عبد الله الحسن

- نموذج معاداة الدولة
- الدور الأميركي
- إشكاليات مشرف
- تحولات سياسية

يبدو أن "عملية الصمت" ضد المسجد الأحمر وجامعة "حفصة للبنات" الملحقة به في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، فتحت صندوق "طماطم" على مصراعيه لينشر شروره في كل ربوع باكستان، في صورة عنف دموي وعدم استقرار أمني وفوضى هوجاء لا يعرف أحد مداها ومآلها على مصير البلاد.

وأخطر من ذلك أن تلك الفوضى يمكن أن تؤثر بعمق على التوازنات الآسيوية برمتها بحكم مجاورة باكستان للعملاقين الصيني والهندي، ولإيران المسكونة بحلمها النووي وثورتها الإسلامية، وكذلك أفغانستان، فضلاً عن التداخل الإثني والقبلي والديني بين شعوب هذه الدول.

يضاف إلى ذلك أن باكستان تندرج حسب التصنيف الأميركي ضمن نطاق ما يسميه زبيغنيو بريجنسكي مستشار الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر "البلقان العالمي الجديد" الممتد من السويس إلى مقاطعة سينغيانغ (المقاطعة التركية الصينية).

"
الولايات المتحدة بعدما تأكدت من نهوض القوة الصينية والهندية وتقدمهما نحو إنتاج تعددية قطبية مع الاتحاد الروسي، كان لا بد أن تلجأ إلى قوة السلب لإعاقة ذلك المشروع، وباكستان هي هذا السلب، والفوضى البناءة آليته وشرط تحققه
"
تجدر الإشارة إلى أن تفجير التوازنات الآسيوية حاجة ومصلحة أميركية أولاً وأخيراً، وذلك في سياق خطتها لعرقلة تشكل أقطاب دولية جديدة يمكن أن تنزلها عن علياء عرش القطب الأوحد.

والولايات المتحدة بعدما تأكدت من نهوض القوة الصينية والهندية وتقدمهما نحو إنتاج تعددية قطبية مع الاتحاد الروسي، كان لا بد أن تلجأ إلى قوة السلب في إعاقة نموهما وتقدمهما، وباكستان هي هذا السلب، وتشكل "الفوضى البناءة" آليته وشرط تحققه.

وفي هذا الصدد لا بد من الإشارة إلى أن "الفوضى البناءة" حالة صيرورة، وليست حالة انفجار في وقت محدد تنهار فيه هياكل الدولة والمجتمع، وتتبدد الأرصدة والثروات الوطنية، ويعم اليأس في انتظار بعث جديد وأمل جديد.

أما مكونات هذا السلب فهي ثلاثة فواعل أساسية: السلطة الحاكمة، والتكوينات الأهلية، والقوة الأميركية المهيمنة.

ويتأتى دور السلطة الحاكمة في السلب من تصدر بقائها في السلطة سلم أولوياتها، الأمر الذي يدفع نحو سياسات لا تعزز الاندماج المجتمعي، بل على العكس تجتهد في تمزيق المجتمعات المحكومة كي تغدو السيادة عليها أسهل وتصبح السلطة مرجعية حصرية لكل التفاعلات الاجتماعية، فلا يتواصل الناس إلا عبر قنواتها المراقبة والمتحكم بها.

وبالنتيجة يخفق المجتمع الفاقد لاستقلاله في إنتاج تماسك ذاتي، ويصبح تماسكه رهينة الخارج. ولا يتم هذا الإمساك إلا بالاستناد إلى عصبية دينية أو مذهبية أو إثنية، كما تقتضي تركيز السلطة وإقامتها على الأمن، حيث أمن الحاكم يتقدم على أمن الوطن.

أما دور التكوينات الأهلية فيكمن في تراجع السياسة الوطنية لصالح السياسة الأهلية أو الأهلية الجديدة، فضلاً عن معاداتها للدولة.

نموذج معاداة الدولة
ويقدم "المسجد الأحمر" وملحقاته المثل الأبرز على ذلك على الصعيد الباكستاني، حيث أخذ بالتصدي لمهام هي من اختصاص الدولة ولا يبدو أن هذا النهج قابل للتوقف.

الجدير بالذكر أن باكستان إحدى الدول الإسلامية التي احتفظت بمؤسسات تقليدية تتمتع بنفوذ أقوى من أن تتغلب عليه قوى الحداثة عن طريق التطور السياسي والاجتماعي الهادئ والمتدرج، إذ توجد في باكستان 13 ألف مدرسة دينية تضم بين جنباتها أكثر من مليون تلميذ.

صحيفة "الفجر" وهي كبرى الصحف الباكستانية الصادرة باللغة الإنجليزية قالت "ينبغي استقاء بعض الدروس من عملية مسجد لال، فإن أشخاصا أمثال الأخوين في المسجد المذكور موجودون في مختلف أنحاء البلاد، وهم يملكون المال والسلاح، وقد قاموا بغسل أدمغة أتباعهم. ومع أن هؤلاء الأتباع قد يكونون أبرياء وصادقين في معتقداتهم، فإن تصرفات قادتهم تمر غالباً بلا عقاب، وبالتالي على الحكومة أن تكون في إثر هذه الأدمغة".

وثمة أربعة عوامل تشكل بلا أدنى ريب الأرضية الخصبة لعمل هذه الأدمغة:
1- نسبة الأمية العالية في باكستان والتي تقترب من 70% من عدد السكان.
2- نسبة الفقر العالية إذ يعيش 70 مليون باكستاني من أصل 165 مليونا تحت خط الفقر.
3- الشراكة مع الولايات المتحدة في ما يسمى "الحرب على الإرهاب" لا تحظى برضا الشعب الباكستاني.
4- ضعف القوى المعتدلة من الأحزاب التقليدية بسبب الجيش الباكستاني وفر للقوى الإسلامية الفرصة لملء الفراغ.

الدور الأميركي
يتبدى دور القوة الأميركية المهيمنة في عدائها للدول ككيانات وسياسات ومؤسسات حكم، وهو ما يميزه عن نظيره من الاستعمار الأوروبي الذي شكل دولا.

لذلك نادرا ما يتطابق دور القوة الأميركية مع الدول القائمة، فهو إما أن يلتف حولها ليتصل بمكوناتها الأهلية، أو أن يلتف عليها من فوقها ليدخلها في ترتيبات إقليمية تتصل بالأولويات الأميركية، وهذه بدورها معنية بأن تكون القوة الأميركية المرجع النهائي لتفاعلات الدول جميعها، بما يضمن استدامة السيطرة الأميركية. وباكستان بالتأكيد ليست استثناء من هذا الدور الأميركي، بل هي رازحة تحت وطأة ثقله.

المثير للانتباه أن علاقة باكستان بالولايات المتحدة -كما تدل على ذلك التجارب- ترتهن إلى حد بعيد للحاجة الأميركية إلى الدور أو الوظيفة التي يمكن أن تؤديها باكستان في نطاق الإستراتيجية الأميركية، وهي وفق ما يبدو حاجة موسمية مؤقتة، ما إن تحقق غاياتها حتى تعرض عن باكستان وتقلب لها ظهر المجن، وهو دور كان على الدوام مدفوع الأجر.

فقد استخدمت الولايات المتحدة الأراضي الباكستانية لأغراض التجسس على الاتحاد السوفياتي السابق، وأقامت لهذا الغرض قاعدة جوية. وفي العِقد الثامن من القرن العشرين تحولت باكستان إلى الخط الأمامي في الحرب الأميركية ضد السوفيات في أفغانستان.

"
سياسة اللعب على الحبلين انتهت، ولم يبق لمشرف سوى الاندفاع بلا ضوابط في الاستجابة للمطالب الأميركية، وبالتالي في إعلان حرب لا هوادة فيها على القوى الإسلامية، ما يجعل مصير باكستان على خُطا أفغانستان والعراق
"
والمقابل المالي لهذا الدور ساهم في رفع معدل النمو الباكستاني بمقدار 6.5% سنوياً، لكن حين لم تعد هناك حاجة لهذا الدور مع هزيمة السوفيات في أفغانستان وانهيار الاتحاد السوفياتي توقفت المساعدات.

وليس هذا فحسب بل تعرضت باكستان لعقوبات وفرض حصار جزئي عليها، ما أدى إلى انخفاض النمو الاقتصادي فيها إلى ما دون 2.7%.

غير أنه بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 وانشطار العالم إلى فسطاطين بموجب تعبير بوش "إما معنا أو ضدنا"، وانحياز الرئيس برويز مشرف إلى الجانب الأميركي في الحرب العالمية الجديدة "الحرب على الإرهاب"، عادت المساعدات المالية الأميركية إلى التدفق على باكستان بمقدار 2.5 مليار دولار سنويا.

وأهم من ذلك بلا شك إسقاط الديون المستحقة للخارج، ونكتشف أهمية ذلك عند معرفتنا أن ثلث الميزانية العامة الباكستانية قبل عام 2001 كانت تذهب لدفع مستحقات تلك الديون.

لكن طبيعة الاجتماع السياسي الباكستاني القائم على ركيزتي الرابطة الإسلامية والجيش شكل عائقاً أمام مشرف في الذهاب بعيداً في "الحرب الأميركية على الإرهاب"، فاختار كما يقول الكاتب الباكستاني أحمد رشيد في صحيفة "ديلي تلغراف" (13/7/2007)  سياسة "اللعب على الحبلين" التي كان من آثارها تمكن تنظيم القاعدة من التقاط أنفاسه في ملاذه الآمن الجديد في المناطق القبلية الباكستانية، وكذلك حركة طالبان التي وجدت ملاذا آمنا في محافظة بلوشستان، كما ازدهرت المجموعات الدينية المتطرفة.

إشكاليات مشرف
إضافة إلى ما سبق فإن نفوذ المتعاطفين مع الإسلاميين لا يزال كبيراً في الجيش الباكستاني وفي جهاز الاستخبارات والحكومة، وقد طعن العسكريون المعارضون في قرار مشرف التخلي عن شركائهم من المجاهدين وتساءلوا عن حكمته.

ويذهب الكاتب دانيال ماركي في مجلة "شؤون خارجية" (7-8/2007) في تعليله لهذا الأمر إلى القول ".. فهم يقدرون أن هذه العلاقات هي ضمان المحافظة على نفوذهم إذا ما تخلت عنهم واشنطن، كما فعلت أكثر من مرة في العقود الستة الماضية"، خصوصاً أن أنصار طالبان من الباكستانيين استولوا على مناطق شاسعة في إقليم الشمال الغربي وشيدوا قاعدة للجهاد العالمي.

المعروف أن الإسلاميين الباكستانيين والأفغان ارتبطوا بعلاقات قوية مع الجيش الباكستاني، ففي عام 1971 استعان الجنرال محمد يحيى خان بجماعات إسلامية في الحرب بين الحكومة المركزية وقوميي شرق باكستان، وفي منتصف الثمانينيات توطد حلف الجيش مع الإسلاميين ومدت الاستخبارات الباكستانية المجاهدين العرب والأفغان بالمال والعتاد في حربهم على السوفيات.

هذه الحقائق حملت عدداً من المراقبين الأميركيين ومن أعضاء الكونغرس على دعوة واشنطن إلى فرض عقوبات على باكستان إذا لم تعزز إجراءات مكافحة الإرهاب. وقد ذهب بعض هؤلاء إلى الدعوة لعزل مشرف وإرساء حكم بديل عنه.

وهذا يعني أن سياسة "اللعب على الحبلين" قد انتهت، وأن مشرف لم يعد أمامه سوى الاندفاع بلا ضوابط في الاستجابة للمطالب الأميركية، وبالتالي في إعلانه حرباً لا هوادة فيها ضد القوى الإسلامية، ما يجعل مصير باكستان على خُطا أفغانستان والعراق.

"
أميركا ستدفع التناقضات الداخلية الباكستانية إلى حدودها القصوى، خاصة أن باكستان تغلي بالتناقضات العرقية والطائفية، كالصدام بين الجيش والجماعات الدينية، وبين القبائل والحكومة المركزية، وبين السلطة القضائية والمؤسسة العسكرية، ناهيك عما يدبر لها من الخارج كونها داخلة في المجال الحيوي الإسرائيلي كما حدده شارون
"
تحولات سياسية
وقد شكل اقتحام المسجد الأحمر نقطة التحول الأساسية في سياسة مشرف، وبفعل ذلك صارت باكستان أمام سلطة آخذة في التآكل، وجيش تفككت هيبته وقوى إسلامية جهادية صاعدة، وتفكك في العِقد الاجتماعي، أي أمام بلاد أوشكت أن تصبح سائبة.

وبالتأكيد في ظل هذا الواقع لا قدرة للعالم على احتمال أن تكون باكستان طالبانية، ولا احتمال رؤية ترسانة نووية لا يعرف في يد من ستكون.

لذا يتوقع البعض أن تضع الولايات المتحدة يدها بطريقة أو بأخرى على الأسلحة النووية الباكستانية، وهناك من يربط هذا السلوك بالحرب المزمع أن تشن ضد إيران.

وخلال حديث إلى برنامج "توداي" على المحطة الرابعة لهيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي) ألمح سياسي أميركي إلى أن إحدى النتائج المحتملة لغارة أميركية أو صهيونية على المنشآت النووية الإيرانية قد يتمثل في عملية ثأرية "أصولية" للإطاحة ببرويز مشرف، الأمر الذي سيخول الأصوليين المتدينين إحكام قبضتهم على القدرة النووية الفعالة ولو كانت ضئيلة لهذا البلد.

بعد ذلك ستدفع أميركا التناقضات الداخلية الباكستانية إلى حدودها القصوى، إذ إن باكستان كما هو معروف تغلي بالتناقضات العرقية والطائفية، أضيف إليها مؤخراً الصدام بين الجيش والجماعات الدينية، وبين القبائل والحكومة المركزية، وبين السلطة القضائية والمؤسسة العسكرية، ناهيك عما يدبر لها من الخارج، من الحلف الأميركي الصهيوني الذي يسعى لإقامة "الشرق الأوسط الكبير"، حيث المجال الحيوي لأمن الكيان الصهيوني وفق تحديد أرييل شارون يمتد من باكستان إلى أواسط القارة الأفريقية، ولا يستقيم إلا مع شرذمة الكيانات والدول القائمة في مجاله إلى كيانات فسيفسائية، وباكستان من ضمنه طبعا.

وفيما يخص تفتيت باكستان وشرذمتها نشير إلى ما جاء في مخطط المستشرق الصهيوني برنارد لويس الذي وضعه بتكليف من وزارة الدفاع الأميركية ونشر في فصلية "شؤون خارجية" (عدد خريف 1992) من ضرورة:

1- ضم إقليم بلوشستان في باكستان إلى مناطق البلوش في أفغانستان وإقامة دولة بلوشستان.
2- ضم الإقليم الشمالي الغربي من باكستان إلى مناطق البشتون في أفغانستان وإقامة دولة بشتونستان.

أما مخطط "حدود الدم" الذي وضعه المقدم السابق في الاستخبارات العسكرية الأميركية في ألمانيا رالف بيترز ونشر في مجلة القوات المسلحة الأميركية (عدد يونيو/ حزيران 6..2) فجاء فيه أن ما تخسره أفغانستان غرباً لصالح الدولة الفارسية، تكسب مقابله من جهة الشرق أراضيَ تقتطع من شمال غرب باكستان، حيث توجد قبائل من أصول أفغانية.

وهنا يقول بيترز متكلماً بصيغة الجمع "نحن لا نقوم برسم خرائط كما نريدها نحن، ولكن وفقاً لرغبات شعوب المنقطة"، ثم يعود ليطلق على باكستان الوصف ذاته الذي أطلقه على السعودية، بأنها دولة أخرى غير طبيعية، ولذلك سيقتطع منها قسم كبير لتنشأ عليه دولة بلوشستان حرة.

لا شك أن الحال الباكستانية في ظل التحالف مع الولايات المتحدة يعيد إنتاج القانون القائل إن إغضاب الاستعمار أقل كلفة من استرضائه.
__________________
كاتب سوري

المصدر : الجزيرة