محمد أبو رمان

- إستراتيجية تحطيم البنية التحتية
- الإستراتيجية الجديدة بين العائد والكلفة

شهدت الانتخابات البلدية الأردنية الأخيرة يومي الثلاثاء والأربعاء (31/7-1/8) توتراً غير مسبوق في العلاقة بين الحكم وجماعة "الإخوان" (وحزبها جبهة العمل الإسلامي).

نتج عن التوتر سحب الإخوان لمرشحيهم والإعلان عن تزوير الانتخابات، ثم مطالبة الأمين العام لجبهة العمل زكي بني ارشيد الملك بإلغاء نتائج الانتخابات.

لكن أبرز تجليات "الغضب الإخواني" تمثلت في مقالٍ ساخط خرج عن كافة أصول اللغة الإخوانية المعتادة في الأردن، ولم يقرأ مثله في أحلك حالات التوتر بين الجماعة والدولة.

"
لا تدع المؤسسة الرسمية مجالاً للشك لدى المراقب في أنها تصوغ المشهد السياسي الداخلي من خلال اعتبارات رئيسة في مقدمتها إعادة هيكلة الدور السياسي والاجتماعي لجماعة الإخوان وإضعاف بنيتها التحتية
"
المقال كان بعنوان "لماذا قاطعنا العرس الديمغوائي؟" ونشر على موقع جماعة الإخوان المسلمين الرسمي، ووُقِّع باسم "المحرر السياسي" لإضفاء الصفة الرسمية المقصودة عليه.

اللغة المعتمدة في الخطاب حادّة وقاسية، لكن أخطر ما فيها تجاوز نقد الحكومة والحكومات إلى المؤسسة الرسمية الأمنية بصورة واضحة ونارية، واتهامها علناً بإدارة المعركة ضد الإخوان في حين يبقى دور الحكومات هو أن تكون واجهات لا تملك من أمرها شيئا، وفقاً للمقال، الذي أثار جدلاً في أوساط النخبة السياسية.

المفارقة اللافتة بحق؛ أنّ المقال صدر عن موقع جماعة الإخوان لا عن موقع حزب الجبهة، في حين أنّ المؤسسة الرسمية الأردنية اعتمدت في الفترة الأخيرة تصنيف قيادة الجماعة بـ"الخط المعتدل" وقيادة الحزب بـ"الخط المتشدد" (لأن رئيس الحزب بني ارشيد تتهمه السلطات الأردنية بالعلاقة مع حماس).

فصدور المقال عن الجماعة له دلالة واضحة على أنّ الاحتقان والغليان داخل الجماعة أخذ يدفع التيار التصالحي الهادئ إلى لغة نارية وإلى حالة من التعبئة النفسية والسياسية والشعور بأنّ المستهدف ليس كما تدعي المؤسسة الرسمية هو "الخط المتشدد" بل الجماعة ومؤسساتها ودورها السياسي والاجتماعي.

ولعل التساؤل الرئيس الذي يفرضه "المقال الإخواني" هو هل قصدت المؤسسة الرسمية إيصال الإخوان إلى مقاطعة الانتخابات ودفعهم جميعاً (معتدلين ومتشددين، حسب التصنيف الرسمي) إلى هذه المرحلة من الضيق والاحتقان أم أنّ ذلك وقع بطريق الخطأ، وأنّ المؤسسة الرسمية لم تكن تدرك أنّها بهذه السياسة العدائية تخسر الخط المعتدل قبل المتشدد في الجماعة!.

هل ثمة مشكلة في تقدير "المطبخ السياسي" الأردني لعواقب سياسة الضغط والشد المتلاحق على الإخوان ودفعهم إلى خطاب غير مألوف، وتوتير الحياة السياسية بصورة عامة؟ ألم يدرك من تبنوا الإستراتيجيات الجديدة ضد الإخوان أنّ معركة الانتخابات البلدية ربما زادت شعبيتهم وجماهيريتهم وعززت من تعاطف المجتمع معهم، وربما شرائح سياسية وإعلامية لم تقبل بالتدخل السافر الواضح من المؤسسة الرسمية، مما أدى إلى تشويه المشهد السياسي الأردني داخلياً وخارجياً، ومسح أي مصداقية ولو جزئية للانتخابات البلدية، بل والتأثير مسبقاً على مصداقية وأهمية الانتخابات النيابية التي ستجرى أصلاً وفقاً لقانون انتخابي يتبنى مبدأ "الصوت الواحد" الذي أوجِد –في الأصل- لإضعاف وتحجيم الدور السياسي البرلماني للإخوان؟.

الإجابة على التساؤلات السابقة تقع في أحد احتمالين لا ثالث لهما؛ الأول أنّ المؤسسة الرسمية كانت تدرك تلك العواقب، وربما تستهين بها، وهذه كارثة حقيقية، والاحتمال الثاني أنّها لا تدرك ذلك، وهنا الكارثة أكبر! وفي كلتا الحالتين من الواضح أنّ ثمة خللاً كبيراً في إدارة "المطبخ السياسي" لأزمة العلاقة مع جماعة الإخوان.

إستراتيجية تحطيم البنية التحتية
لا تدع المؤسسة الرسمية مجالاً للشك لدى المراقب في أنها تصوغ المشهد السياسي الداخلي من خلال اعتبارات رئيسة في مقدمتها إعادة هيكلة الدور السياسي والاجتماعي لجماعة الإخوان وإضعاف بنيتهم التحتية.

ولم توفر المؤسسة الرسمية للمراقبين عناء التحليل السياسي، فقدمت من خلال بعض التسريبات والتلميحات رسائل واضحة للجماعة تفيد بأنها لن تسمح لها بالسيطرة على البلديات الرئيسة في المملكة (مقاعد في أمانة عمان الكبرى، بلديتا إربد والزرقاء)، وذلك على الرغم من المشاركة المتواضعة لجماعة الإخوان التي لم تتجاوز ثمانية عشر مرشحاً من أصل أكثر من تسعمائة مقعد بلدي!.

وهي مشاركة أراد الإخوان من خلالها بعث رسالة طمأنة إلى المؤسسة الرسمية بأنهم لا يسعون إلى المغالبة ولا إلى تغيير قواعد اللعبة جذرياً.

يعود التحول الكبير في العلاقة بين الحكم والإخوان، بحسب تصريح مسؤول رفيع المستوى، إلى منتصف الثمانينيات، عندما بدأ النظام يشعر بتجذر الجماعة وصعودها واحتلالها مساحات اجتماعية وخدمية كبيرة، مما يجعل منها رقماً صعباً في المدى القريب.

بدأ الحكم بتغيير خطابه تجاه الإخوان منذ تلك الفترة، إلا أنّ أحداث شغب معان 1989، وإرث العلاقة الوطيدة بين الملك الراحل حسين والقيادة التاريخية الإخوانية وعودة الحياة الديمقراطية كانت بمثابة عوامل أبقت ومددت حالة التعايش بين الطرفين، على الرغم من زوال الشروط التاريخية الموضوعية التي شكّلت روافع للتحالف أو الاحتواء.

"
التحول الأخطر مع بداية عهد الملك عبد الله كان بتحويل الإخوان من ملف سياسي إلى ملف أمني عهد إلى المؤسسة الأمنية بالإشراف عليه، فنجمت عن ذلك حالات ومراحل توتر واحتقان متعددة
"
وتمثل ذلك في اعتبار النظام القوى اليسارية والقومية (والمنظمات الفلسطينية العلمانية) بمثابة مصدر تهديد مشترك للحكم هو والجماعة على السواء، مما خلق حالة من تبادل المصالح والاحتواء، أدت إلى تقديم نموذج أردني فريد في التعايش بين النظام و"الإسلام السياسي".

في التسعينيات جرت مياه كثيرة قلبت الحسابات والتوازنات رأساً على عقب، ودفعت بالإخوان إلى قيادة المعارضة، وتدهورت الأمور إلى حد مقاطعة الإخوان الانتخابات النيابية عام 1997.

ثم كان التحول الأخطر مع بداية عهد الملك عبد الله بتحويل الإخوان من ملف سياسي إلى ملف أمني عهد إلى المؤسسة الأمنية بالإشراف عليه، فنجمت عن ذلك حالات ومراحل توتر واحتقان متعددة.

فوز حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية 2006 أدى إلى انتصار ساحق لحماس، مما أشعل مخاوف كبيرة داخل النظام، وحرك التيار المتشدد ليحسم إستراتيجية التعامل مع الإخوان، وإنهاء حقبة التوازنات والاحتواء "الإيجابي" وصولاً إلى تحقيق هدف إستراتيجي واحد وهو إعادة هيكلة الدور السياسي والاجتماعي للجماعة من خلال ضرب البنية التحتية وشبكة العمل الاجتماعي. وهذا لا يعني بالضرورة اللجوء إلى النموذج المصري بإلغاء الجماعة وسحب الشرعية القانونية منها، ولكنه مواجهة "غير رأسية" تسحب البساط من تحت أقدام الجماعة وتحدد لها بصورة متشددة مساحات النشاط.

شطر من هذه الإستراتيجية كان يطبق في السابق من خلال قانون "الصوت الواحد" الانتخابي، ومن خلال محاصرة النشاط "الإخواني" في الجامعات، باعتماد مبدأ التعيين في الاتحادات الطلابية ومد يد المؤسسة الأمنية في مسألة التعيينات الجامعية، للحيلولة دون وصول الإخوان لهيئات التدريس.

والشطر الآخر الأخطر المرتبط بالبنية التحتية بدأ تطبيقه بعد فوز حماس، ويتمثل في الاستيلاء على جمعية المركز الإسلامي (التي تشكل عصبا حيويا لنشاط الجماعة الاقتصادي/الاجتماعي) والبدء بالتضييق على جمعية "المحافظة على القرآن الكريم"، وسن قانونيْ "منع الإرهاب" و"الوعظ والإرشاد" وكلها تحاصر الخطاب الاجتماعي والسياسي للإخوان وتحول بينهم وبين المساجد، وأخيراً ملاحقة الإخوان في لجان الزكاة، وإعادة تشكيل اللجان باستبعاد كافة الإخوان المسلمين منها!.

إذن؛ هي حرب قاسية شديدة على البنية التحتية للإخوان المسلمين. وإذا كانت المؤسسة الرسمية لا تستبعد دعم "التيار المعتدل" والحوار معه، فإنها لا تريد البقاء تحت رحمة هذا الرهان ومتغيرات المعادلة السياسية، لأن الخشية الرسمية هي أنّ انسحاب الدولة من أي مجال من المجالات في سياق برنامج الإصلاح الاقتصادي يجعل الإخوان يحتلون هذه المساحة ويمددون ويجذرون قوتهم.

وهذا هو ما دفع بمسؤول كبير إلى تشبيه الوضع بـ"الحالة الخمينية"، أي إقامة دولة إخوانية داخل الدولة.

الإستراتيجية الجديدة بين العائد والكلفة
ثمة مبررات كثيرة لدى المؤسسة الرسمية للخوف من الإخوان، تبدأ من العلاقة بحماس، تلك العلاقة المقلقة في سياق حالة الاستقطاب الإقليمي والصراع بين ما يسمى "معسكر الاعتدال" و"معسكر التطرف"، يضاف إليها تشكيك رسمي في ولاء الجماعة للدولة، وتفضيلها المصلحة الوطنية على الاعتبارات الأيديولوجية.

وتتهم الجماعة إضافة إلى ذلك بحالة من الشيزوفرينيا أو "ازدواجية الخطاب"؛ أي الحديث الرسمي والعلني عن موالاة الحكم وتأييده بينما تتم تعبئة القواعد باتجاه مضاد، يقوم على اتهام الإخوان للحكم بالانخراط في المشروع الأميركي والتنكر لفضل الدولة عليهم مقارنة بالنماذج العربية الأخرى.

ويرى مسؤول كبير أنّ ردّ الدولة تأخر ضد الجماعة التي أنكرت الجميل ولم تُثمِّن الكرم الأردني معها!.

على أي حال، ودون التورط في جدال غير محسوم، له أوجه مختلفة في القراءة والتحليل، حول من المسؤول عن تدهور العلاقة بين الطرفين، فإنّ المهم هو محاولة الإمساك بجدوى السياسة الرسمية الجديدة ضد الإخوان وأبعادها وتداعياتها.

"
إذا كانت المؤسسة الرسمية تسعى إلى ضرب البنية التحتية للإخوان فعليها الانتباه إلى البنية التحتية للحكم المتمثلة في القاعدة الاجتماعية التي تنهار تحت مطارق التحولات الاقتصادية
"
ووفقاً للمؤسسة الرسمية فإنّ هذه الإستراتيجية كفيلة بإعادة هيكلة دور الإخوان الاجتماعي والسياسي وإنهاء حالة تمددهم وانتشارهم على حساب "غياب" الدولة ورقابتها ودورها، من خلال "تأميم الدين" في المجتمع والدولة و"منع توظيفه" من قبل الحركات الإسلامية.

لكن يبدو أنّ هذه الإستراتيجية نظرت فقط إلى العوائد دون الكلفة! ولا بد أن يلتقط "المطبخ السياسي" الأردني المؤشرات الأولية على خطورة الأمر من خلال مخرجات الانتخابات البلدية، إذ بدأت أولاً ملامح خطاب متشدد حاد تصبغ الجماعة بكافة تياراتها، مما عزّز من حجج التيار "المتشدد" وأضعف التيار "المعتدل"، ودفع إلى حالة من التعبئة الداخلية الشديدة.

وهذا يتناقض مع طرح المؤسسة الرسمية بتعزيز "المعتدلين"، أو بدفع الجماعة إلى الانشقاق إلى جماعتين، وبالتالي إضعافها، لأنه من الواضح أنّ النتيجة المباشرة تمثلت في رص الصف الداخلي والشعور بتهديد المصير والوجود.

اللافت أيضا هو أنّ الانتخابات البلدية لم تقف عند تعزيز الشرخ بين المؤسسة الرسمية والإخوان، بل بينها وبين شرائح اجتماعية وسياسية واسعة، إذ أن النخب الإصلاحية في الأوساط الإعلامية والسياسية والأكاديمية التي لا تتفق بالضرورة مع الخطاب الإخواني، أظهرت أيضا أنها لا تقبل بما حدث في الانتخابات البلدية ولا بتغول المنظور الأمني على المشهد السياسي وعلى حساب البرنامج الإصلاحي الذي ارتد إلى الوراء مسافات طويلة!.

ناهيك أنّ تدخل الدولة المباشر في الانتخابات لم يستفز الإخوان فقط، بل عشائر وشرائح اجتماعية واسعة، تضررت من دعم المؤسسة الرسمية لمرشحين آخرين، مما خلق أزمة كبيرة وأدّى إلى فوضى في مناطق متعددة، واعتداءات من مواطنين "غير مسيسين" على ممتلكات الدولة، وخلق قناعة واسعة بعجز المؤسسة الرسمية حتى في إدارة لعبة الانتخابات لصالحها!.

أخطر من كل ما سبق أنّ الاحتقان السياسي الجديد يضاف ويوضع في رصيد الاحتقان الاجتماعي الكبير على خلفية برنامج الإصلاح الاقتصادي وارتفاع معدل التضخم وازدياد الأزمة بين المركز والأطراف وتجذر الفجوة الطبقية، وعدم قدرة شرائح اجتماعية واسعة على ملاحقة التحولات الاقتصادية وتأمين متطلبات الحياة، وارتفاع نسبة الفقر والبطالة..الخ.

وكل هذه العوامل محفزة لتجذر وصعود التيار الراديكالي، متمثلاً بصورة واضحة في السلفية الجهادية التي تنتقد بدورها "الميوعة الإخوانية!" في التعامل مع النظام.

واللافت أنّ انتشار السلفية الجهادية يأتي في الأطراف والمدن العشائرية الأردنية، أي بكلمة أخرى: إذا كانت المؤسسة الرسمية تسعى إلى ضرب البنية التحتية للإخوان فعليها الانتباه إلى البنية التحتية للحكم المتمثلة في القاعدة الاجتماعية التي تنهار تحت مطارق "التحولات الاقتصادية"!.
__________________
كاتب أردني

المصدر : الجزيرة