توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية

لا يحق لنا أن ننصح أحدا بالاقتداء بنا وتبني تجربة "مجلس الأعيان"، ببساطة لأن التجربة غير ديمقراطية, ومساوئها تفوق كل ما يمكن أن يقال عن محاسنها.

فعند وضع دستورنا عام 1952 كانت نسبة الأمية في الأردن عالية، فجرى تسويق الأعيان على أنهم "مجلس خبرة" يردف مجلس النواب في الشأن التشريعي المتخصص دون أن تكون له صلاحيات محاسبة الحكومة.

ولكن ما يجري الآن هو فرض زعم الأمية على ناخبين تأهلوا، وبدرجات علمية عالية أحياناً، لضمان التحكم التعسفي المهين بأصواتهم في عمليات تزوير تهدف لإقصاء نواب مؤهلين لصالح غير المؤهلين بأي معيار.

"
التعريض بالأردنيين طال أمده ووصل إلى حد الشتائم أحياناً، وامتد ليطال موقف الملك الراحل من اجتياح الكويت الذي كان حينها في صالح التهدئة وحل النزاع عربيا والابتعاد عن التأزيم والتدويل الذي لمسنا نتائجه المدمرة على كامل المنطقة
"
وبالمقابل فإن سوية الأعيان تراجعت باطراد منذ إقرار ذلك الدستور، ومؤخراً لم تعد تراعى حتى المواصفات الدستورية للعين الضابطة المعيار "خبرته" تلك، بحيث أصبح وجود عدد من هؤلاء الأعيان "غير دستوري" ابتداء, إضافة إلى كونه غير مفيد, بل وكونه "معيقا للتشريع والتنمية.. إلخ، ومصدر حرج للدولة.

وفشل التجربة الأساسي ينبع من "عدم ديمقراطيتها"، ومن هنا فإن النواب الكويتيين والقوى الديمقراطية في الكويت لها كل الحق في مقاومة أية محاولة للترويج للفكرة عندهم.

والدليل على ذلك أنه حتى خبرة العين وتأهيله العالي للموقع لم يشكل ضمانة للتوظيف المحايد لتلك الخبرة، ومن أمثلة ذلك طلب تقديم الاستقالة من العين أحمد عبيدات (محامي ورئيس وزراء ومدير مخابرات سابق) لمجرد أنه عارض اتفاقية وادي عربة, وكان المعارض الوحيد.

أي أن مخالفة رأي واحد لم تحتمل، فكيف يجري زعم أن الأعيان هم "بيت خبرة" في حين أن المطلوب هو أن يقرؤوا على يد شيخ واحد؟

و"طلب الاستقالة" من السيد عبيدات بدلا من "عزله" المتاح دستوريا، لا تعتبره الأغلبية دلالة تقدير وحفظ ماء وجه، بل يعتبرونها مزيداً من الارتهان لإرادة العين بإملاء الاستقالة عليه.

وهذا ما تعززه حالة "العين" الدكتور عبد السلام المجالي, شقيق رئيس مجلس النواب الذي كان مسافراً وطلب منه أن يرسل استقالته, ليس من مجلس الأعيان, ولكن من عضوية المجلس العالي لمحاكمة الوزراء وتفسير الدستور.

وطلب الاستقالة المستعجل جاء ليتمكن المجلس العالي من تعيين عضو آخر مكان الدكتور عبد السلام ليتم إعلان تفسير دستوري يفيد سقوط عضوية النائبين الإسلاميين محمد أبو فارس وعلي أبو السكر نتيجة الحكم عليهما في محكمة أمن الدولة.

وهذا الحكم وتفسيره الدستوري أثارا انتقادات واسعة قانونية ودستورية مهنية بحتة (ما دام عبد الهادي يزعم أنه يتحدث عن مهنية في التشريع) من الجسم القانوني المعتبر في الأردن، وليست بالضرورة اصطفافاً مع موقف النائبين أو تبرئتهما من التهمة التي نسبت لهما.

أما الانتقاد السياسي لما جرى فهو الاستعجال المفضوح، لأن الدكتور المجالي كان سيوافق حتماً على هذا القرار وعلى أي قرار.

لكل هذا فقد ضمنّا "مبادرة القوى الوطنية للإصلاح" التي أطلقناها في بداية عام 1999 بنداً بوجوب تقليل عدد أعضاء مجلس الأعيان كثيرا عن نصف عدد النواب (الحد الأعلى حسب الدستور) واقتصاره على نخبة من أصحاب الخبرة "فعلا", بانتظار إقرار تعديلات دستورية تلغي الأعيان.

ولهذا كله فإننا نفهم ونتعاطف, بل ونتكاتف, مع أشقائنا في الكويت في رفضهم لهذه النصيحة وللتدخل في شأنهم الديمقراطي الذي نسلم لهم بأنهم متقدمون فيه على العالم العربي.

ونقدر لهم تعاطفهم مع الشعب الأردني في إدانته للفاسدين الذين أثروا على حسابه، ولكننا نرفض بالمقابل التعريض بمواقف الشعب الأردني من القضايا القومية، ونرفض أية منة بأية معونات يعرف النواب الكويتيون أين تذهب.

هذا التعريض بالأردنيين الذي طال أمده والذي وصل إلى حد الشتائم أحياناً، وامتد ليطال موقف الملك الراحل من اجتياح الكويت والذي هو -بغض النظر عن مدى توافقنا مع سياسات أخرى للملك الراحل- كان حينها في صالح التهدئة وحل النزاع عربيا والابتعاد عن التأزيم والتدويل الذي لمسنا نتائجه المدمرة على كامل المنطقة.

والحقيقة وبعدها الإنساني تفرض علينا أن نتفهم أيضاً حساسية بعض الإخوة الكويتيين، ولكن هذا لا يرتب على الأردنيين أي اعتذار عن مشاعر أخرى وطنية وقومية وإنسانية, ولا عن مواقف مبدئية قد توضع فيها المشاعر الخاصة جانباً.

أما طلب المعونات، فإنني أكرر ما سبق أن قلته عند طلب حكومتنا لمعونة نفطية من السعودية والحديث عن اشتراطات جرت على حرية الصحافة الأردنية (وهذا يؤكد تعاطفي الآن مع الكويتيين بشأن التدخل في ديمقراطيتهم وحرياتهم)، وهو أن الأردنيين لا يحسدون الإخوة السعوديين على نفطهم ولا مطامع لنا فيه (كما بدا من مقالات بعض كتاب الحكومة)، وأن ما يلزمنا ليس منحاً ومعونات، بل هو معرفة أين تذهب تلك المنح والمعونات, ومن قبلها مقدرات الأردن الذاتية.

أما من يزعمون تمثيل الشعب ويجرون عليه الغضب وحتى الشتائم، فهذا ردنا على زعمهم. ونبدأ "بنصيحة" للسيد عبد الهادي المجالي بأن لا يتحدث للصحافة قبل أن يعرف معنى كلمة "يعني" على أقل تقدير.

ففي حديثه مع وفد الصحافة الكويتية، ظل المجالي يردد كلمة "يعني" حيث هي "لا تعني" شيئا، ما بين كل بضع كلمات ووسط وما بين الجمل غير المفيدة، بشكل كان سيدعونا للحرج. لو أن السيد عبد الهادي يمثل الأردنيين أو أي قطاع منهم حقيقة.

"
فخلاصة ما يفهم من برنامج المجالي الانتخابي أو سياساته, هو عداء سافر للديمقراطية يكفي للدلالة على استحالة أن يكون الرجل نائبا منتخبا من الأردنيين الذين يتمتعون بسوية تعليم ووعي عالية, وحتماً ليس من أهل الجنوب الذين قادوا انتفاضة أبريل/نيسان 1989 
"
ولكن هذه وحدها كافية لإثبات أن السيد عبد الهادي يفتقد مقومات المرشح المقنع ببلاغته أو حضوره. أما "برنامجه" الانتخابي أو "سياساته" فخلاصة ما يفهم من كلامه المتقطع هو عداء سافر للديمقراطية يكفي للدلالة على استحالة أن يكون الرجل نائباً منتخباً من الأردنيين الذين يتمتعون بسوية تعليم ووعي عالية, وحتماً ليس من أهل الجنوب الذين قادوا انتفاضة أبريل/نيسان عام 1989, وهي الانتفاضة التي بالغ السيد (هو يصر على لقب "الباشا" العسكري الممنوع تداوله بقانون) عبد الهادي الذي كان مديراً للأمن العام في قمعها ولكنه فشل, في حين رفض الجيش التدخل آنذاك.

وحين نزل الجيش للجنوب لاحقاً استقبله الشعب بالزهور وعملوا له الشاي، وكان أطفال الجنوب يلعبون آمنين على متن الدبابات في رعاية العسكر.

هذا هو الأردن وهؤلاء هم الأردنيون، مدنيون وعساكر. فكيف تسنى لعبد الهادي المجالي أن يزعم أنه نائب أردني منتخب؟

الإجابة تبدأ من كون اثنتين من الانتخابات النيابية الأربعة التي جرت بعد تلك الانتفاضة أشرفت عليها حكومة الدكتور عبد السلام المجالي, شقيق عبد الهادي، وأن عبد الهادي ترشح وزعم أنه فاز في كليهما.

وقد يقال إن في هذا سوء ظن منا كمعارضة، لولا أن الإجابة الأدق متوفرة في "اعترافات" نذير رشيد، وزير داخلية حكومة المجالي الثانية، بالتزوير الكاسح عام 1997 ضد معارضين بعينهم ولصالح مرشحي الدولة, التي هي بالنسبة للوزير أحاديث "مباهاة" كان يرددها في كل مجلس.

ووصل الأمر بالوزير، "العين" قبل وبعد توليه تلك الوزارة، أن يباهي أمام الضيوف الرسميين والوفود الزائرة، وتفاصيل واحد من "تلك الاجتماعات الرسمية" مع وفد عربي رسمي زائر, كتب عنها السفير الأردني السابق السيد فؤاد البطاينة في كتابه "المشهد الأردني"  (ص 144- 145) والكتاب يوزع في الأردن منذ صدوره عام 2005, ولم يعترض أحد على ما جاء فيه.

ويورد الكاتب كيف "شطح" الوزير في حديثه, "وبنوع من الفخر والمهنية العالية" (شيء يذكر بنصائح عبد الهادي للمسؤولين الكويتيين) في سرد حيثيات التزوير مما جعل السفير "يتصبب عرقاً من الخجل", بالذات لكونه, كسفير للأردن، كان قد زار الوزير الضيف عقب تلك الانتخابات وحدثه عن "نزاهتها".

أما الدورة النيابية الثالثة التي زعم أن عبد الهادي فاز فيها أيضا, فقد جرت بإشراف حكومة بلغ إيمانها بالديمقراطية حد قيام رئيسها بحل مجلس النواب بعذر أنه "عائق في وجه التشريع" ولتحاشي هذا "العائق" قررت تلك الحكومة تعطيل الانتخابات النيابية لما يقارب عامين، ليتسنى لها تمرير ما يقارب 240 قانوناً مؤقتاً من بينها قانون انتخاب "غير دستوري" في فحواه وليس فقط في طريقة إقراره كقانون مؤقت (مرافعة أربعة من كبار المحامين الأردنيين أمام محكمة العدل العليا، ورسالة قانونية مطولة رفعها قبل ذلك نقيب المحامين الأستاذ صالح العرموطي لجلالة الملك بذات الشأن, كمثالين).

هذا عن الجانب القانوني لتلك الانتخابات, ولكن ما جرى خارج القانون تؤشر عليه التغطية الصحفية "الموثقة" التي كرست تسمية انتخابات أو نواب "الكوي" لوصف تلك الدورة، لضخامة ممارسات "كي" بطاقات الانتخاب المضغوطة لإعادة الانتخاب بها.

هذا المجلس هو الذي أمكن لعبد الهادي المجالي أن يترأسه، وأدى المجلس دوره المأمول بحيث أقر للحكومة التي أتت به جزءاً من تلك القوانين المؤقتة (المقيدة للحريات والحامية للفساد، كما أوضحنا في مقالات سابقة)، بينما ترك غالبيتها فاعلة دونما حتى النظر فيها، رغم نص الدستور على وجوب عرضها عليه في "أول جلسة" يعقدها.

وهذا يجعلنا نتوقف عند مهمة "التشريع" التي يقول السيد المجالي إنه يخشى أن تتضرر من الديمقراطية والمحاسبية، ولكن الطريف أن هذا المجلس الذي ترك القوانين المؤقتة سادرة، لم يحاسب بالمقابل أي مسؤول حتى عندما تفجرت فضائح فساد كبرى.

بل وزاد على ذلك بأن تنازل (في سابقة تخرق ما لم يخرق من الدستور) للحكومة عن صلاحياته في محاسبة الحكومة.

وهذا الأمر يفسر استهجان رئيس ذلك المجلس لنهج المحاسبة الذي يتبعه مجلس النواب الكويتي.

وقوله إن "العمل الذي يقوم به تجاوز أكثر. لما الشي يزيد عن حده ممكن" - حذفنا أربع كلمات "يعني" للوصول بالجملتين لهذه الصيغة المفهومة، ونكمل مقولة السيد المجالي بحذف تسع "يعني" أخرى وعدة أشباه جمل غير مفيدة، لنصل إلى خلاصة فكرته وهي "ستنشأ.. انتكاسة في العمل الديمقراطي".

أما كيف تنشأ عمليا انتكاسة للعمل الديمقراطي نتيجة كون "الديمقراطية ذات سقف عال" فشرحها نجده عند ذات وزير الداخلية في حكومة شقيق رئيس المجلس السيد نذير رشيد (وهو مدير مخابرات سابق في الفترة العرفية).

"
المستهدف لم يعد المقاعد النيابية وحدها, بل هو مقعد رئاسة الحكومة، ودونما انتظار تكليف الملك الذي لا يمكن التنبؤ به بهذه الدرجة من الحسم
"
ففي أواخر عهد المجلس الثاني عشر –المجلس الذي انتخب عام 1989 بعد الانتفاضة– ضاق السيد رشيد وجماعته بالارتفاع "النسبي" لسقف الديمقراطية فيه، فكتب مقالة يهدد فيها بإمكانية فرض الأحكام العرفية ثانية عنوانها "الأحكام العرفية لم تأت من فراغ " وقد تصديت للرد عليه حينها لأقول له: إن عيب هذه الديمقراطية هو ربما أنها قبلت طي الصفحة والمصالحة مع رجال الفترة العرفية بدل محاسبتهم على ما اقترفوه. فسكت الرجل، مؤقتا، ولكن إسكات "العرفيين الجدد" يلزمه عقلاء في الحكم هذه المرة.

فالمستهدف لم يعد المقاعد النيابية وحدها, بل هو مقعد رئاسة الحكومة، ودونما انتظار تكليف الملك الذي لا يمكن التنبؤ به بهذه الدرجة من الحسم، أي أنه استهداف "للسلطة التنفيذية"، وبمعنى أدق "للحكم" الذي يبدو واضحاً أن هؤلاء لا يؤمنون "بتداوله" بالانتخاب.

وهم هنا يحتاطون من "الشعب" أكثر وكأنهم يشعرون أن الطريق إلى فوق سالك وأن المقاومة قد تظهر في القاعدة الشعبية فقط. ولهذا يريدون تمهيد الطرق السفلية بمصادرة الديمقراطية و"تزبيط" مجلس نواب لا يترشح له من يظن أنه بات رئيس الحكومة الأحق بالمنصب.

ولكن "الرئيس" يعمل على تسهيل مهمة الثقة النيابية بترشيح وإيصال "زلمه" وهذه بداية توظيف جديد للتعبير الذي كان يعني من قبل التبعية للدولة وليس لشخوص متنفذين.

وكان تعبير "زلم الدولة" يستعمل عند الإشارة لاستقوائها على الشعب، بينما تصبح التسمية "رجال الدولة" عندما تكون الإشارة لهم بإيجابية أكثر.

والآن نجد الشارع يتناقل أن عبد الهادي المجالي هو رئيس الحكومة القادمة بعد الانتخابات، بل ويجري تناقل أسماء الموعودين بمناصب وزارية وغيرها. والمصدر إن تقصيناه, نجده يعود لعبد الهادي و"زلمه".

و"الزلم" يجري استقطابهم ليس فقط من الصغار الجدد على الساحة، بل من القديمين الذين وصلوا إلى منصب ما، بالتعيين أو بالانتخاب، ولكنهم فقدوه "بجدارة" بحيث فقدوا أمل العودة إليه.

ورغم افتقاد هؤلاء للقواعد وللدعم "من فوق"، فإن مناصبهم القديمة -مثل ارتداء العسكريين المتقاعدين لملابسهم العسكرية- فيه استحضار لمظهر قوة واستحقاق, يبرر ما ينوي هؤلاء الوصول إليه بلا استحقاق.

والتجربة تتكرر للمرة الثانية. المرة الأولى كانت عام 1997 عندما استعد حزب "حاكم" مفبرك في آخر لحظة، ولكن الملك الراحل اقتنع بخطورة ما يجري فسحب البساط من تحت هؤلاء وسقطت مزاعم امتلاك الأغلبية، بل ولزم تزوير حكومي مكشوف لإيصال قلة قليلة من هؤلاء بشكل فردي.

والآن تتكرر التجربة بشكل استنساخي يدل على سذاجة من جهة، وعلى استخفاف بالمؤسسات الدستورية الأردنية صاحبة القرار الشعبي والرسمي في شأن كهذا، وصل حد شن دعاية انتخابية "لحكومة"، وليس لمجلس نواب عبر النهر وعند غير أصحاب الشأن الرسمي والشعبي الأردني، وهو ما تناولناه في مقالة لنا حينها.

وهذا كله يقودنا من مجلس النواب إلى الحكومة التي آن لها أن تدرك أن مشكلتها ليست مع ديمقراطية الكويت ولا تتعلق بحفنة دراهم معونات يتم التذلل لأجلها. مشكلتها داخلية وتتمثل في تفاقم مصادرة المواقع الشعبية المنتخبة، من مجالس نيابية ونواب, بحيث طمع البعض في مصادرة أشياء أخرى تهم الحكومة أكثر. على الأقٌل كي تبقى في موقع يؤهلها لطلب معونات باسمنا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك