ياسر الزعاترة

ياسر الزعاترة

كاتب أردني

 

ياسر الزعاترة

مؤخرا، ومن خلال مقابلة مع شبكة إسلام أون لاين، دعا المفكر الإسلامي المعروف الدكتور محمد سليم العوا الإخوان المصريين إلى "التوقف عن مباشرة الحقوق السياسية ترشيحا وانتخابا وتصويتا، والتحول تماما عن العمل السياسي فيما يتعلق بممارسة السلطة أو الحصول على جزء منها، إلى ممارسة العمل التوعوي والترشيدي عن طريق إحياء روح النهضة في الجماهير، وإحياء روح مقاومة الظلم والاستبداد".

"
الأنظمة لن تتسامح مع عمل سياسي شعبي من خارج المؤسسات الدستورية، بل ستطارده على نحو أكثر حدة لأنه يفضح فسادها وتغولها على الحريات، والنتيجة أن السجون ستظل مفتوحة، بل ستغدو أكثر شراهة في التهام الإسلاميين المعارضين
"
ما ينبغي أن يقال ابتداء هو أن صدور هذه الدعوة أو تلك عن هذا الداعية أو المفكر أو ذاك لا يعني حرمان الآخرين من مناقشتها، حتى لو حظي الرجل بالكثير من الاحترام في الأوساط الإسلامية، لاسيما أن الأوضاع الشائكة التي تعيشها أمتنا ومنطقتنا ما زالت تولد الكثير من الأفكار والطروحات الهادفة إلى الخروج من عنق الزجاجة، وهي أفكار يصيب بعضها ويخطئ الآخر.

وهنا ينبغي التذكير بما للدكتور محمد سليم العوا من مكانة في الأوساط الإسلامية بوصفه أحد المدافعين الكبار عن المشروع الإسلامي الذين لا ينبغي لأحد أن يشكك بصدق نواياهم.

على هذه القاعدة يمكن للمرء مناقشة دعوة الدكتور العوا الجديدة، تماما كما وقع من قبل لدعوة الدكتور عبد الله النفيسي إلى حل جماعة الإخوان الذي انطلق في رؤيته أيضا من الحرص على المشروع الإسلامي ومصالح الأمة الإسلامية.

بداية يمكن القول إن كلام الدكتور العوا يحتاج قدرا من التوضيح، لأن التوقف عن مباشرة الحقوق السياسية والتنافس على السلطة شيء، والتوقف عن العمل السياسي برمته شيء آخر، ولو دققنا النظر في كلمات صاحب الفكرة في الحوار المشار إليه فسنجد أننا إزاء دعوة من النوع الأول، اللهم إلا إذا وقع توضيح لها يخالف ذلك في سياقات أخرى لم نتابعها إلى الآن.

والسبب هو أن الشق الثاني من الفقرة التي نقلنا عنها يتحدث عن "إحياء روح النهضة في الجماهير وإحياء روح مقاومة الظلم والاستبداد"، وهذا لون من ألوان العمل السياسي كما يعرف الجميع، بل ربما هو صلب العمل السياسي.

فيما يتعلق بالنوع الأول، نحن إزاء دعوة لترك المشاركة في المؤسسات الدستورية (البلديات ومجلس الشعب ومجلس الشورى وصولا إلى الانتخابات الرئاسية في حال سماح القانون بذلك)، وذلك من دون التخلي عن العمل السياسي والشعبي من خارج تلك المؤسسات كما تفعل حركة العدل والإحسان في المغرب، وإن فعلت هذه الأخيرة ذلك في سياق ملكي لا رئاسي، وفي إطار من رفض الاعتراف بالوضع الدستوري القائم، إذ ترفض الحركة المشاركة في الانتخابات، مع الإصرار على البقاء في الساحة السياسية التي تنشط فيها ضمن إطار معارض يطالب بتصحيح الأوضاع القائمة، ولا يتوقف عن نصرة قضايا الأمة هنا وهناك بشتى وسائل العمل السلمي الرافض فعلا وقولا لكل أشكال العنف.

أما النوع الثاني الذي يتخلى عن العمل السياسي برمته فيشبه إلى حد كبير النهج الذي تتبناه بعض تيارات السلفية التي تقول "من السياسة ترك السياسة"، وهو نهج يصفه البعض (ربما مجازا) بالإرجاء، فيما يصف آخرون أصحابه بأنهم "سلفية ولي الأمر".

وهو نهج يتوفر في أكثر الدول العربية، ويتبنى إلى حد كبير رأي الحنابلة القديم في التعامل مع ولي الأمر، بدءا برفض الخروج عليه، ووصولا إلى رفض أي انتقاد له في العلن.

يرى أصحاب هذا الرأي أن الأوضاع القائمة نهائية من حيث أدوات الحكم، وأن الإصلاح يتم من خلال ولي الأمر نفسه، ولا يملك أهل العلم والرأي سوى نصحه في السر، أقله بحسب كلامهم المعلن. والنتيجة هي أن السياسة من اختصاص ولي الأمر الذي لا يجوز انتقاده بأي شكل من الأشكال.

لكن مضمون كلام الدكتور العوا لا يذهب في هذا الاتجاه، لأن "إحياء روح النهضة وإحياء روح مقاومة الظلم والاستبداد" هي من صلب العمل السياسي كما أشرنا إلى ذلك من قبل.

وقد يكون من الضروري التذكير هنا بأن هذه الفئة السلفية ترفض بدورها الأحزاب والجماعات، بصرف النظر عن اشتغالها بالعمل السياسي أم لا، وتعتبر أن الحزبية محرمة، ومعها كافة أدوات العمل السياسي السلمي كالمسيرات وسواها.

في حال ما إذا كان المقصود هو النوع الأول، وهو ما نرجحه، أعني ترك المشاركة في المؤسسات الدستورية، فإن هذه الدعوة تستحق النظر، لأن واقع الحال ما زال يشير إلى أن حضور الإسلاميين في العملية السياسية المبرمجة القائمة على ديمقراطية الديكور (الأخذ بديكورات الديمقراطية من أحزاب وبرلمان وانتخابات من دون مضمون حقيقي) لم يحقق الكثير.

بل لعله لم يزد الاستبداد إلا تجذرا، إذ ساهم في تشريع العديد من القوانين التي تحد من الحريات وتطارد التعددية الحقيقية بدل أن يفعل العكس.

"
إذا ما ترك الإسلاميون الساحة فارغة لسواهم فإن النتيجة هي المزيد من تغول السلطات على الناس، في حين ستظهر قوى أخرى تتبنى مطالبهم وتكسب تعاطفهم، مع العلم أنها قد تكون ذات أفكار أخرى مناهضة للطرح الإسلامي
"
ولو تتبعنا تجربة المشاركة البرلمانية للحركات الإسلامية خلال العقود الأخيرة لما وجدنا فيها الكثير مما يستحق الإشادة، إذ ساهمت بالفعل في إعاقة التطور الديمقراطي، كما ساهمت في منح الحاكم مزيدا من السطوة على المجتمع من خلال تشريعات أخذت من البرلمان تحت مسمى الأقلية والأغلبية.

وفي كثير من الدول العربية كان العمل السياسي السلمي أكثر تأثيرا مما أصبح عليه بعد تطبيق ديمقراطية الديكور، مع العلم أنه لو كان ذلك العمل في ظل أجواء الثورة الإعلامية المتوفرة الآن لكان أكثر تأثيرا بكثير.

ليس هذا تقييما شاملا للتجربة التي يمكن قول الكثير بشأنها، كما هو حال منح السلطة إمكانية العبث بصفوف الحركات الإسلامية من الداخل من خلال النواب الذين تشتريهم بسيف المعز وذهبه، ربما لحاجة بعضهم إلى خدمات للناخبين، وربما طمعا في مكاسب خاصة مثل الوزارة حيث يشرعون في الدفع في اتجاه المشاركة البائسة في الحكومة، كما وقع في تجربة حركة النهضة الجزائرية وبعدها حركة الإصلاح، وكلاهما من تأسيس الشيخ عبد الله جاب الله.

لا تسأل بعد ذلك عن تجربة المشاركة الإسلامية في الحكم، فقد كانت بائسة إلى حد كبير، من الأردن إلى الكويت إلى اليمن، وفيها جميعا شارك الإسلاميون في الحكومة ولم يشاركوا في السلطة، بحسب تعبير عبد الوهاب الآنسي الذي كان نائب رئيس الوزراء في حكومة وحدة بين الإخوان وبين حزب المؤتمر الشعبي في اليمن خلال التسعينيات.

لكن موقفا من هذا النوع، أعني ترك المشاركة السياسية، لا بد أن يستبدل بتصعيد مستوى العمل السياسي الشعبي الذي يطارد الدكتاتورية والفساد، وبالطبع من خلال أدوات العمل السلمي التي باتت قابلة للتطوير في زمن الانفتاح والثورة الإعلامية.

لكن ما ينبغي قوله هنا هو أن هذا اللون من العمل السياسي الذي يطارد الاستبداد ويحيي روح النهضة في الجماهير له ثمن لا يقل ضخامة عن مزاحمة السلطة في البرلمانات والقرار السياسي، بل ربما تفوق عليه، لأن هذا الأخير تسهل برمجته من قبل السلطات، وبالطبع من خلال القوانين والإجراءات التي تتحكم بها السلطة، فضلا عن ما ينطوي عليه من فوائد تتمثل في تشريع التراجع عن الحرية والتعددية بدعوى الأقلية والأغلبية.

بكل بساطة، الأنظمة لن تتسامح مع عمل سياسي شعبي من خارج المؤسسات الدستورية، بل ستطارده على نحو أكثر حدة من مطاردة الأول، لأنه يفضح فسادها وتغولها على الحريات، فضلا عن مواقفها من الملفات الحيوية للأمة. والنتيجة هي أن السجون ستظل مفتوحة، بل ستغدو أكثر شراهة في التهام الإسلاميين المعارضين.

نقول ذلك في سياق الرد على من يعتبرون مسألة الاعتقالات هي مناط الحكم، أو بعض أسبابه كما يفهم من بعض كلام الدكتور العوا.

من زاوية أخرى فإن الجهد الذي يستدعيه هذا اللون من العمل السياسي من خارج المؤسسات يبدو أكبر من الجهد الذي تستدعيه المشاركة السياسية الموسمية، والسبب هو أنه يدمج الجميع في العمل اليومي، ولا يحوّل الجماعة أو الحزب إلى طبقتين: واحدة تمارس النشاط السياسي، بينما تكتفي الأخرى بدور المتفرج وربما الناقد لا أكثر، مع العلم أن منابر هذا اللون من العمل ستبقى محاصرة، من الجامعات إلى النقابات إلى المساجد والجمعيات كما تقول تجارب أكثر الدول العربية.

لنفترض أن الرأي الذي يراه العوا هو ما رآه القوم الآخرون، أعني العمل في الدعوة الإسلامية والتربية من دون أية نكهة سياسية واضحة، وهنا يمكن القول إن دعوة من هذا النوع لا تبدو مقبولة ولا معقولة، أقله من وجهة نظرنا، إذ ستضرب العمل السياسي والدعوي في آن معا.

ما ينبغي أن يكون معلوما هو أن جماهير الأمة ما زالت تنحاز إلى من يقفون في وجه الظلم والفساد، وقد حفظت ذاكرتها الجمعية الكثير من العلماء الذين فعلوا ذلك، من أبي حنيفة (رفض منصب القضاء خشية تشريع الفساد ودفع الثمن سجنا وتعذيبا) إلى العز بن عبد السلام إلى ابن تيمية وأحمد بن حنبل (هذا الأخير قاوم هيمنة السلطة على الدين حتى لو رفض الخروج عليها).

"
العمل العام الساعي إلى إحياء روح النهضة في الجماهير وإحياء روح مقاومة الظلم والاستبداد عمل سياسي بالضرورة وله ثمنه الباهظ، حتى لو ابتعد عن الانتخابات بكل أشكالها وترك مقاعد البرلمان برمتها للأحزاب الرسمية
"
وإذا ما ترك الإسلاميون الساحة فارغة لسواهم، فإن النتيجة هي المزيد من تغول السلطات على الناس، في حين ستظهر قوى أخرى تتبنى مطالبهم، وهذه القوى هي التي ستكسب تعاطفهم، مع العلم أنها قد تكون ذات أفكار أخرى مناهضة للطرح الإسلامي.

هناك ما هو أكثر، وهو المتعلق بطبيعة الوعي الجمعي الذي يستهويه النموذج الحي أكثر من الطرح النظري، فحين يخرج من بين الإسلاميين مناضلون لديهم القابلية للتضحية، فإن الفكرة التي حملوها ما تلبث أن تنشر بين الناس، بل إن بالإمكان القول إن هذه الموجة من الصحوة الإسلامية التي تجتاح الأمة إنما جاءت بسبب النضال والتضحيات التي ترافقت مع الاستهداف الخارجي، وليس بسبب نشاط الدعوة العادي.

وقد صدق الشهيد عبد العزيز الرنتيسي عندما قال ذات مرة إن دم يحيي عياش قد ساهم في نشر الصحوة في الأمة أكثر من خطب خمسين عاما.

ما هو أهم من ذلك هو الوهم الذي يسيطر على عقول البعض حيال موقف السلطات من قوى تريد السيطرة على المجتمع من الأسفل، أي من خلال تغيير مرجعيته الثقافية والدينية.

فعندما يطارد عمرو خالد لأنه يؤثر في منظومة عقول الشباب، فإن أطرافا أخرى أكثر فاعلية ستتعرض لقمع من لون أكبر، مع العلم أن نشاط أية قوة دينية، منظمة كانت أو غير منظمة لا بد له من الموافقة الرسمية، وإذا غابت تلك الموافقة فسيكون النشاط صعبا إلى حد كبير.

وهنا نؤكد أنه لو غابت القوى المشتغلة بالعمل السياسي لما تمتعت الأخرى التي لا تعمل في السياسة بأي هامش يذكر تبعا لتأثيرها على المنظومة الثقافية على نحو يخالف التوجهات الرسمية.

خلاصة القول هي أن العمل العام الساعي إلى "إحياء روح النهضة في الجماهير، وإحياء روح مقاومة الظلم والاستبداد"، بحسب تعبير الدكتور العوا، هو عمل سياسي بالضرورة، وله ثمنه الباهظ، حتى لو ابتعد عن الانتخابات بكل أشكالها، وترك مقاعد البرلمان برمتها للأحزاب الرسمية.

أما الدين الخامل الذي لا يرفض ظلما ولا يحارب فسادا فحصته هامشية على الدوام يحصل عليها بسطوة القرار الرسمي بهدف محاربة الفاعلين، وما إن تنتهي المعركة مع الطرف الأول حتى تستدير السلطة نحو الطرف الثاني وتأخذ في تحجيمه بالأدوات الرسمية المعروفة.

بقي أن نشير إلى أن ما ورد سابقا لا يعني موقفا حديا من المشاركة السياسية في البرلمانات، فهي مسألة تقدر بقدرها، والأولى أن تكون رمزية من خلال مجموعات صغيرة رسالية فاعلة، تملك القدرة المميزة على التعبير عن ضمير المجتمع من خلال المؤسسة البرلمانية، كما تستخدم الحملات الانتخابية في تعميق وعي الناس بقضاياهم وحشدهم في اتجاه الفعل الإيجابي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك