استيعاب العدو والتعامل معه.

وليس بسيطا أن يظهر عالميا أن "العدو المحاصر في الجبال" استطاع استيعاب "العدو الكبير المتحكم بالأقمار الصناعية والشبكات الإلكترونية العالمية" وأصبح بالتالي قادرا على أن ينال منه عبر اختيار ما يصلح للتعامل معه.

كذلك ليس بسيطا من الأصل أن تقع تلك الخسارة الأميركية في الحرب الإعلامية، فالحديث هنا لا يدور حول بلدين صغيرين متجاورين، ولا شركتين إعلاميتين، بل عن منظمة، مهما بلغ شأنها فهي "منظمة"، وكانت تحت القصف والحصار ست سنوات على الأقل، وبين دولة، مهما قيل عن سقوطها حضاريا، فهي على أعلى درجات التقدم التقني، ويحتل الإعلام لديها تخصيصا مكانة أولى.

إنما لم يعد أحد يستغرب أن تخسر آلة الدعاية الإعلامية الأميركية مثل هذه الجولات بالذات، منذ كشفت الستار بصورة استعراضية عن فيلم دعائي سياسي من مستوى "ليلة القبض على صدام" فكان أسوأ بما لا يقاس من أرخص منتجات هوليود.

"
تصوير المعركة قبل ست سنوات وكأنها اندلعت ما بين طرف دولي ضحية الإرهاب، وجماعة معتدية تحركت باسم الإسلام مستخدمة وسيلة الإرهاب.. تصوير كاذب وليس تصويرا خاطئا فحسب، فاستهداف المنطقة الإسلامية كان قائما من قبل
"
تبادل المواقع
أول موقف اتخذه بن لادن زعيم القاعدة عقب تفجيرات نيويورك وواشنطن عام 2001، كان موقف إنكار أن تكون له علاقة بالحدث الذي عاد بعد فترة من الزمن إلى إعلان المسؤولية عنه، وكرر ذلك الآن بعبارة مباشرة وواضحة، مضيفا المزيد من التهديدات المبطنة.

ولئن أوحى الموقف القديم بشيء من التخوف من العواقب أو محاولة المراوغة السياسية أو عدم الثقة بفائدة الإعلان عن المسؤولية، ففي ظهور الرجل نفسه بعد ست سنوات، ما يوحي أو يريد أن يوحي، أنه أصبح على ثقة مما هو عليه، وأن بقاءه متخفيا طوال تلك الفترة لا يعني أن عدوه قد نال من قدرته، بل على النقيض من ذلك، إذ تحوّل نهج المنظمة إلى نهج تنظيمات عديدة تظهر بصورة مفاجئة وتمارس ما تمارس في مناطق عديدة من العالم.

في أول موقف اتخذه جورج بوش الابن، رجل الدولة، عقب الحدث نفسه عام 2001، كان موقفَ أقصى ما عرفته الحياة السياسية الحديثة من استعراض عجرفة القوة، والاعتداد المطلق بمنطق القوة، وإملاء الإرادة الذاتية على البشر جميعا، ممثلين في دولهم الصغيرة والكبيرة، حتى اشتهرت عبارة "إما معنا.. أو ضدنا" في تصنيف "الفسطاطين" على طريقة زعامة المحافظين الجدد الأميركية.

كان ذلك ردّا على العدو الذي أُطلق -بدعوى مطاردته- مسلسل الحروب الاستباقية الشاملة بأضخم آلة عسكرية فتاكة مدمرة، وأما الرد على كلمات العدو نفسه عام 2007 فكان على لسان الرئيس الأميركي ذاته، ردّا مفعما بمرارة الهزيمة رغم إنكارها، والبحث عن مخرج رغم استمرار إطلاق التهديدات، ومحاولة كسب المؤيدين ملوّحا بخطورة "العدو" الذي كان يُفترض أنّه أودى به إلى المغاور في جبال أفغانستان وانتقل "مطمئنّا" إلى حربه الإرهابية التالية في العراق.

عدوى صراع الإرادات
الجانب الأقوى بإمكاناته هو الأقرب إلى الهزيمة بمفهوم صراع الإرادات، رغم كل ما ارتكبه من عمليات أودت بحياة مئات الألوف من البشر، وقضت على شروط الحياة الكريمة للملايين، ودمرت بذور النهوض والتقدم في عدد من البلدان، ووضعت العالم في أخطر موقع وصل إليه منذ ظهور المعالم الأولى لتحركات الهيمنة الأميركية.

كما نجد أن الجانب الأضعف بمقاييس القوة المعاصرة هو الأقرب إلى تحقيق غاياته، بغض النظر عن تقويمها، رغم أن معارضة وسائله معارضة شاملة للقريب من داخل العالم الإسلامي والبعيد من خارجه، وأن أنصاره -وإن كثر عددهم في هذه الأثناء نسبيا- لا يملكون المعطيات الأولى لتحقيق نصر حضاري أو عسكري أو سياسي كبير.

بل لا يمكن لهم أو لغالبيتهم العظمى وسط الظروف القائمة أن يقيسوا بصورة منهجية صحيحة قيمة ما يصل إليهم بمختلف الوسائل الحديثة من معلومات عمّن يناصرونه، ومدى ما ينطبق من ذلك على الإسلام ومنطلقاته ووسائله، وهو يتحرّك تحت عنوانه.

"
لم يعد يوجد من ينكر بصورة جادة أن الأسلوب القتالي العدواني المتعجرف الذي اتبعه بوش الابن وفريق قيادة أركانه السياسية والعسكرية، قد زاد من انتشار الممارسات الإرهابية من جانب الأفراد والمنظمات
"
ست سنوات ضحاياها شعوب أفغانستان وباكستان ومن حولهما، وشعوب العراق وفلسطين ومن حولهما، وشعوب الصومال والسودان ومن حولهما، ومصير بلدان المنطقة الإسلامية بين المحيطات الثلاثة بدرجات متفاوتة، وجميع ذلك كشف من قبل وما يزال يكشف المزيد من الدلائل.

على أن تصوير المعركة قبل ست سنوات وكأنها اندلعت ما بين طرف دولي ضحية الإرهاب، وجماعة معتدية تحركت باسم الإسلام مستخدمة وسيلة الإرهاب.. تصوير كاذب وليس تصويرا خاطئا فحسب، فاستهداف المنطقة الإسلامية كان قائما من قبل، وبدأ تطبيقه باستخدام ذريعة تفجيرات نيويورك وواشنطن، واستمرّ لاحقا بعد انكشاف أمره.

 ست سنوات كان من حصيلتها من الجنود الأميركيين القتلى ما يكاد يبلغ -وفق البيانات الرسمية الأميركية- ضعف ما كان من قتلى عمليات التفجير في نيويورك وواشنطن، حتى بات هذا -وليس سقوط مئات الألوف من الضحايا من المسلمين وغير المسلمين في البلدان الإسلامية- سببا في تنامي معارضة استمرار تلك الحروب الإرهابية بدعوى مكافحة إرهاب أفراد وجماعات، لا سيّما أنها زادته انتشارا ولم تضعفه.

لئن وجد على الدوام من يأبى الربط بين ولادة ما بات يعرف بالإرهاب في أوروبا أولا وانتقاله إلى مناطق عديدة من العالم، وبين مسببات عدوانية تحتاج إلى دراسة ومعالجة، فلم يعد يوجد من ينكر بصورة جادة أن الأسلوب القتالي العدواني المتعجرف الذي اتبعه بوش الابن وفريق قيادة أركانه السياسية والعسكرية، قد زاد من انتشار الممارسات الإرهابية من جانب الأفراد والمنظمات، ووصل بها إلى أوساط لم تعرف من قبل استخدام العنف بأي صورة من صوره.

والمفروض منطقيا وبمختلف المنطلقات والمعايير أن يكون هذا وحده كافيا للتلاقي من وراء الحدود والانتماءات على المطالبة بوضع حدّ نهائي للممارسات الإرهابية، سواء كانت من جانب دول أو منظمات أو أفراد أو أيّ جهة أخرى من الجهات.

وهنا يبدو مدى ضحالة بعض المواقف السياسية والعسكرية المتزامنة مع تلك المناظرة الغريبة المشار إليها.

كثير من الأنظمة في الدول الأوروبية يريد المضيّ على جبهة أفغانستان عسكريا بتعديل طفيف لبعض الشروط المرافقة للقتال فحسب، ولا يريد أن يسلك بدلا من ذلك طريقا سياسيا وتنمويا وحواريا قد تنشأ بعد سلوكه حاجة للدعم بصيغة أخرى من صيغ استخدام القوة، أي الصورة المشروعة لا الصيغة الأجنبية العدوانية المحضة.

كثير من الأنظمة في الدول العربية والإسلامية لا يزال يعلّق استمرار وجوده وبقائه بجدوى الارتباط بالطرف المهزوم، لأنه على ما يبدو لا يرى الهزيمة "تقضي عليه قضاء مبرما" كما يصنع هو بدول وكيانات قطرية وإقليمية مستخدما قوّته ذات التدمير الشامل.

فلا تستوعب تلك الأنظمة أن هزيمته تتجلى في عجزه عن تحقيق أهدافه الدولية وتراجعه مرغما عن موقع "الزعامة الانفرادية" التي أرادها لنفسه، واضطراره آجلا أو عاجلا إلى الانسحاب من الأراضي التي يخلّفها خرابا، نتيجة ما يسمّى حرب الأرض المحروقة أو هدف الفوضى الخلاقة الهدامة.

كثير من التيارات والأحزاب في بلادنا العربية والإسلامية لا يكاد ينظر في الواقع الراهن إلا من زاوية واحدة، هي البحث عن فرصته هو، إما لاسترجاع مكانة ما كانت له وأضاعتها ممارساته من قبل أن تنتشر الممارسات الإرهابية ومن بعد، أو لاستخلاص مكانة ما لنفسه يحسب أنه قادر على بنائها فوق الأشلاء.

"
العنف غير المشروع والعنف المضاد غير المشروع ينتصران وإن لحقت بهما الهزيمة آنيّا، بقدر ما يخلّفان أوضاعا من شأنها أن توجِد في فترة تالية جولاتٍ أخرى من العنف غير المشروع
"
مسؤولية تاريخية
إن من أخطر ما أسفرت عنه جولة الصراع بين إرهاب السياسي وسياسة الإرهابي هو نشأة وضع جديد من معالمه الإرهاب بمختلف صوره وأشكاله، والفوضى بمختلف ميادينها وأبعادها، حتى ليكاد يصبح ما بعد تلك الجولة أخطر مما كان خلال سنواتها الست الماضية.

وإن من أهم ما وصلت إليه تلك الجولة الإرهابية في اللحظة التاريخية الآنية، أنها أوجدت فرصة قد لا تسنح لفترة زمنية طويلة أخرى، من أجل الخروج من دوامة الصراع المحلي، على مستوى التصورات والتيارات القائمة في المنطقة العربية والإسلامية، وعلى المستويات القطرية والإقليمية من الناحية الجغرافية والسياسية.

يجب أن تخرج السياسة من نفق التبعية الأجنبية، وأن يتضح استقلال المقاومة عن فلك الانحرافات الإرهابية، وأن تهجر النخب الفكرية وغير الفكرية دوائر الولاءات المنفعية الرخيصة على اختلاف أصنافها ومستوياتها والتعصب بمختلف أشكاله وذرائعه.

إن العنف غير المشروع والعنف المضاد غير المشروع ينتصران وإن لحقت بهما الهزيمة آنيّا، بقدر ما يخلّفان أوضاعا من شأنها أن توجد في فترة تالية جولات أخرى من العنف غير المشروع سيّان عمّن يصدر ومن يكون ضحيته.

والخروج من تلك الأوضاع الآن أقرب إلى التحقيق منه بعد فترة من الزمن، أي إذا ما أصبحت محاضن العنف العدواني الأجنبي والرد بعنف مشابه بصورة ما، في وضع "تفريخ" المزيد من المعطيات للبقاء وولادة المزيد.

هذا مما يضع المخلصين أمام مسؤولية تاريخية كبرى، لمواجهة ما كان ولا يزال سبب جولات الصراع، عدوانا أجنبيا، واستبدادا محليا، واستغلالا للأضعف، وبذورا للفتن الطائفية وغير الطائفية، ومطامع قطرية وإقليمية، وصراعا بين التيارات المتعددة فوق قبور ضحايا صراعها في العقود الماضية.

ولا يزول جميع ذلك دون التلاقي على أرضية مشتركة تستثمر اللحظة التاريخية الآنية في الاتجاه الصحيح، وتحول دون السقوط في جولة أخرى على حساب جيلنا المعاصر وأجيال المستقبل.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك