أكرم البني

يتوقع كثير من المراقبين أن يرتفع في الشهور القادمة مستوى التوتر في المنطقة، وأن تشهد حالة الاستعصاء القائمة حربا جديدة، يرجح أن تولد هذه المرة في الجولان المحتل إما نتيجة حركات مقاومة فيه أو نتيجة هجوم استباقي من إسرائيل.

هذا التوقع لا يعود فقط إلى حضور إشارات غير مسبوقة عن استعدادات متبادلة ربما تحفز للحرب وتواتر المناورات العسكرية الإسرائيلية هناك، ولا إلى أن الحرب بصفتها استمرارا للسياسة بوسائل أخرى، هي بديل يفرض نفسه بقوة في المنطقة طرداً مع عقم السياسة وانسداد طرق التواصل والحوار والتوافق بين الأطراف الفاعلة لمعالجة مختلف قضايا الخلاف والنزاع، وإنما أيضاً لأن التطورات والتحولات التي جرت عالمياً وإقليميا نجحت في جر النظام السوري إلى قواعد لعبة جديدة، جوهرها الانتقال من حروب بالوكالة إلى حرب بالأصالة، بعد أن رفع الغطاء التوافقي عالمياً عن دوره الإقليمي، وضعف تحكمه في أوراق إقليمية كانت رهن إشارته.

"
الرغبة الأميركية في جر سوريا إلى فخ الحرب تلتقي مع موقف الغلاة الإسرائيليين الذين يحبذون خيار الحرب لإفهام دمشق أنها واهمة في ثقتها بجدوى الخيار العسكري، ولتمكين إسرائيل من استعادة طاقة الردع وسمعتها التي اهتزت في حرب لبنان
"

بدأت هذه التحولات بانهيار الاتحاد السوفياتي ومناخ الحرب الباردة، وعززها الاحتلال الأميركي للعراق ثم انسحاب الجيش السوري من لبنان وتجميد الجبهة اللبنانية بعد تطبيق القرار 1701، تلاه عزل حركة حماس في غزة وتحجيم الورقة الفلسطينية.

فيما مضى تمكنت دمشق من تحييد جبهة الجولان المحتل، وتجنبت أسلوب التدخل العضوي بجسدها، مستأنفة صراعها على النفوذ الإقليمي عبر وكلاء ووسطاء، حتى صح القول إن السياسة السورية أفلتت من المواجهات المباشرة، ونجحت خلال العقود المنصرمة في التدخل عبر وسطاء لبنانيين وفلسطينيين متعددين، للرد على محاولات إضعاف وزنها أو إهمال دورها.

وعند القول إن الحرب على الجبهة السورية الإسرائيلية هي اليوم أوفر حظاً لا بد من الاستناد إلى مفاضلة لا تزال تملك الحياة، أجراها صناع القرار في البيت الأبيض بين هذا الخيار وبين توجيه الضربة الأولى لإيران.

وهناك اتفاق غربي على أن البدء بالحرب على إيران سوف يجر تبعات كبيرة قد لا يكون للولايات المتحدة وحلفائها من طاقة على لملمتها واحتوائها في الوقت المناسب، بينما الحرب على سوريا قد تساعد على إضعاف أو التخلص من عامل إعاقة وإرباك مباشر في ملفات المشرق العربي، كما تكسر إحدى أهم الحلقات الداعمة للسياسة الإيرانية، في ضوء افتراض وجود المقدرة على امتصاص ردود أفعال السلطة الإيرانية في حال حدوث الحرب على سوريا أو محاصرة دورها ضمن حدود آمنة.

وما يدعم هذا الافتراض هو أن السياسة الإيرانية لم تكشف إلى اليوم موقفاً حقيقياً يسعى إلى دفع الأمور إلى النهاية وإلى دخول معركة كسر عظم مباشرة مع أميركا، فضلاً عن أنها تعيش اليوم مرحلة انتقالية تكبل قدرتها على المبادرة، في ظل تأزم الأوضاع الاقتصادية والسياسية وانحسار شعبية الرئيس أحمدي نجاد الذي بات مقيد اليدين أمام حضور تيار قوي يميل إلى الاعتدال واستخدام لغة التفاهم مع الغرب.

طبعاً، ليس أمراً جديداً أن تقرع الإدارة الأميركية طبول الحرب على سوريا، فمثل هذا القرار متخذ ضمنياً منذ احتلال العراق وفشل الجهود الدبلوماسية في إقناع دمشق بالتخلي عن سياستها الإقليمية تجاه العراق ولبنان وإيران والأراضي الفلسطينية، بل هي رغبة لم يخفها الرئيس الأميركي جورج بوش وجاهر بها في أكثر من مناسبة، وبخاصة في الأيام الأولى لحرب يوليو/تموز على لبنان حين دعا علانية إلى معاقبة سوريا.

ودعا بوش إلى توجيه ضربات ضد أهم مواقع سوريا الحيوية والعسكرية، يحدوه الأمل في أن تهز هذه الحرب هيبة النظام الحاكم وتزعزع ثقة الناس به، مما يخلخل وضعه الداخلي ويكرهه على الانشغال بنفسه وكف تدخلاته في الشؤون اللبنانية والعراقية والفلسطينية.

ووفق حافز يتجاوز مألوف الموقف الغربي يعتبر بوش استمرار النظام السوري وبقاءه بمنأى عن التغيير خطرا أشد وطأة من إزالته حتى لو عرفت سوريا حالة من الفوضى وعدم الاستقرار لا يصعب تطويقها واحتواؤها.

وما يعطي هذه الرؤية زخماً إضافياً هو كونها تلتقي مع السمة العامة التي تميز السياسة الأميركية اليوم، وهي سمة الهروب إلى الأمام، وهذه السياسة لن تجد ما تربحه في حال ما إذا انكفأت وتراجعت.

ويظهر أن رهانها الوحيد المتبقي هو أن يفضي افتعال الهجمات والحروب هنا وهناك إلى تذليل عدد من العقبات القائمة وكسب بعض النقاط التي تساعدها على ترميم وضعها الداخلي وتحسين صورتها والتقدم إلى انتخابات الكونغرس والرئاسة وهي أكثر ثقة بالنفس، ما دام الحزب الجمهوري نفسه قد اعترف بعجزه وحيرته في اختيار مرشحه للرئاسة وفي طرح برنامج يحوز ثقة الناس ويستطيع المنافسة بجدية في الانتخابات.

وتلتقي الرغبة الأميركية في جر سوريا إلى فخ الحرب مع موقف بعض الغلاة الإسرائيليين الذين يحبذون خيار الحرب على سوريا بعد جرها إلى افتعال هجمات في الجولان تتحول لاحقاً إلى مواجهة عسكرية واسعة.

"
المجتمع الإسرائيلي بعد تجربة الحرب الأخيرة على لبنان ازداد تطرفاً وخشية من السلام، أو من فترات الهدوء الخادع التي منحت الفرص لمناهضي إسرائيل كي يستعدوا ويحشدوا القوة والسلاح
"
وترى هذه الأوساط أن تلك الحرب من شأنها إفهام دمشق أنها واهمة في ثقتها بجدوى الخيار العسكري، ومن شأنها أيضاً تمكين إسرائيل من استعادة طاقة الردع وسمعتها التي اهتزت في حرب لبنان، مما يعيد ربما الكثير من الرصيد المعنوي والسياسي الذي فقدته الحكومة الصهيونية، ويعزز مواقع المتشددين ضد سوريا، وخاصة أولئك الذين يتحدثون عن الجولان كأرض إسرائيلية إلى الأبد.

يبدو المجتمع الإسرائيلي بعد تجربة الحرب الأخيرة على لبنان وكأنه ازداد تطرفاً وخشية من السلام، أو من فترات الهدوء الخادع التي منحت الفرص لمناهضي إسرائيل كي يستعدوا ويحشدوا القوى والسلاح.

ومن هنا لم يعد غريباً أن تقرأ تحليلات ومواقف لسياسيين وعسكريين إسرائيليين، تحبذ أولوية كسر الموقف السوري بحرب استباقية كممر لتحقيق مجموعة من الفوائد، منها إضعاف التحالف السوري الإيراني، ووقف تدفق الأسلحة إلى حزب الله عبر سوريا، وإفقاده عنصر قوته الأساس لإخراجه تالياً من معادلة المواجهة مع إيران، ومنها إنهاء احتضان سوريا لقيادة حركة حماس، مما يعني تهيئة الساحة الداخلية الفلسطينية لواقع جديد يتفاعل مع سياسة الرئيس محمود عباس المعتدلة.

والأهم هو التعويل على ضربات ناجعة يمكنها النيل من القدرات الصاروخية الضخمة التي حصلت سوريا عليها والتي من شأنها إلحاق أذى كبير بإسرائيل.

أما في الوضع السوري فثمة إشارات واضحة تفيد بأن هناك تصميما ما لتحريك الوسائل العسكرية إذا لم تستأنف مفاوضات السلام بعد زمن محدد.

ويلحظ المراقب للحالة السورية اليوم أن مسألة الجولان باتت تحتل حيزاً كبيراً ومهماً في النشاط الإعلامي والسياسي السوري، ناهيكم عن تواتر الدعوة والنشاط لتشجيع التطوع فيما سمي التنظيم الشعبي لتحرير الجولان، وتكرار التصريحات الرسمية بشأن استعادة الأرض المحتلة سلماً أو حرباً، عززتها توقعات الرئيس أحمدي نجاد إبان زيارته لدمشق عن صيف ساخن سوف تشهده المنطقة.

وإذ يعتقد البعض أن خيار الحرب من الجانب السوري يحمل هذه المرة الكثير من الجدية، فلأنه يعتبر أن خياراً كهذا هو ربما اليوم أقل الخيارات تكلفة بالنسبة لنخبة حاكمة وصلت سياساتها إلى نفق مسدود، وتعتقد أن التهدئة والركون إلى عامل الوقت ليس في صالحها.

ويذهب حملة هذا الرأي إلى اعتبار هذه الحرب أيضاً شكلاً من أشكال الهروب إلى الأمام، وقد بات مستقبل النظام القائم ومصيره في ضوء ما تعرفه البلاد من عزلة وحصار مشروطين بمثل هذه الهجمة لإعادة إحياء شرعيته الوطنية والاستناد إليها لتعزيز مواقعه وسلطانه، بدءا من الالتفاف على الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي يعاني منها المجتمع والتي هي مرشحة لمزيد من التفاقم، مروراً بتجيير سلاح التعبئة الوطنية لضبط الداخل واحتواء تيارات الإسلام السياسي التي يتنامى حضورها بصور وأشكال متنوعة، وأيضاً لتمييع التعاطي مع المحكمة الدولية المعنية بكشف اللثام عن جريمة اغتيال رفيق الحريري، دون أن نغفل أهمية الحرب كضرورة للتحرر من الإحراج المزمن الذي تتعرض له النخبة الحاكمة، جراء الهوة الكبيرة بين أقوالها الوطنية وشعاراتها وبين أفعالها.

ورهانها هو أن يفتح لها الصراع العسكري مع إسرائيل بوابة كي تستعيد دورها الإقليمي، وخاصة تجاه لبنان، ولكي تصحح علاقاتها مع مختلف الدول العربية، وتخلق حراكاً جديداً للمفاوضات مع إسرائيل ومع الغرب، معتقدة أن هذه السياسة الهجومية لا بد أن تؤثر على التفاعلات السياسية الجارية في أميركا وأوروبا حول الوضع السوري فتزيد قلق المتشددين وتشجع دعاة الانفتاح والتفاهم، مثلما تحرك الركود الإسرائيلي الذي تعامل باستخفاف وتباطؤ مع الدعوات السورية المتكررة لإحياء المفاوضات والتوصل إلى حل نهائي.

"
ما يميز المزاج الشعبي السوري اليوم هو اختلاط العواطف المعادية لأميركا وإسرائيل ومخططاتهما مع إحساس عميق بالقلق والخوف مما يحتمل أن يحل بالمجتمع السوري إذا لم تأت الثمار كما يشتهي
"
بلا شك تستند السياسة السورية في تسويغ خيار الحرب إلى حق مشروع باسترداد الأرض المحتلة وإلى استمرار تعنت العدو الصهيوني ورفضه الإذعان وتقديم تنازلات لرد الجولان، وتالياً إلى السياسة الأميركية بتنكرها لوعودها ولدورها في دعم قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة وخاصة القرارين 242 و338 وتواطئها مع مماطلة وتلكؤ العدو الصهيوني، وصمتها عن أساليب الضم والإلحاق التي يمارسها.

وهي تستند كذلك إلى النتائج السلبية التي أفضت إليها مسيرة طويلة من التهدئة والدفاع عن خيار المفاوضات والسلام، بدءاً بمؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط، ثم جولات المفاوضات التي جرت بين الجانبين حتى أواخر التسعينيات، لكنها تستند أيضاً ربما إلى شعورها بأن إسرائيل لن تنسحب من مرتفعات الجولان راضية وعن طيب خاطر، ما دامت هادئة ومستقرة.

كما أنها تستند إلى قراءتها الخاصة لنتائج الحرب على لبنان، وأنها لم تأت بما تشتهي السفن الإسرائيلية، مما يعطى حافزاً بأن خوض أعمال عسكرية ضد إسرائيل مسألة ممكنة ومجدية وآمنة نسبياً ولن تقود إلى نتائج مدمرة كما كان يعتقد سابقا.

يبدو أن أهل هذا الرأي لا يتحسبون أبدا من تطور المعارك إلى حرب شاملة أو إلى ما قد يهدد مصير النظام والمجتمع بالكامل، لأنهم يراهنون، كالنظام، على سرعة التدخلات العالمية وجديتها لإيقاف الحرب عند حدود ما، بالاستناد إلى القلق الأوروبي الواضح من احتمال انفلات الأوضاع إلى الفوضى، وإلى السياسة الإيرانية التي لن تقف مكتوفة الأيدي وخاصة لجهة التهديد بتوسيع رقعة الاقتتال في حال استمرار تعرض المواقع السورية للقصف الجوي الإسرائيلي، وأيضاً إلى الإحراج الذي سوف يسببه استمرار الحرب للدول العربية التي سوف تسارع بلا شك إلى دعم دعوات وقف إطلاق النار.

في مواجهة السؤال الأكثر تداولاً حول احتمال وقوع حرب وشيكة بين سوريا وإسرائيل، يبدي معظم الناس حماسة لمقاومة العدوان ومخططاته، ويكشف الكثيرون صدق مشاعرهم الوطنية، لكن تلازماً مع الحديث عن إزالة الأسباب التي تضعف الوطن وتحجم من قدراته على المواجهة، مثل محاربة الفساد والمفسدين والعمل على خلق حالة من المصالحة والوحدة الوطنية على أسس الانفتاح والحرية واحترام حقوق الإنسان.

في حين يعبر البعض عن خشيته من ألا تفضي هذه المعركة إلى النتائج المتوخاة، ويجد أن الوقت غير مناسب لاتباع هذا الخيار ربطاً مع ظروف عالمية وإقليمية وعربية غير مواتية ومع وضع داخلي غير مهيأ، داعياً إلى التريث والمناورة وتأجيل العمل العسكري ريثما تتغير بعض هذه الظروف ويقوى البنيان الداخلي ديمقراطياً.

إن ما يميز المزاج الشعبي السوري اليوم هو اختلاط العواطف المعادية لأميركا وإسرائيل ومخططاتهما مع إحساس عميق بالقلق والخوف مما يحتمل أن يحل بالمجتمع السوري في حال ما إذا لم تأت الثمار كما يشتهي.

وتلحظ وراء هذا المزيج من المشاعر أملاً ورغبة صادقة عند أغلب المواطنين السوريين والنخب المثقفة في البحث عن منفذ للخلاص من حال الاستعصاء القائمة بأقل الخسائر والآلام!.
__________________

كاتب سوري

المصدر : الجزيرة