ياسر الزعاترة

ياسر الزعاترة

كاتب أردني

ما بين مراجعات الجماعة الإسلامية في مصر ومراجعة الأمير السابق لجماعة الجهاد (المصرية أيضا) بشأن أحكام الجهاد، وما شابهها من مراجعات تمت على صعيد أشخاص أو مجموعات صغيرة في الخليج وفي المغرب (تجربة الشبيبة) وسواها من البلاد العربية.. ما بين هذه جميعاً ثمة خيط أساسي عنوانه حشد الأدلة الشرعية على خطأ الاجتهادات السابقة في استهداف السلطات الحاكمة، إلى جانب الكثير من المواقف التي تدخل في ذات السياق المتعلق بالعمل الجهادي الذي يستهدف "الكفار" في الداخل والخارج.

"
مراجعات الجماعة الإسلامية انطوت على اجتهادات جديدة، خلاصتها عدم جواز الخروج على الحاكم المسلم، وهي الخلاصة التي كان الحنابلة قد تبنوها منذ قرون طويلة وحشدوا لها الأدلة الشرعية الضرورية من أحاديث تحض على طاعة ولي الأمر
"
الأمير السابق لجماعة الجهاد المصرية الدكتور فضل أو سيد إمام عبد العزيز الشريف هو صاحب كتاب "العمدة في إعداد العدة.. الجامع في طلب العلم الشريف"، خرج مؤخراً بالتعاون مع آخرين بوثيقة أسماها "وثيقة ترشيد العمل الجهادي في مصر والعالم".

وقبل ذلك كانت مراجعات الجماعة الإسلامية قد انطوت على اجتهادات جديدة، خلاصتها الأهم هي عدم جواز الخروج على الحاكم المسلم، وهي الخلاصة ذاتها التي كان الحنابلة قد تبنوها منذ قرون طويلة وحشدوا لها الأدلة الشرعية الضرورية من أحاديث تحض على طاعة ولي الأمر، مع فارق أن حديثهم في ذلك الوقت كان يتعلق بولاة أمر لم تكن المشكلة معهم هي الشريعة وأحكامها، وإنما بالظلم.. ظلم الرعية وعدم القيام بواجبها على النحو المطلوب.

أي أن الفارق بحسب بعض مؤيدي الخروج هو الفارق ذاته بين الظلم والكفر وفق المصطلحات الشرعية.

لم ينس قادة الجماعات المذكورة الأبعاد السياسية والواقعية للمراجعات، فقد قدموا الكثير على هذا الصعيد مما يستحق الاحترام والتقدير، وهي مواقف بعضها جديد وأكثرها سبق أن ساقه آخرون قبلهم في سياق تقدير المواقف من الأنظمة والصراع معها.

لكن كلمة المراجعات في السياق المتعلق بالحالة المصرية على وجه التحديد ما زالت تشير إلى القضية الشرعية أكثر من القضية السياسية، أقله في وعي قادة الجماعة والمنتسبين إليها، فضلاً عن المعنيين بالهم الإسلامي في مصر والعالم العربي.

نتذكر هنا أن الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد وسواها من الجماعات التي سلكت سبيل العنف لم تكن تفعل ذلك من دون تنظير شرعي يستند إلى أدلة من الكتاب والسنة، كما أنه من الصعب القول إن ذلك التنظير وتلك الأدلة كانت بالغة الهشاشة والضعف، وإلا لما أقنعت كل تلك الجحافل من الناس، ولما بقي عليها بعضهم إلى الآن.

كل ذلك مع العلم بأن التزام القواعد -قواعد الجماعتين- بالمراجعات الجديدة لا يعني القناعة التامة بها، وإنما هو خيار المجموع في ظروف لا تخدم خيارا آخر، فضلاً عن حقيقة كوننا إزاء تنظيمات غالبا ما تتسم بنظام الطاعة للأمير الذي يصعب الخروج عليه حتى لو حرف المسيرة في اتجاه آخر، لاسيما إذا خسر الخيار الأول تأييد الجماهير.

يضاف إلى ذلك أننا ندرك أن تلك الجماهير بحسها الجمعي لا يمكن أن تؤيد مسارا خاطئا لا يملك أفقاً حقيقياً للتغيير، كما ندرك أن العنف لا يمكن أن ينشأ ويستمر من دون قضية عادلة وحاضنة شعبية وإسناد خارجي.

نفتح قوساً هنا فيما يخص مراجعات الدكتور فضل فيما يتعلق بقضايا الجهاد، وهي مراجعات تستحق إشادة خاصة ومضاعفة، نظرا لأن التنظير القديم للرجل ومن ثم تطبيقاته قد تجاوزت مصر إلى مناطق عديدة من العالم، وانطوت على استهانة بدماء المسلمين فضلاً عن سواهم، علما بأن ذلك لا يختلف في بعده الأهم أيضاً عن الحالات الأخرى.

"
النصوص الشرعية وممارسات الصحابة والتابعين لا تخذل القائلين بالخروج على الإمام الظالم، فضلاً عن الرافض لتطبيق الشريعة الذي يصنف كافرا بحسب تنظيرات شائعة لدى الجماعات الإسلامية
"
والحال أن النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، لاسيما بعد التوسع المتدرج في تصحيح نصوص الحديث من قرن إلى آخر، وصولاً إلى وجود ما يقرب من 35 ألف حديث صحيح موزعة على كتب المتون، هذه النصوص ما زالت توفر الأدلة لأي مسار كان، وبالطبع حين لا يتم وضع الموقف في إطار من الفقه الحقيقي الذي لا يقف عند ظواهر النصوص، وإنما يتعمق فيها ويوازن بينها وصولاً إلى الحكم الشرعي الحقيقي.

لكن النتيجة الأبرز التي يخرج بها من يتبحر في النصوص المتعلقة بالسياسة وتفاصيلها الكثيرة هي أن جوهر السلوك العام للنبي عليه الصلاة والسلام وللصحابة والتابعين لا يشير إلى حسم في هذا الاتجاه أو ذاك يصلح لكل زمان ومكان، بقدر ما يشير إلى موازنة بين المصالح والمفاسد يقدرها أهل العلم والرأي في الأمة، أو في البلد المعني في الزمان المعني.

وهنا نتذكر كيف أنه عليه الصلاة والسلام استخدم جميع أدوات التكتيك السياسي من حرب وسلم وهدنة وتحالفات متعددة الأشكال، ما يجعل من الصعب الاستناد إلى واقعة هنا أو هناك لتحديد المسار في وضع قد يختلف من حيث ظروف الزمان والمكان.

إنها نظرية المصالح والمفاسد أو المقاصد الشرعية التي يمكن تطبيقها في سياق دين يرى أن الشرع إنما يكون حيث تكون مصالح المسلمين كما هي نظرية العلامة ابن القيم في كتابه "إعلام الموقعين"، وهي نفس النظرية التي يمكن إعمالها في مسائل الخروج على الحكام وفي مسائل الجهاد، سواء كان جهاد دفع أو جهاد طلب، فضلاً عما هو أقل من ترتيبات وتحالفات تخص الدولة المسلمة أو المسلمين بشكل عام.

ففي السياق الأول (الخروج على الحاكم) يبدو من العبث الاستناد إلى بضعة أحاديث آحاد هنا أو هناك، أو الاستناد إلى كلام للإمام أحمد بن حنبل، في حين يتم تجاهل أن الحسين بن علي عليه السلام وهو المزكى من النبي عليه الصلاة والسلام والمدعوم من طائفة من الصحابة، قد خرج على يزيد بن معاوية (ابن عباس لم يعارضه في الخروج بل نصحه باللجوء إلى اليمن حيث شيعة أبيه).

وكيف يمكن تجاهل أن الإمام مالكا الذي عاصر كبار التابعين ومعه الإمام أبو حنيفة قد أيدا خروج محمد النفس الزكية على أبي جعفر المنصور؟!

واللافت هنا أن من يتبنون نظرية عدم جواز الخروج على الإمام الظالم هم أنفسهم الذين يعلون من شأن فهم الصحابة للنصوص، لكنهم هنا يستندون إلى حديث أو حديثين بينما يتجاهلون موقف الصحابة من خروج الحسين بن علي، والموقف من الخلاف الأخير في عهد عثمان رضي الله عنه، علما بأنه لم يتحدث أحد من الصحابة في قضية الحسين عن عدم الجواز بقدر ما كانوا يشيرون إلى فرص نجاح الرجل في مشروع الخروج، وهو ما تكرر في عهد التابعين أثناء خروج محمد النفس الزكية.

والخلاصة أن النصوص الشرعية وممارسات الصحابة والتابعين لا تخذل القائلين بالخروج على الإمام الظالم، فضلاً عن الرافض لتطبيق الشريعة الذي يصنف كافرا بحسب تنظيرات شائعة لدى الجماعات الإسلامية، من دون أن نقول إنها تخذل القائلين بخلاف ذلك.

وهذا يعني أن الجدل سيسفر -كما في مختلف القضايا الفقهية- عن وجود أقوام يقولون بالجواز وآخرون يقولون بخلاف ذلك، والنتيجة هي ترك القضية لتباين الأفهام والاجتهادات، وهنا مكمن الخطورة.

في المقابل تبدو نظرية المصالح والمفاسد أعمق رؤية وأقوم سبيلاً في التعامل مع قضايا كهذه، سواء كانت قضايا جهاد ضد أعداء أو ترتيبا للعلاقة معهم، أو قضايا تخص العلاقة مع الحكام.

"
التشبث بفقه المقاصد هو المسار الأفضل بدل استمرار التراشق بالفتاوى في قضايا الأصل فيها الموازنة بين المصالح والمفاسد من قبل أهل الرأي القادرين على تقدير المواقف، لا من قبل مشايخ لا يفقه أحدهم شيئا في شؤون السياسة ولا في موازين القوى
"
وفي هذه الأخيرة لم تصل الحركات الإسلامية قبل الجماعة الإسلامية والجهاد إلى رفض الخروج رفقاً بالحكام ولا قناعة بأنهم مضطرون إلى عدم تطبيق الشرعية، أو لأنهم مسلمون يقيمون الصلاة أو يسمحون للناس بإقامتها بحسب البعض، لأن هناك من بينهم من يحارب مظاهر التدين في وضح النهار حتى لو لم يقفل المساجد -وكم هناك مما لا يمكن قوله هنا- بل اختارت تلك الحركات ذلك لأن الظروف المحلية (سطوة الجيش والأجهزة الأمنية وعدم وجود إجماع شعبي على المسار الجديد)، إلى جانب الظروف المحيطة ومنها الظروف الدولية.. هذه كلها لا تخدم الخروج، بل تجعله محض إراقة مجانية لدماء المسلمين من دون طائل.

أما اعتبار مسألة الخروج مسألة فتوى مجردة فستبقيها برسم القناعات وتجعلها قابلة للتطبيق بين حين وآخر من أي مغامر هنا أو هناك.

وهنا سيطرح سؤال معاكس: ماذا لو وصل نظام ما من الظلم والجبروت والفساد والاستهتار بالناس ودينهم حداً يجعلهم في حالة رفض تاريخي أنزلتهم إلى الشوارع في ثورة سلمية عارمة، كما وقع في يوغسلافيا وأوكرانيا ودول أخرى وقبل ذلك في إيران؟

هل ينبغي على العلماء والحركات الإسلامية أن يقولوا للناس إن حاكمكم هذا واجب الطاعة حتى "لو جلد ظهوركم وسلب أموالكم" لأن ثمة حديثا في هذا الشأن؟!

إن نتيجة خيار من هذا النوع هو إخراج العلماء من دائرة الفعل والتأثير ومنح الزعامة لآخرين ربما رفعوا شعارات معادية للدين، فضلاً عن الاحتمال الآخر الذي سيفضي إلى ترك الأمر على حاله مع تحميل الإسلاميين مسؤولية تثبيت الظلم.

لذلك كله لا مناص من التشبث بفقه المقاصد ونظرية المصالح والمفاسد في إدارة الشأن السياسي الداخلي والخارجي، ولكن بقيادة أهل الرأي المنتمين إلى دين الأمة من علماء ورجال سياسة لا يرتمون في أحضان السلطة.

وتخيلوا حال الأمة هذه الأيام لو تبعت آراء الذين رفضوا المقاومة في العراق لأن أولياء الأمر -ومنهم ولي الأمر الذي نصبه الغزاة- لم يأذنوا بذلك كما ذهب إلى ذلك بعضهم!

أليس هذا شكلا من أشكال الفقه القاصر من الناحية السياسية قبل الناحية الفقهية؟ ألا يعلم أمثال هؤلاء أن أكثرية ولاة الأمور قد فرحوا بالمقاومة في العراق لكنهم لم يكونوا ليجرؤوا على إعلان موقفهم؟

ثم عن أي ولاة أمر يتحدث هؤلاء وقد أصبح للمسلمين عدد كبير من ولاة الأمر بعضهم يناقض رأي بعض، ومن الصعب أن يجتمعوا على رأي واحد في أي من القضايا السياسية التي تواجه الأمة في حاضرها ومستقبلها؟!

إنه التشبث بفقه المقاصد، هو المسار الأفضل بدل استمرار التراشق بالفتاوى في قضايا الأصل فيها الموازنة بين المصالح والمفاسد من قبل أهل الرأي القادرين على تقدير المواقف، لا من قبل مشايخ لا يفقه أحدهم شيئا في شؤون السياسة ولا موازين القوى الداخلية والخارجية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك