أحمد سعيد نوفل

- بلد واحد
- القطيعة والصدام
- مدريد وفكرة الكونفدرالية

 

تثار العلاقات الأردنية الفلسطينية كلما دخلت القضية الفلسطينية في أزمة وأعيد الحديث من جديد عن تلك العلاقة، كما وقع بعد نجاح حركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية وزيادة حدة الخلافات بينها وبين حركة فتح.

وارتبطت تلك العلاقة بمستقبل الضفة الغربية بعد سيطرة حماس على قطاع غزة، وأثيرت الكنفدرالية كأحد الحلول لمستقبل تلك العلاقة على الرغم من عدم اتفاق الجميع حولها.

ومن استعراض للعلاقات الأردنية الفلسطينية، نجد أن هذا المصطلح قد ظهر لأول مرة منذ اتفاقية سايكس بيكو عام 1916 التي جزأت المشرق العربي ونتج عنها ظهور كيانات سياسية بدلا من دولة الوحدة العربية. وظهر الكيان السياسي الأردني شرق نهر الأردن، والكيان السياسي الفلسطيني غربي النهر. علما أنهما كانا كيانا واحدا عند صدور وعد بلفور البريطاني عام 1917.

"
بدلا من وقوف الكيانين الأردني والفلسطيني ضد الكيان الصهيوني المحتل الجديد لفلسطين فقد اصطدما مع بعضهما البعض، وخشي كل طرف أن تكون قوة الطرف الثاني إضعافا له، وأدى ذلك إلى صدامهما المسلح عام 1970
"
بلد واحد
وساهمت بريطانيا في تجزئتهما عن طريق إقامة الكيان السياسي الأردني المستقل بعيدا عن الكيان الفلسطيني الذي أرادت إقامة الدولة اليهودية عليه، مما أثار غضب الحركة الصهيونية التي أرادت أن يشمل وعد بلفور شرق الأردن كما شمل فلسطين.

وكانت علاقات شمال فلسطين مع شمال الأردن حتى نهاية الحرب العالمية الأولى والجنوب الفلسطيني مع الجنوب الأردني، أقوى من علاقات شمال الأردن مع جنوبه وشمال فلسطين مع جنوبه.

ويبدو أن بريطانيا أرادت من تلك التجزئة في ذلك الوقت، أن تكون إمارة شرق الأردن منطقة عازلة (buffer state) بين المحيط العربي والدولة اليهودية.

غير أن الحركة الصهيونية لم تعترف بما أقدمت عليه بريطانيا، واعتبرت أن الأردن يدخل من ضمن مخططاتها. وخلال اجتماع مؤتمر سيفر السري يوم 22/10/1956 للتحضير للعدوان الثلاثي على مصر، قدم بن غوريون لبريطانيا وفرنسا خطته التي تضمنت إلى جانب احتلال قطاع غزة وسيناء والإطاحة بنظام عبد الناصر، تفكيك لبنان وضم الجنوب اللبناني حتى نهر الليطاني إلى إسرائيل وإنشاء دولة مسيحية في مناطق أخرى في لبنان وتقسيم الأردن.

واعترف موشي دايان في سيرته الذاتية بما جاء على لسان بن غوريون في مؤتمر سيفر، وقال إن رئيس الوزراء الإسرائيلي كانت وجهة نظره "بأنه لا حق للأردن في الوجود ويجب تقسيمه بضم شرق الأردن إلى العراق الذي عليه الالتزام والموافقة على استيعاب اللاجئين الفلسطينيين وتوطينهم في أراضيه، وضم ما تبقى من الأردن غرب النهر إلى إسرائيل".

وما زال يوجد تيار إسرائيلي متطرف يرفض الاعتراف بإخراج الأردن من الإستراتيجية الصهيونية في المنطقة، على الرغم من التوقيع على اتفاقية وادي عربة بين الأردن وإسرائيل التي اعترفت الأخيرة فيها بحدود الأردن الجغرافية.

وعادت العلاقات الأردنية الفلسطينية التي توقفت رسميا منذ انفصال الكيانين الذي فرضته بريطانيا إلى الظهور من جديد بعد قيام الكيان الصهيوني على أكثر من نصف الأراضي الفلسطينية عام 1948، حين ضم ما تبقى من فلسطين في الضفة الغربية إلى الأردن عام 1950 بما يعرف بوحدة الضفتين.

وأصبح الأردن يضم ضفتي نهر الأردن في دولة واحدة هي المملكة الأردنية الهاشمية، وذابت الهوية الوطنية الفلسطينية في الهوية الأردنية بعد أن بات الأردن يتحدث باسم القضية الفلسطينية طيلة سنوات الخمسينيات حتى قيام منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964.

لكن تلك الفترة شهدت اندفاع الشارع السياسي الأردني والفلسطيني باتجاه المد القومي العربي الموحد، واعتبرت وحدة الضفتين بمثابة خطوة أمام وحدة عربية أشمل وأوسع ستساهم في تحرير الجزء المحتل من فلسطين.

"
الفلسطينيون عندما قامت وحدة الضفتين ناموا فلسطينيين واستيقظوا في اليوم التالي وهم أردنيون، إلا أنهم ناموا أردنيين عشية فك الارتباط واستيقظوا في اليوم التالي ليجدوا أنفسهم فلسطينيين
"
القطيعة والصدام
وظهرت الهوية الوطنية الفلسطينية من جديد على أثر إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية، واحتلال إسرائيل -بعد سنوات- كامل الوطن الفلسطيني عام 1967 بما فيه الضفة الغربية التي كانت جزءا من الأردن.

وأصر رئيس منظمة التحرير أحمد الشقيري، عند ولادة المنظمة، على أن وجودها لا يهدف إلى "سلخ الضفة الغربية عن الأردن بل إلى تحرير فلسطين".

غير أنه بدلا من وقوف الكيانين الأردني والفلسطيني ضد الكيان الصهيوني المحتل الجديد لفلسطين فقد اصطدما مع بعضهما البعض، وخشي كل طرف من أن تكون قوة الطرف الثاني إضعافا له، وأدى ذلك إلى صدامهما المسلح عام 1970.

وقيل إن من أسباب ما حدث من اقتتال في ذلك الوقت، أحقية تمثيل الفلسطينيين والقضية الفلسطينية.

ولم يضعف منظمة التحرير خروجها الرسمي من الأردن بل على العكس ساهمت حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 في زيادة الاعتراف العربي والدولي بها، إذ وافق مؤتمر القمة العربي الذي عقد بعد عام على الحرب، بوحدانية وشرعية تمثيل المنظمة للشعب الفلسطيني مما دفع الأردن لأن يوافق على هذا القرار بعد ضغوط مورست عليه من قبل مصر والمغرب.

وبذلك تراجع الأردن عن تمثيل القضية الفلسطينية لأول مرة منذ عام 1950، ودخلت العلاقات الأردنية الفلسطينية منذ ذلك الوقت مرحلة جديدة عن طريق اعتراف أردني بالمنظمة كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني ولكن خارج الدولة الأردنية.

وطالبت المنظمة بأحقية تمثيلها للفلسطينيين في فلسطين والشتات بمن فيهم الفلسطينيون داخل الأردن، إلا أن هذه المعادلة الصعبة أدخلت العلاقة بين الطرفين مرحلة الشك وعدم الثقة التي هيمنت على تلك العلاقة سنوات طويلة.

وجاء قرار فك الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية الذي اتخذه الأردن يوم 29/7/1988 لكي يخفف من حدة الاحتقان في العلاقات الأردنية الفلسطينية، في ضوء اندلاع الانتفاضة الفلسطينية وارتفاع الأصوات في الجانب الفلسطيني المطالبة بإقامة كيان فلسطيني مستقل عن الأردن.

لكن قرار فك الارتباط واجه وما يزال ردود فعل متناقضة على الصعيدين الأردني والفلسطيني، ومع أن منظمة التحرير رحبت به وإن كانت قد فوجئت بإعلانه، فإن البعض انتقده لأنه لم يأخذ الإجراءات الدستورية عند صدوره بعكس ما كان عليه الحال عند وحدة الضفتين وموافقة مجلس النواب الأردني على تلك الوحدة.

وقيل إن الفلسطينيين عندما قامت وحدة الضفتين ناموا فلسطينيين واستيقظوا في اليوم التالي وهم أردنيون، إلا أنهم ناموا أردنيين عشية فك الارتباط واستيقظوا في اليوم التالي ليجدوا أنفسهم فلسطينيين.

وكان من المتوقع أن يزيل فك الارتباط الحساسيات في المواقف الرسمية في تمثيل الشعب الفلسطيني والفلسطينية، ولكن عدم نص قرار فك الارتباط على الجانب السياسي وتركيزه على الجانبين القانوني والإداري أبقى على عدم الثقة بينهما.

ويبدو أن الهدف من ذلك هو ترك الباب مفتوحا في المستقبل مع احتمال عودة الضفة الغربية بصيغ جديدة إلى الأردن، وردت منظمة التحرير على قرار فك الارتباط بإعلان المجلس الوطني الفلسطيني التاسع عشر بالجزائر في نفس العام عن قيام الدولة الفلسطينية. وساهم الإعلان الفلسطيني في ترسيخ الكيانية الفلسطينية بعد اعتراف أكثر من مائة دولة بالدولة الفلسطينية.

مدريد وفكرة الكونفدرالية

"
الوحدة هي الخيار الوحيد لضمان مستقبل أفضل للعلاقة الأردنية الفلسطينية لأنهما في الأساس كانا كيانا واحدا ولا بد أن يعودا إلى ذلك للرد على الخطر الصهيوني على الأردن ومستقبله بعد أن هدد هذا الخطر حاضر فلسطين وماضيها
"
ولم يستمر الحال على ما هو عليه في شرعية التمثيل الفلسطيني طويلا بعد فك الارتباط، إذ سرعان ما دعت الولايات المتحدة إلى انعقاد مؤتمر دولي بالعاصمة الإسبانية نهاية عام 1991، لمناقشة القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي.

وبسبب إصرار الحكومة الإسرائيلية في ذلك الوقت برئاسة إسحق شامير على عدم إشراك منظمة التحرير بوفد مستقل في المؤتمر، تراجع تمثيل المنظمة للفلسطينيين وأعيد الدور للأردن من جديد لكي يترأس الوفد الأردني الفلسطيني المشترك. واعتبرت موافقة المنظمة على المشاركة بوفد مشترك مع الأردن تراجعا فلسطينيا عن شرعية تمثيل الفلسطينيين، علما أن المنظمة سعت إليه منذ سنوات طويلة.

وإذا كان قرار فك الارتباط قد أعطى المنظمة شرعية قوية لتمثيل الفلسطينيين فإن الدعوة الأميركية قد خلطت الأمور وأعادتها إلى المربع الأول، ومنحت الأردن هذا الحق خاصة أن الدعوة التي وجهت للفلسطينيين لحضور مؤتمر مدريد اشترطت عدم مشاركة قياديين بمنظمة التحرير الفلسطينية واقتصار التمثيل الفلسطيني على سكان الضفة الغربية وقطاع غزة.

وزادت المخاوف والشكوك الفلسطينية من احتمال عودة السيطرة الأردنية على شؤون الضفة الغربية، خاصة بعد أن طلب الأردن على هامش انعقاد اجتماعات واشنطن التي تلت مؤتمر مدريد من الجانب الإسرائيلي تحديد فهمه لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 242.

واعتبرت المنظمة الموقف الأردني بمثابة إحياء للسيادة الأردنية على الضفة الغربية، وسارعت بإجراء مفاوضات سرية في أوسلو مع الإسرائيليين واتفقت معهم على الاعتراف المتبادل لكي تحافظ على وحدانية تمثيلها للشعب الفلسطيني.

وفي المقابل خشي الأردن أن يكون اتفاق أوسلو على حساب مصلحته، مما جعله يوقع في اليوم التالي على إعلان المبادئ مع إسرائيل التي مهدت الطريق لتوقيع معاهدة السلام في وادي عربة معها.

ويلاحظ وجود أزمة ثقة في العلاقات الأردنية الفلسطينية، مبنية على الشكوك في موقفي الطرفين التي تعتبر السمة الرئيسية التي طغت على واقع تلك العلاقات.

وأمام هذه الأجواء وبسبب ما يعتري العلاقات من اختلاف في المواقف، تثار قضية بين الحين والآخر عن مستقبل العلاقات الأردنية الفلسطينية. ويأتي الرد الجاهز بطبيعة الحال أنه لا بد من إيجاد مخرج جديد تراعى فيه مخاوف كل طرف تجاه الطرف الآخر، وأن حل الكونفدرالية هو الأمثل لتلك العلاقة وخصوصيتها.

ومع أنه لم يصدر بشكل رسمي عن أي من المسؤولين في الجانبين دعوة لقيام اتحاد كونفدرالي، فإن هناك بعض التلميحات إلى هذا الحل بشرط قيام دولة فلسطينية مستقلة ولو ليوم واحد تطلب الوحدة الكونفدرالية مع الدولة الأردنية على أساس أن الاتحاد الكونفدرالي يكون عادة بين دولتين مستقلتين.

ومن أجل المصلحة الوطنية الأردنية والفلسطينية لا بد من أن تكون العلاقة بينهما قائمة على الوحدة، وهي الخيار الوحيد لضمان مستقبل أفضل للعلاقة الأردنية الفلسطينية لأنهما في الأساس كانا كيانا واحدا ولا بد أن يعودا إلى ذلك للرد على الخطر الصهيوني على الأردن ومستقبله بعد أن هدد هذا الخطر حاضر فلسطين وماضيها.
__________________
كاتب أردني

المصدر : الجزيرة