راشد الغنوشي

راشد الغنوشي

زعيم حركة النهضة التونسية

ابتداء نهنئ الأمة بقدوم الشهر المبارك الذي شرّفه الرحمن دون الشهور فاتخذه وعاء لاستئناف الاتصال بين السماء والأرض، بعد انقطاع استمر أكثر من ستة قرون، "شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، فمن شهد منكم الشهر فليصمه" (البقرة 183).

"
نظام التمدن الإسلامي غاية في التركيب والبساطة والواقعية، إنه نظام شامل للحياة في كل أبعادها الجسدية والخلقية الروحية والاجتماعية والدنيوية والأخروية، وعبادات الإسلام كلها تترجم وتجسد ذلك النظام
"
ورغم أن الأمر يتعلق بواجب تعبدي مما لا يتطلب التعليل، فإن الحكيم أبى –كما ذكر المفسرون- إلا أن يكشف لعباده عن طرف من حكمته، تكريما لعقولهم وندبا إلى طلب الحكمة في كل شيء إذ لا يصدر عن الحكيم إلا ما هو حكمة ونفع.

فلم يقل تعالى: فمن كان حاضرا غير مسافر فليصمه، وإنما عبر عن هذا التشريف بالشهود، وهو حضور مخصوص، حضور بتشريف كحضور موكب مهيب أو حفل بهيج.

وشهود رمضان من هذا القبيل، تشرق فيه الأرواح وتمتد عموديا فتعانق السماء بالذكر والصلاة والقرآن، وتمتد أفقيا بالرحمة والعطاء والسماحة، فكان رسول الله عليه السلام جوادا، وكان أجود ما يكون في رمضان، لكأنه السحابة المرسلة (البخاري).

وليس صدفة حصول فتوحات وانتصارات عظمى في رمضان، ولا أن تتهيأ فيه قوى الاحتلال لتصاعد المقاومة. ففيه ابتدأ نزول الوحي على قلب الرسول الخاتم عليه السلام، حاملا خلاصة النبوات، مصححا ومتمما، ومؤسسا لأمة ولحضارة وكلت إليها مهمة حراسة إرث النبوءات والحضارات.

وفيه تجري تحولات عظمى: في العوالم الروحية "تصفّد فيه الشياطين وتفتح فيه أبواب الجنة وتغلّق أبواب النار.." (البخاري). وفي مدرسته الشهرية تتم للأمة عملية تجديد فردي وجماعي للحياة النفسية والعقلية والجسدية والاجتماعية والاقتصادية.

إنه رحلة ممتعة زادها الأساسي الإمساك عن إتيان أشياء محددة -هي في الأصل مباحة ومرغوب فيها- لأوقات محددة مع تجريد القصد لله. إنه عبادة صامتة "الصوم لي وأنا أجزي به" (الشيخان).

إن القدرة على "الإمساك" هي مفرق الطريق بين الإنسان والدابة. إنه التعبير عن امتلاك النفس وقوة الإرادة.

إن مشهد تحلّق الأسرة حول مائدة حافلة بمطعومات ومشروبات تهفو إليها النفوس لكنها تمسك عنها في انتظار الإذن الإلهي مشهد إنساني بامتياز، وتعبير تعبدي، ومقصد تربوي عظيم: كبح جماح نفوسنا فلا نطلقها إلا وفق القانون، وذلك هو التمدن.

إن نظام التمدن الإسلامي غاية في التركيب والبساطة والواقعية. إنه نظام شامل للحياة في كل أبعادها الجسدية والخلقية والروحية والاجتماعية والدنيوية والأخروية. وعبادات الإسلام كلها تترجم وتجسد ذلك النظام.

ولأنه نظام عقلاني لم يترك مصيره موكولا للأقدار المبهمة، بل للإنسان المؤمن، أمانة "فليبلغ الشاهد منكم الغائب" (ابن إسحاق). ولذلك لم يتوقف قيام المؤمن بعباداته الأساسية على وجود نظام جماعة أو دولة رغم أهمية ذلك ووجوبه. لأنه من المرونة بحيث يسع المؤمن تطبيقه في جميع أحواله. "الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم" (آل عمران 193).

إن الإسلام مركبة ضخمة تكفلت بانطلاقتها واستمرار اختراقها الفضاءات ومغالبة الصعاب، مجموعة من المحركات الدقيقة المتينة: الصلاة والزكاة والحج والصيام والتلاوة والجماعة والدولة، فإذا عملت جميعها على أفضل صورة كان أداء المركبة عظيما.

أما إذا أصاب بعضها عطب فينحط أداؤها بقدر ذلك، ولكنها لا تتوقف عن الحركة، لأن نظام الصيانة سرعان ما يشتغل "إنّا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" (الحجر 8)، فيتنادى المصلحون لتلافي العطل، وتندفع المركبة مجددا قوية فعالة: "يبعث الله على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها" (أبو داود).

ويمثل الصيام أحد أهم هذه المحركات الرئيسية السنوية. لقد جاء على الأمة حين من الدهر أصاب محركات دينها -وهو سر بقائها وقوتها وتحضرها وتوحدها وانتصاراتها- قدر غير قليل من العطالة، فتشوشت عقائدها بما خالطها، فتحول بعضها من عنصر دفع وتوحيد إلى عامل تبطل وتمزيق.

والأمر ذاته حصل لبقية المحركات، فأفرغت من معانيها وتحولت مجرد أشكال يقوم بها بعض وينصرف عنها آخرون، فكان طبيعيا ألا تنتج ثمرتها، فكانت غلبة الأمم علينا في نقطة الالتقاء بين نهوضهم بفعل إصلاح أنظمتهم الفكرية والاجتماعية والعسكرية، وبين ضعفنا بفعل فساد بنياننا السياسي والعقدي والخلقي والاجتماعي، فأضافت تلك الغلبة إلى عوامل الضعف والعطالة الداخلية مزيدا من الاضطراب والتشويش لعالم الفكر والقيم وتمزيقا أشد لما كان مجتمعا في أمتنا.

"
لئن كانت ثمار الإصلاح منذ قرنين لا تزال محدودة في مستوى القمة، فإن آثارها عميقة في قاع المجتمع، وهي في طريقها إلى القمة
"

حركات الإصلاح تعيد ارتباط الدين بالحياة
فلا عجب أن قامت حركات الإصلاح على فكرة التجديد الشامل للبنيان الفكري والقيمي وبث الروح في أركان دين تحول إلى مجرد تقاليد وطقوس مفصولة عن أساسياتها العقدية وعن صلتها بالحياة.

ولذلك فبقدر ما ألح المصلحون على أهمية أركان الإسلام في البنية الإسلامية -"الصلاة عماد الدين"، "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة من تركها فقد كفر"، والأمر ذاته على بقية أركان الإسلام، فاتفقوا على كفر منكرها والهازئ بها فضلا عن الصاد عنها- ركزوا جهدهم على توكيد علاقتها بالحياة، فذكّروا بقوله عز وجل "إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر" (العنكبوت40) وبأن "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا".

وفي الصيام لم يكتفوا بأهميته الركنية التي تخرج منكرها من الملة، فهو أبعد من صورة الإمساك من الصباح إلى المساء: "من لم يدع قول الزور والعمل به فلا حاجة لله في أن يدع طعامه وشرابه" (البخاري)، "رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش" (الترغيب والترهيب).

تحرير وتحرر
ولقد أخذت هذه الجهود الإصلاحية تؤتي أكلها، وذلك بقدر ما تحررت في الأمة طاقات معطلة، فكّت عنها بعض قيود عقائد الجبر والعطالة، وأعادت للمسلم قدرا من وعيه التاريخي وإيمانه بما خوله الله من قدرات على الفعل لا تحدّ، بما تشرّبه مما دعاه المصلح الكبير الشيخ عبد العزيز الثعالبي "الروح التحررية للقرآن (L''esprit liberal du Coran) بأثر الربط المجدد بين حياة المسلم اليومية وشعائره التعبدية.

فتجددت لدى قطاع واسع مكانة تلك الأركان والشعائر في حياتهم بعد "فصام نكد" -كما دعاه سيد قطب- بين العقيدة والحياة، في سياق "علمانية رثة" لا يزال يفرضها على الأمة من فوق جيل نشأ في محاضن الاحتلال، استخلفه وسوّل له أنه يمكن للمسلم أن يكون مسلما صالحا بمجرد انتساب شكلي يكفي فيه النطق بالشهادة ولو كانت منزوعة الطاقة كليا، مكفوفة عن كل تأثير في حياة "المؤمن" اليومية وجملة علائقه.

نعم مسلم صالح، بلا صلاة؟ وبلا صيام؟ وبلا زكاة؟ وبلا حج؟ وبلا التزام في معاملاته المالية وارتباطاته السياسية والأسرية؟ بل ترتع غرائزه حسب المتاح!

ولئن كانت ثمار الإصلاح منذ قرنين لا تزال محدودة في مستوى القمة، فإن آثارها عميقة في قاع المجتمع، وهي في طريقها إلى القمة.

كانت حركات التحرير في مواجهة المحتلين ولا تزال حيث يوجد احتلال، ثم حركات إصلاح لترويض الدولة الوريثة للاحتلال على القبول بعدالة الإسلام ووحدة أمته، ولا يزال مدها وعطاؤها على الجبهتين في صعود بقدر ما تتعز الجسور بين العقائد والشعائر ومجالات الحياة. أي بقدر فشل إستراتيجية علمنة الإسلام أي عزله عن رسالته في توجيه الحياة.

تحت القصف تتقدم
وفي سياق هذا التجدد الذي تغذيه صدمات بلغت حد عودة الاحتلال المباشر والحملة الشاملة على الإسلام، والتخويف من خطره! وآخر نسخة من ذلك ما صدر عن أعلى مرجعية دينية في الغرب، إذ رمى الإسلام باللاعقلانية وبأن رسوله -بأبي هو وأمي– "لم يأت للبشرية إلا بما هو شرير وغير إنساني"!

وكأنه من العقلانية في شيء عقيدة التثليث (3=1)، والاعتقاد في سلطة مطلقة معصومة، وكأنه من العقلانية في شيء محاكم التفتيش وتحريق العلماء وبيع تذاكر الجنة والتحالف مع الإقطاع والرأسمالية والاستعمار والنازية ونهب وإبادة شعوب وحضارات.. وذلك مقابل دين الفطرة الذي أمر بالتفكر والتدبر في كل شيء، طريقا إلى معرفة الله ولكل معرفة، حين "ازدياد العلم بالصنعة يزيد علما بالصانع" كما ذكر الحكيم الفقيه ابن رشد الذي علّم رواد النهضة الغربية التي قاومها أسلاف البابا، تراث العقلانية الإغريقية الذي يتمسح به البابا اليوم، وكان أسلافه لقرون طويلة يقيمون المحارق للمتورطين في الاطلاع عليه.

ولأن كل ضروب عدوانهم على الإسلام وأهله تأتي والأمة تعمرها صحوة واسعة لم تعهد مثلها منذ قرون، فلن تزيد وعيها إلا تأججا وصفوفها إلا توحدا ودعوتها إلا امتدادا.

يعلم المتابعون للآيات الشيطانية للمرتد سلمان رشدي وما حظي به من تكريم على نيله من المقدس الإسلامي ممثلا في رسول الإسلام عليه أزكى صلاة وتسليم، ثم ما كان لمآسي فلسطين وغزو العراق وأفغانستان.. ما كان من أثر فعال في استعادة الوعي بالهوية الإسلامية والاحتماء بها والاعتزاز لدى جيل إسلامي نشأ في الغرب غائم الهوية حتى كاد يذوب جملة.. فجاءت هذه الصدمات توقظه وتعيده إلى الأمة، بل مضت ببعضهم أبعد من ذلك، فاندفعت مئات منهم في غير تبصر صوب الإرهاب بداعية رد الفعل والانتقام.

مقابل ذلك تنامت تيارات التعصب ضد الإسلام والعرب والمهاجرين من جهة، كما تنامى وعي قطاع واسع من النخبة الغربية بمظلمة المسلمين وبما يتوفر عليه الإسلام من أبعاد تحررية تؤهله لأن يكون حليفا للقوى المناهضة للعولمة المتوحشة الزاحفة بأسلحتها المدمرة وشركاتها الناهبة وفنونها المنحطة..

ومثل هذا الوعي حدث مع كل صدمة جديدة تتلقاها الأمة بأثر الصحوة العارمة التي يأتي رمضان شاحذا لها، فيتنامى عدد التائبين الصائمين والقائمين والذاكرين والمتزكين والمجاهدين.

"
صحيح أن الأمة تعاني آلاما جساما، ولكنها ليست بحال سكرات الموت، بل أوجاع الولادة، فتيار صحوة الإسلام والحرية والمقاومة في تصاعد وبشائر كثيرة في الأفق
"
وما من شك في أن صوام رمضان هذا، سيكونون أوفر عددا من أي رمضان مر في تاريخ المسلمين، وكذا عدد الحجاج والمصلين والصائمين لأول مرة في حياتهم بأثر البلوغ أو بالاهتداء أو بالتوبة.

يأتي رمضان معززا صلة المؤمن بربه وشعوره بوحدة أمته، تلك الوحدة التي فشل الساسة في تحقيقها والارتفاع بقواها المعنوية وبمستويات مقاومتها ومغالبتها للتحديات الداخلية ولضروب العدوان المتواصلة عليها.

يأتي رمضان إذن معززا تلك القوى المعنوية التي تتلاطم أمواجها فتلقي الرعب في قلوب السماسرة الدوليين ووكلائهم المحليين، وهم يرون مد الإسلام مد التحرر ينداح وقواه تتواصل حلقاتها وتحقق على الأرض إنجازات مذهلة للعدو، هازة التوازنات الدولية كالذي حدث في لبنان وفلسطين والعراق وأفغانستان والصومال: صمودا في وجوه غطرستهم وإحباطا لمخططاتهم.

ولا يقتصر الأمر على ما ينجز في ميادين القتال، بل الانتصارات على صعيد الصراعات الفكرية والسياسية، وعلى صعيد مؤسسات المجتمع المدني قائمة: خدمات صحية وتعليمية ومساعدات ومناصرة لحقوق النقابيين.. لا تقل أهمية عن ذلك.

وكانت المسيرات المليونية التي نظمت في أكثر من عاصمة غربية ضد الهجمة الامبريالية في العراق وفلسطين ولبنان تجسيدا لتواصل الحلقات بين القوى التحررية: إسلامية وقومية ويسارية متنوعة.

ظهر هذا التواصل في ساحات عربية في مصر بين الإخوان والناصريين، وفي اليمن بين الإصلاح والاشتراكيين، وفي تونس يوجد تلاق بين القوى المعارضة الرئيسية دفاعا عن وطن حر للجميع، فكانت هيئة 18 أكتوبر.

بشائر في استقبال رمضان
- حقق الإسلام انتصارا مدويا على الاستئصال العسكري العلماني في واحدة من أقدم وأشرس قلاعه: تركيا، حيث يتبوأ لأول مرة في تاريخ الجمهورية رئيس إسلامي بعد ثمانين سنة من القمع والتغريب والضياع.

- تكللت خطوات التحول الديمقراطي في موريتانيا بانتخابات تشريعية ثم رئاسية تعددية نزيهة، وتم الاعتراف للجميع بحق العمل السياسي بمن فيهم الإسلاميون، تأكيدا أن ليس بين أمتنا وبين الانخراط في العصر -وجوهره الحكم الديمقراطي- غير دكتاتور مشدود بأسناد خارجية ومعارضوه في حال تبعثر.

- وأمكن لحزب العدالة المغربي رغم ظروف الإحباط التي يعيشها الناخب المغربي وضروب التلاعب أن يحافظ على مواقعه بل أن يحسنها.

- وتلقى شعب العراق الجريح أولى بشائر انتصارات مقاومته الأسطورية الباسلة، بإعلان غزاته الواحد بعد الآخر عن اندحارهم خائبين، ليتذكروا أن أمة الصيام لا تنام على ضيم.

- وحققت المقاومة الأفغانية باكورة انتصاراتها باندحار فصيل من غزاتها صاغرا. كما تتصاعد المقاومة في الصومال.

أوجاع الولادة
ولكن ركب رمضان يحل وأمة الإسلام مجزأة والظلم مخيم على أغلبها: سجون ومهاجر مزدحمة بالأحرار، وبطون جائعة وأخرى متخمة وأفواه مكممة وشرائع معطلة، والأقصى يئن تحت الأسر وشعب فلسطين منقسم مشرد..

إلا أن روح النهضة التي تسكن الأمة ستجرف كل السدود. ويأتي رمضان شهر الفتوحات ليعزز دفق هذه الصحوة العارمة، دافعا إلى مزيد من التوبة والتراحم والبذل والفداء، فيتكثف التواصل بين الخالق والمخلوق، فتتصلب الإرادات الواهنة، وتتقارب النفوس المتنافرة، ويتعزز سلطان العقل على الغريزة، والمبدأ على المنفعة، والباقي على الفاني والعام على الخاص ولذة الروح على شهوة الجسد.

فالحمد لك ربنا على ما تفضلت به علينا وأنعمت، فمددت في أعمارنا حتى أدركنا موسم الغنائم. نسألك اللهم أن تجعل لنا منها فضلا ونصيبا. "من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقم من ذنبه" (الشيخان).

صحيح أن الأمة تعاني آلاما جساما، ولكنها ليست بحال سكرات الموت بل أوجاع الولادة. تيار صحوة الإسلام والحرية والمقاومة في تصاعد وبشائر كثيرة في الأفق: "إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون" (النساء 103).

المصدر : الجزيرة

التعليقات