عاطف عبد الحميد

- من برلين إلى بشكيك
- عقبات وهواجس
- القسمة العادلة

"المشكلة أن الرئيس بوتين صار يعطي أذنه كثيرا لجنرالات الحرب" صحيفة كومرسانت الروسية.

يبدو أن المناورات العسكرية المشتركة بين روسيا والصين التي رافقت اجتماع قمة منظمة شنغهاي في أغسطس/آب 2007 قد زادت من آمال عودة التوازن الدولي وتشكيل نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب.

لقد استمدت هذه الآمال قوتها من عدة مؤشرات أهمها تزايد التسلح الروسي نتيجة الوفرة الهائلة في عائدات النفط، والتنسيق العسكري الروسي الصيني، وإعادة موسكو طلعاتها الجوية الإستراتيجية بأسلحة نووية قادرة على محو العواصم الأوروبية من الوجود.

ثم دخل المشرق العربي على الخط حين وقعت موسكو ودمشق مؤخرا على اتفاق تتم بموجبه عودة الأسطول الروسي إلى مينائي طرطوس واللاذقية في نقلة نوعية ستخرج الأسطول الروسي من عنق الزجاجة الضيق في البحر الأسود إلى مياه البحر المتوسط الأكثر رحابة والأوسع تدريبا.

لم يعد مدهشا إذن أن تطلق الصحف الغربية حملات دعائية تحمل عناوين "موسكو تعيد الحرب الباردة" و"القيصر بوتين يشعل العالم" و"موسكو وبكين تستعرضان عضلاتهما العسكرية".. إلخ.

وإلى جانب استعراض العضلات العسكرية لم تمرر بعض الصحف الغربية الصور التي نشرتها وسائل الإعلام الروسية للرئيس بوتين وهو عاري الصدر في عطلته الصيفية واعتبرتها استعراضا شخصيا للفتوة على طراز أباطرة الروم.

وكما كان متوقعا ردت وسائل الإعلام الروسية بأن بوتين ما زال "شابا وقويا" في تصريح بأن موسكو "متيقظة"، وفي تلميح بأن بوتين قد لا يسلم البلاد لرئيس آخر، وقد يعدل الدستور ليستمر فترة (أو فترات) مقبلة حتى يحقق مشروع استعادة روسيا قوتها الدولية.

تدفعنا هذه المؤشرات إلى التساؤل: هل تنجح منظمة شنغهاي في تغيير أحادية الهيمنة الأميركية؟ وهل حقا للشعوب الإسلامية مصلحة في ذلك؟

"
منظمة شنغهاي بين قوتين متنافرتين في الأهداف، إذ تريد الصين استغلال المنظمة كأبواب "شرعية" لمزيد من الغزو التجاري والوصول إلى التنقيب عن النفط وتأمين حاجتها الشرهة من الطاقة، بينما تريد روسيا تجمعا عسكريا آسيويا يحقق قدرا من التماسك أمام الاختراق الأميركي الذي بدأ مبكرا في جورجيا وأذربيجان
"
من برلين إلى بشكيك
منذ نواة تشكلها في عام 1996 قدمت شنغهاي نفسها للعالم كتكتل إقليمي يهدف إلى رفاهية شعوب آسيا الشمالية والوسطى، حتى أن واحدا من الأهداف المبكرة للمنظمة كان إحياء طريق الحرير التاريخي.

لكن الحقيقة هي أن المنظمة ولدت لأهداف أمنية وعسكرية، ففي النصف الثاني من التسعينيات توجهت المنظمة إلى تخفيض القوات المسلحة على الحدود البينية للدول الأعضاء، وفي نهاية التسعينيات تبلورت الأهداف الأمنية كرد فعل على صعود الحركات الإسلامية المسلحة في آسيا الوسطى خلال عامي 1999 و2000.

المناورات العسكرية التي جرت مؤخرا في الأورال الروسية بين موسكو وبكين ضمن فعاليات الاجتماع السنوي لقادة المنظمة لم تفعل أكثر من تأكيد الصبغة العسكرية لتحالف شنغهاي.

لكن لابد من الإقرار بأن التوجه الأمني لم يأت اختياريا في كافة المراحل، لأن الولايات المتحدة وحلف الناتو دفعا دول المنظمة إلى مزيد من التوجه الأمني بعد احتلال كل من أفغانستان والعراق.

ولقد وقعت منظمة شنغهاي بين قوتي جذب متنافرتين في الأهداف ومتوازيتين في النتائج، إذ إن الصين كانت تستهدف استغلال المنظمة كأبواب "شرعية" لمزيد من الغزو التجاري والوصول إلى التنقيب عن النفط وتأمين حاجتها الشرهة من الطاقة، أما روسيا فكانت تستهدف استغلال المنظمة لتحقيق تجمع عسكري آسيوي يحقق قدرا من التماسك أمام الاختراق الأميركي الذي بدأ مبكرا في جورجيا وأذربيجان، وتحول إلى كابوس بزرع قواعد عسكرية في أوزبكستان وقرغيزستان.

لكن الناتو والولايات المتحدة قربا الصين من الهدف الروسي، فمع زيادة التهديدات الإقليمية بتوسيع الناتو شرقا في دول البلطيق والإعلان عن إقامة الدرع الصاروخي في شرق أوروبا باتت موسكو وبكين تتحدثان لغة مشتركة.

أما الطرف السلبي في معادلة التوازن بمنظمة شنغهاي فتمثل في دول آسيا الوسطى التي تأرجحت بين التحالف مع الناتو والولايات المتحدة أو مع موسكو وبكين.

وكان لتمويل الولايات المتحدة عددا من الثورات التي أطاحت بالنظم الديكتاتورية في آسيا الوسطى والقوقاز وشرق أوروبا -فيما عرف بالثورات الملونة- أثره في تسليم هذه الدول نفسها للعملاقين الروسي والصيني، خاصة حين وجدت هذه الدول نفسها عاجزة عن إطفاء النيران التي اشتعلت داخل البيت (النزعات الانفصالية، صعود الحركات الإسلامية المسلحة، المعارضة الساخطة والمدعومة من الغرب).

لم تمتلك حكومات آسيا الوسطى -التي تشبه الأنظمة العربية النفطية- إرادة شق طريق مستقل نحو المستقبل، فوقعت في أخطاء مركبة، من بينها ما نقل دولة مثل قرغيزستان إلى نموذج ألمانيا الشرقية وقت الحرب الباردة.

فهنا تؤجر قرغيزستان قطعة من أراضيها لواشنطن مقابل 150 مليون دولار سنويا وعلى مقربة من هذه القاعدة تنتشر القوات العسكرية الروسية.

هكذا بدت العاصمة القرغيزية بشكيك بالموقع الجغرافي لا بالأيديولوجيا وكأنها برلين جديدة توزع ولاءها العسكري والسياسي والمالي بين واشنطن وموسكو وبكين.

"
منظمة شنغهاي تتجه بالتدريج إلى تشكيل نواة قطب عسكري يحاول أن يجد مكانا يستبدل فيه حلف وارسو، ناقلا مسرح الحرب الباردة من أوروبا الشرقية إلى آسيا الوسطى
"
عقبات وهواجس
بناء على المقدمات السابقة يبدو ظاهريا أن منظمة شنغهاي تتجه بالتدريج إلى تشكيل نواة قطب عسكري يحاول أن يجد مكانا يستبدل فيه حلف وارسو.

والجديد اليوم هو نقل مسرح الحرب الباردة من أوروبا الشرقية إلى آسيا الوسطى، لكن القراءة التحليلية تفيد بأنه كي تحقق منظمة شنغهاي تلك المكانة عليها أن تتجاوز أربع عقبات رئيسية.

- تحويل التحالف الروسي الصيني من تحالف تكتيكي إلى تحالف إستراتيجي، لأن بين الطرفين تنافسا عسكريا واقتصاديا وصراعا على السيادة، وبينهما بالمثل اختلال ديموغرافي كبير.

وبينما تتقن روسيا سياسة الترهيب أكثر من الترغيب، ولا تصدر للعالم شيئا سوى السلاح تحتاج الصين إلى الحفاظ على علاقاتها القوية بأغلب دول العالم لإكمال مشروعها ببناء إمبراطوريتها التجارية، ومن ثم فإنه ليس من مصلحة بكين الاصطفاف طويل المدى في تحالف عسكري له التزامات وعليه تبعات.

- أن تحسم الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي موقفها، فهذه الدول (كزاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وأوزبكستان) تلعب مع الجميع بكافة الأوراق وليست لديها كلمة نهائية بشأن الموقف من الولايات المتحدة والناتو.

كما أن حكومات الدول التي تتمتع بصفة مراقب في منظمة شنغهاي كالهند وإيران ومنغوليا وباكستان أقرب إلى التحالف مع الولايات المتحدة والناتو منها إلى موسكو وبكين، إذا استثنينا الخلاف الظاهر بين طهران وواشنطن.

- أن يعثر قادة شنغهاي على "عقيدة" تجمع الصف على المدى البعيد، إذ ليست هناك "راية" تجتمع تحتها دول المنظمة، حتى أن المحللين الغربيين لا يجدون حرجا في تسمية تجمعهم "نادي الطغاة" أو "منظمة تحالف النفط والنووي"، وعلى أن تضمن هذه الراية إسكات شكوى الدول الصغيرة في المنظمة من سوء الاستغلال وهيمنة الكبير.

- أن تشعر شعوب هذه المنظمة بأن التحالف له عائد على الأرض، إذ لا يبدو لمنظمة شنغهاي سوى أهداف "فوقية" بين قادة الدول وجنرالات العسكر ووزراء الداخلية.

بل إن الشعوب والأقليات الإسلامية في دول هذه المنطقة تشعر بأن ما يجري من مناورات عسكرية يتم فقط لتوصيل رسالة بسحق أي محاولة للثورة والتمرد في المستقبل، وبصفة خاصة في كل من تركستان الشرقية (الصين) أو تركستان الغربية (آسيا الوسطى) والشيشان وشمال القوقاز (روسيا).

وإذا لم تتمكن منظمة شنغهاي من تجاوز هذه المشكلات فستقع فريسة نفس التهديدات التي أودت بنحو عشرة تحالفات إقليمية تشكلت منذ سقوط الشيوعية وحاولت الوقوف أمام التوغل الأميركي ومنيت جميعها بالفشل.

وأبرزها:
- انهيار مشروع اتحاد الشعوب السلافية الذي أفسده الناتو عن طريق حصار السلاف الجنوبيين (اليوغسلاف) وتفتيت دولتهم، وعن طريق تمويل واشنطن المالي والسياسي لسحب أوكرانيا من مشروع الجامعة السلافية وتوجيهها وجهة غربية صرفة، وفي نفس الوقت حصار روسيا البيضاء (مركز السلاف في شرق أوروبا) وتشويه سمعتها السياسية.

- تبدد الآمال بشأن تمويل المشروعات الإقليمية ذات الصبغة الاقتصادية مثل مشروع الجسر البري الأوراسي، ومشروع الترانسيسا، وهما المشروعان اللذان كانا قد قدما صورة باهرة لعودة الازدهار الاقتصادي لشعوب ما بعد الشيوعية.

- فض بعض التحالفات السياسية الاقتصادية مثل منظمة تحالف آسيا الوسطى CACO نتيجة عدم فاعليتها ودمج أجهزتها في منظمات أخرى مثل منظمة يوراسيك Eurasic (قليلة الفاعلية أيضا).

- ذبول الدور الذي يلعبه اتحاد كومنولث الدول المستقلة CIS الذي يعتبر تنظيما مماثلا في بنيته للجامعة العربية، والذي بدأ قبل 15 سنة بنفس طموحات شنغهاي وخاصة في مجالات الدفاع العسكري المشترك وتشكيل جيش موحد وتعاون اقتصادي.. إلخ.

- عدم قيام المنظمات الأمنية الكبرى مثل منظمة الأمن الجماعي CSTO -التي تضم عشر دول أوراسية- بدور حقيقي وتحولت إلى مناسبات كلامية واحتفالية.

"
ليست هناك حرب باردة يستفيد منها المركز، إذ الناتو ينفرد بالسيطرة على قلب العالم الإسلامي بينما تنفرد شنغهاي بالسيطرة على هوامشه وببتر أطرافه، وهي قسمة تبدو "عادلة" في ظل إمكانات قوة المستعمرين وخريطة النفوذ
"
القسمة العادلة
في نفس الفترة التي أجريت فيها المناورات العسكرية لمنظمة شنغهاي (منتصف أغسطس/آب 2007) أقامت الكنيسة الروسية الصلوات في ذكرى مرور سبعين سنة على مذابح ستالين بحق نصف مليون من الضحايا الأبرياء الذين طالهم القتل الجماعي.

ماذا عن مذابح الضحايا الأبرياء في الشيشان الذين تمت تصفيتهم منذ تولي الرئيس بوتين حكم روسيا؟ هل أقيمت صلاة من أجلهم هنا في العالم الإسلامي؟ أو في مسجد أو كنيسة في روسيا؟ من يجرؤ هنا أو هناك؟ الكل يتنصل من خطيئة التعاطف مع "الإرهابيين"؟

وماذا عن حال ملايين آخرين في تركستان الشرقية (شينغيانغ) في الصين؟ وما حجم الدور الثقافي والديني تجاه الشعوب الإسلامية التي خرجت من الفترة الشيوعية؟ هل لاحظنا كيف فقدت هذه الشعوب الأمل في الدول العربية والإسلامية؟

هل لاحظنا كيف تبدلت مخاوفها من رهبة الغزو الديموغرافي والتذويب العرقي والترويس أو التصيين إلى فقدان الهوية وتلاشي الانتماء؟

لا يبدو أن هناك إجابات عن هذه الأسئلة في ظل واقع مهموم بقضايا المركز (فلسطين والعراق والسودان)، ومشكلة هذا المركز أنه يبدي حبورا وتفاؤلا بعودة الحرب الباردة وكأنها ستعيد له هيبته المهدورة أو ترد إليه حقوقه المسلوبة.

والخطأ هنا ليس فقط في أننا ننسى أن كثيرا من الحقوق سلبت في زمن الحرب الباردة، أو أننا نجانب الصواب حين نحلل العلاقات الدولية بعقلية زمن الشيوعية، فالخطأ الأكبر أننا ما نزال نتلمس الحل في دعاء المستضعفين حين يتضرعون: "اللهم اضرب الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين".

ما علاقة ذلك بموضوع شنغهاي؟ الإجابة بسيطة: ليست هناك حرب باردة يستفيد منها المركز، إذ الناتو ينفرد بالسيطرة على قلب العالم الإسلامي بينما تنفرد شنغهاي بالسيطرة على هوامشه وبتر أطرافه، وهي قسمة تبدو "عادلة" في ظل إمكانات قوة المستعمرين وخريطة النفوذ.

فمن يعول على منظمة شنغهاي في إعادة توازن الحرب الباردة يغفل أن مثل هذه الفرصة قد ضاعت حين رضيت دول شنغهاي بتدمير أفغانستان بفاتورة أميركية ظنا منها أن ذلك أفضل من بقاء نظام طالبان الذي يهدد بانتشار النموذج الإسلامي.

ثم ضاعت الفرصة التالية حين اكتفت دول شنغهاي بمتابعة غزو واحتلال العراق الحليف الثري الكبير، بنفس الطريقة التي تابعت بها جزر القمر والمالديف ومصر والسعودية. وهي دول كما نعلم لا حول لها ولا قوة.

من الواجب قراءة هذه الحقائق، ففيها مغزى لن نجده في الترجمة الحرفية لما يروجه الإعلام الغربي من أن شنغهاي تستبدل وارسو، أو أن عالما متعدد الأقطاب قيد التشكيل.
__________________
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة