عبد الحافظ الصاوي

- التوظيف السياسي للإنفاق العربي
- حجم المعونات العربية
- غياب التوظيف السياسي العربي

الاقتصاد والسياسة وجهان لعملة واحدة، والعديد من العلاقات الدولية تتبادل فيها المصالح السياسية من خلال اتفاقيات اقتصادية، وكذلك تتحقق المصالح الاقتصادية من خلال مواقف سياسية.

ولذلك نجد أن الدول الفقيرة لا تتمتع بحضور سياسي على الصعيد الدولي أو الإقليمي، بل وقد تتعرض للتدخل في شؤونها الداخلية من باب المساعدات الاقتصادية.

وهذا ما نلاحظه على سبيل المثال لا الحصر من شروط مجموعة الدول الثماني الصناعية في ربط موافقتها على إسقاط ديون الدول الأشد فقرا بإقدام الأخيرة على أجندة سياسية في مقدمتها الديمقراطية وحقوق الإنسان.

ويوجد في عالمنا العربي العديد من الأمثلة التي تعرضت فيها بلدان لحصار اقتصادي بسبب مواقفها السياسية مثل السودان حاليا وليبيا والعراق سابقا، أو هذا المسلسل السنوي المستمر في شأن اعتماد المعونة الأميركية لمصر، ومطالبة الحكومة المصرية بأمور سياسية داخلية تتعلق بحقوق الإنسان، أو قضايا الأقباط، أو العملية الانتخابية، أو قضايا إقليمية أخرى.. الخ.

"
بعض البلدان العربية دخل في دوامة المساعدات الاقتصادية الأميركية فأصبحت مواقفه السياسية رهن هذه المساعدات، لا على صعيد القضايا الإقليمية والدولية فحسب، بل وعلى صعيد الأجندة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية الداخلية
"
ولا تعد هذه التصرفات خارجة عن دور التوظيف السياسي للإنفاق العام للدولة، إذ الأدبيات الاقتصادية في مجال المالية العامة، تشير إلى هذا بوضوح، حيث تتبنى دولة ما موقف دولة أخرى نظير مساعدات أو الحصول على مزايا اقتصادية، أو تقوم دولة ما بتمويل حركة سياسية في دولة أخرى من أجل تمكينها من الوصول إلى السلطة وتوطيد علاقاتها معها لتتحقق لها مكاسب اقتصادية وسياسية محددة، أو تمويل بعض الأحزاب التي تتبنى أيديولوجية معينة، أو حتى تمويل الصحف ووسائل الإعلام التي تدور في فلكها، وعادة ما يأخذ هذا الدعم شكلاً غير مباشر.

كما أن المعروف في عقد الاتفاقيات الدولية سواء كانت اقتصادية أو سياسية أنها تصاغ لصالح الأقوى.

والسؤال الذي تحاول هذه السطور الإجابة عليه هو لماذا لا يترجم حجم المال العربي الكبير إلى مواقف تنعكس على الأداء السياسي العربي الذي يعاني الوهن في العديد من القضايا العربية والإقليمية؟.

ويستمد هذا التساؤل أهميته من خلال أمرين:
أولهما حجم الاستثمارات العربية الذي يتسم بالكبر، والذي هو قابل للزيادة خلال الفترة القادمة، من خلال الوفرة التي تتيحها أسعار البترول المرتفعة حاليا، مع العلم بأن الاستثمارات العربية الخارجية تبلغ نحو 1.2 تريليون دولار حسب بعض التقديرات، وتتمركز في البلدان الأوروبية وأميركا، والقليل منها في البلدان الآسيوية والعربية.

وثانيهما مقدار المساعدات العربية التي تقدم لنحو 127 دولة على مستوى العالم، في كل من أفريقيا وآسيا وأوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية.

التوظيف السياسي للإنفاق العربي
حتى مطلع التسعينيات كانت المساعدات العربية التي تقدم للدول الفقيرة في كل من آسيا وأفريقيا لها انعكاساتها السياسية الإيجابية الملموسة في المحافل الدولية، إذ كانت الدول المتلقية لهذه المساعدات مؤيدة للحق العربي في قضيته الأشهر بالمنطقة، بل وفي العالم، ألا وهى القضية الفلسطينية.

بل إن العديد من تلك الدول لم يعترف بإسرائيل إلا بعد توقيع اتفاقيات سلام معها، وإقامة علاقات تجارية ودبلوماسية من قبل الدول العربية مع إسرائيل.

وقد كانت هذه المساعدات التي تقدمها الدول العربية للبلدان الفقيرة في آسيا وأفريقيا تأخذ أشكالا عدة، منها: البعثات التعليمية والصفقات التجارية المتكافئة والبعثات الطبية وحفر الآبار.. وغيرها.

وكانت مصر من الدول الرائدة في هذا المجال، ولكن الوضع تغير الآن بشكل كبير، حين انقلبت العلاقة مع هذه الدول لصالح إسرائيل، من خلال المساعدات الأميركية والإسرائيلية التي أتت في معظمها في الجوانب الاقتصادية.

وافتقد العرب تأييد هذه البلدان نظراً لتغليب لغة المصالح الاقتصادية والمنافع المادية التي يقدمها الطرف الآخر، والتي أصبحت سمة لعصر العولمة الذي نعيش فيه.

والأدهى أن بعض البلدان العربية دخل في دوامة هذه المساعدات الاقتصادية الأميركية الإسرائيلية، وأصبحت مواقفه السياسية رهن هذه العلاقات والمساعدات الاقتصادية، ليس على صعيد القضايا الإقليمية والدولية فحسب، بل وعلى صعيد الأجندة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية الداخلية، وأصبح الوضع السياسي، سواء على صعيد المنطقة أو على الصعيد القطري يتسم بعدم الاستقرار.

وقد بين تقرير لمنظمة "الإسكوا"، بعنوان "مسح للتطورات الاقتصادية والاجتماعية في منطقة الإسكوا لعام 2005"، أن عدم الاستقرار السياسي بالمنطقة، نتجت عنه أمور عدة:

• عدم الاستقرار السياسي يشكل عائقاً رئيسياً أمام الاستثمار الأجنبي والإقليمي في المصانع والمعدات، كما تنخفض مساهمة المعرفة والتكنولوجيا في النمو الاقتصادي أكثر فأكثر، نتيجة لانخفاض معدلات الاستثمار.

• وفى ظل عدم الاستقرار السياسي وما ينتج عنه من تدن في مستوى التنمية المؤسسيةلا تتمكن الاقتصاديات من استيعاب العنصر الأساسي للزيادة الإنتاجية وتصبح أكثر عرضة للصدمات والتقلبات الطارئة.

• وعلاوة على ذلك أدى عدم الاستقرار السياسي إلى تركيز الجهود الإنمائية على تحقيق الاستقرار وتحويل الموارد من تكوين رأس المال الاقتصادي والاجتماعي إلى تكوين "رأس المال السياسي" من أجل تحقيق الاستقرار السياسي، وقد أدى هذا إلى خلل في توزيع الدخل والثروة.

"
المساعدات العربية تتميز عن المساعدات الدولية بأنها مساعدات غير مشروطة، كما أن فترات السماح فيها طويلة، ولا تمارس فيها الدول العربية ضغوطا على الدول المستفيدة
"
حجم المعونات العربية
ولا يعني هذا انسحاب الدور العربي في هذا المجال بالكلية، ولكنه يوجد على استحياء مع اختلاف الوظيفة والدور، لأنه إما أن يوجه لتبني وجهة نظر قطرية لدولة ما، أو يوظف في غير الاحتياجات التنموية للبلدان المستفيدة من المعونات العربية.

فمثلاً البعثات التعليمية التي يقدمها بعض بلدان الخليج، تنحصر في الدراسات الشرعية والاجتماعية، وهى بدورها لا تصنع من خريجيها كوادر مؤهلة للقيام بدور بارز داخل هذه الدول، أو توجيه زمام المواقف السياسية، فضلاً عن أنها تمثل إضافة لعدد العاطلين من هذه التخصصات، في حين تقدم معونات أميركا وإسرائيل في تخصصات علمية، أو في تطوير زراعات أو صناعات داخل هذه الدول.

كما أن مساهمات المجتمع الأهلي العربي في مجال تقديم المساعدات اتسمت بعدم التنسيق فيما بينها، فبعضها اتخذ الجانب الاستهلاكي أو الخدمي (مشروعات الأضاحي وإفطار الصائم وإقامة المدارس الدينية)، على حساب الجانب التنموي.

ومن هنا تجب إعادة النظر في تقديم المعونات العربية حتى يكون لها مردود سياسي وإنساني يمثل إضافة إلى الدور العربي على الساحة الإقليمية والدولية.

وتشير بيانات التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2006 إلى أن حجم المساعدات الإنمائية العربية في عام 2005 بلغ 1.7 مليار دولار، وانخفضت نسبته بمعدل 32.7% عما كان عليه في عام 2004، وبمقدار 808 مليون دولار.

وتأتي معظم المساعدات العربية المقدمة من قبل دول الخليج بما يقارب نسبة 95%، فخلال الفترة 1970–2005، بلغت المساعدات العربية نحو 130 مليار دولار، قدمت منها دول الخليج 122.2 مليار دولار.

وتعتبر السنوات من 1975 إلى 1985 هي الأكثر عطاء في مجال المساعدات العربية، بينما تراجعت هذه المساعدات منذ عام 1985 وحتى الآن، لتمثل نصف ما كانت عليه قبل هذا التاريخ.

ويرجع هذا التناقص في المساعدات العربية إلى الحروب التي شهدتها منطقة الخليج خلال هذه الفترة، والتي سميت بأزمات الخليج (الأولى: الحرب الإيرانية العراقية، والثانية: غزو العراق للكويت، والثالثة: الاحتلال الأنجلو/أميركي للعراق).

كما تمثل المساعدات العربية في عام 2005 نحو 0.3% من حجم الناتج المحلي الإجمالي، في حين بلغت مساهمة المساعدات الدولية من الناتج المحلي العالمي لنفس العام 0.7%.

ولكن لا بد أن نذكر هنا أن المساعدات العربية تتميز عن المساعدات الدولية بأنها مساعدات غير مشروطة، كما أن فترات السماح فيها طويلة، ولا تمارس فيها الدول العربية ضغوطا على الدول المستفيدة.

"
أهمية التوظيف السياسي للمال العربي تظهر بقوة عند وقوع الأزمات حين تعلو الأصوات المنادية بسحب الاستثمارات العربية من أميركا والدول المؤيدة لها، مما يفرض على العرب حكومات وأفرادا إعادة التفكير في الدور السياسي لأموالهم حتى لا يصبح المال العربي بلا رسالة
"

غياب التوظيف السياسي العربي
هناك مظاهر عدة لغياب أو ضعف التوظيف السياسي العربي للجوانب المالية المتاحة، ومن ذلك:

1- الضغوط التي تمارس على السودان منذ فترة، وطرح قضية تقسيم السودان بقوة من أجل قيام دولة بالجنوب، وعدم تفعيل أي قرارات دولية تجاه الممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

2- أيضاً غياب كامل للشرعية العربية تجاه حرب إسرائيل على حزب الله في يوليو/تموز 2006.

3- عدم الاستفادة من قوى سياسية واقتصادية جديدة مثل الصين والهند في تفعيل القضايا السياسية العربية، خاصة أن الصين تملك حق الفيتو في مجلس الأمن، ولديها مصالح اقتصادية كبيرة مع العديد من الدول العربية.

وقد تجلى العجز العربي عن توظيف الدور السياسي لأمواله من خلال موقف الحصار الدولي للحكومة الفلسطينية الذي وقفت وراءه الحكومة الإسرائيلية وأميركا، وعدم السماح بدخول أموال التبرعات التي قدمها المجتمع الأهلي، أو بعض الحكومات العربية، أو حتى جامعة الدول العربية إلى الحكومة الفلسطينية.

وترجع هذه الحالة العربية السلبية إلى الأسباب الآتية:
• غياب التخطيط للمصالح السياسية والاقتصادية على المستوى العربي.

• أصبح التعامل مع المال العربي يتم من خلال المصالح القطرية على مستوى الدول، ومن خلال معدلات الربح والخسارة على مستوى الأفراد، وكذلك توفر عنصر الأمان لرؤوس أموال الأفراد، بعد أن افتقد هذا العنصر إلى حد كبير داخل البلدان العربية.

• لا تستفيد البلدان العربية من المساعدات، التي تقدمها لـ127 دولة على مستوى العالم، على الصعيدين السياسي والاقتصادي؟. من خلال ربط هذه المساعدات بتصدير منتجات عربية تتوفر فيها تلبية احتياجات البلدان المتلقية للمساعدات وتخلق مجالات جديدة للتجارة، أو كسب هذه الدول لصالح قضاياها السياسية الإقليمية والدولية.

تظهر أهمية دور التوظيف السياسي للمال العربي بقوة أثناء وقوع أزمات، أو عدوان على بلد عربي، من قبل أميركا أو إسرائيل، حيث تعلو الأصوات المنادية بسحب الاستثمارات العربية من أميركا والدول الأوروبية المؤيدة لموقفها، أو مقاطعتها اقتصادياً.

ويتكرر الموقف ذاته مع الاعتداءات الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني أو اللبناني، أو بعد ضبط شبكات التجسس الإسرائيلية في بعض البلدان العربية، وهى حالات تصاحبها مطالبة الرأي العام العربي بإلغاء اتفاقيات السلام مع إسرائيل.

وهذا ما يفرض على العرب، حكومات وأفرادا إعادة التفكير في الدور السياسي لأموالهم، حتى لا يصبح المال العربي بلا رسالة.
__________________
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة