نبيل شبيب

نبيل شبيب

كاتب وباحث إسلامي


- مستقبل العلاقات مع واشنطن
- المصالح المشتركة والمصالح الوطنية
- احتمالات مستقبلية

منذ القمة الأوروبية نهاية يونيو/حزيران 2007م اتضح تباطؤ مسيرة الوحدة الأوروبية سياسيا عما أراده واضعو صيغة الدستور الأوروبي قبل ثلاثة أعوام فقط.

ومن المؤشرات -الشكلية نسبيا- الأخذ بتعبير "معاهدة التجديد" بديلا عن كلمة دستور، والاستغناء عن تسمية مفوض الشؤون الخارجية وزيرا للخارجية. ولكن جوهر عملية التطوير بقي قائما، بغض النظر عن مفاوضات قادمة على الصيغة النهائية قبل حلول موعد الانتخابات النيابية الأوروبية عام 2009م.

وتعكس عقبات الصياغة التقنينية جوهر العقبات الحقيقية الماثلة في استمرار تباعد السياسات الخارجية للدول الرئيسية في الاتحاد، من "القدماء" لاسيما فرنسا وألمانيا وبريطانيا، ومن "الجدد" لاسيما بولندا.

"
تبدل السلطات الوطنية نتيجة الانتخابات يترك آثاره المباشرة على مسيرة الاتحاد الأوروبي سلبا وإيجابا
"
مستقبل العلاقات مع واشنطن
كما هو الحال في مراحل سابقة ظهر للعيان الآن أن تبدل السلطات الوطنية نتيجة الانتخابات يترك آثاره المباشرة على مسيرة الاتحاد الأوروبي سلبا وإيجابا. وقد سجلت السنوات الماضية على الإقرار المبدئي لصياغة "الدستور" تبدل الحكم في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، وهو ما جلب معه سلسلة من التطورات في أكثر من اتجاه.

وكان أبرز ما دارت حوله التكهنات مرتبطا بالعلاقات الأوروبية الأميركية لأن وصول أنجيلا ميركل مكان غيرهارد شرودر إلى السلطة ثم مؤخرا نيكولا ساركوزي مكان جاك شيراك، نشر الانطباع بأن المحور الألماني الفرنسي الذي أثار مع الاعتراض الشديد على حرب احتلال العراق أزمةً أطلسية ما تزال مستمرة إلى الآن، قد تحول إلى محور جديد فيه أبرز مؤيدي السياسة الأميركية في البلدين.

ولكن مفعول هذا الانطباع المبدئي يتلاشى سريعا على أرض الواقع لأسباب عديدة، في مقدمتها:
1- بقي وصول ميركل لمنصب المستشارة الألمانية مقيدا فيما يتعلق بالعلاقات مع واشنطن، لأن شريكها في الائتلاف الحكومي هو الحزب الديمقراطي الاشتراكي الذي كان يتزعمه شرودر.

وتعلم ميركل وحزبها المسيحي أن معارضة خصمها السياسي لعسكرة الهيمنة الأميركية عبر العراق بعد أفغانستان لم تكن سبب تراجع تأييده خلال الانتخابات النيابية.

وظهر أن السياسة الخارجية التي تدخل في صلاحية ميركل إلى جانب وزير خارجيتها شتاينماير -وهو من الديمقراطيين الاشتراكيين- لا تنطبق على مواقفها المتشددة سابقا أثناء وجودها في المعارضة من حيث تأييد واشنطن بصورة استعراضية.

2- من العسير الحديث عن مثل ذلك من جانب ساركوزي بعد وصوله إلى منصب الرئاسة الفرنسية، ولكن 100 يوم مضت على ذلك ولم يظهر فيها ما يتطابق مع صورة التحالف المطلق مع "المحافظين الجدد" كما نُشرت عنه أثناء المعركة الانتخابية.

3- استقرار ميركل وساركوزي في السلطة وإن بدا استقرارا لسياسة مؤيدي الارتباط الوثيق مع واشنطن، إلا أنه تزامن مع أشد مراحل ضعف الوضع السياسي الداخلي للرئيس الأميركي جورج بوش نفسه، لاسيما فيما يتعلق بسياساته العسكرية في أفغانستان والعراق وتحت عنوان الحرب على الإرهاب.

ولن يتخذ الساسة الأوروبيون مواقف تجعلهم "أميركيين أكثر من الأميركيين" أنفسهم، بل على النقيض من ذلك بات إظهار وجود قدر من التمايز عن السياسة الراهنة لواشنطن من ضرورات الإعداد للتعامل مع ما بعد عهد بوش الابن.

4- من أبرز المعالم التي تؤكد هذه النظرة، تبدل السلطة في بريطانيا أيضا ولكن في اتجاه معاكس، أي انتقالها من بلير الحليف الأول لبوش في مسيرته السياسية العسكرية إلى براون الناقد الأكبر داخل حكومة بلير لسياسته الخارجية ومنافسه القديم على زعامة حزب العمال.

ولئن بدا أثناء اللقاء الأول بين براون وبوش عدم وجود تناقض كبير فقد ظهر للعيان سريعا أن المجاملات الدبلوماسية غلبت على اللقاء، وأن ما صدر بعد أيام معدودة عن لجنة الشؤون الخارجية النيابية البريطانية بغالبيتها العمالية يؤكد أن براون عازم على تطبيق ما كان يقول به، وعلى التميز بالسياسة الخارجية البريطانية بوضوح عن السياسة الأميركية لاسيما تلك التي يمثلها بوش والمحافظون الجدد. وهذا ما أكدته المعلومات القائلة إن تصورات اللجنة النيابية تتلاقى مع تصورات حكومة لندن نفسها.

والجدير بالذكر أن موقف بريطانيا في القمة الأوروبية الأخيرة أدى إلى الهبوط بالتوحيد السياسي عن المستوى الذي يرمز إليه دستور أوروبي ووزير خارجية، ولكن هذا الموقف لا يرتبط بالعلاقات الوثيقة مع واشنطن بقدر ما يرتبط بتميز بريطانيا السياسي تجاه البلدان القارية الأوروبية.

ويمكن تعداد المزيد من نقاط الاختلاف الأوروبي الأميركي من ميدان التعامل مع الدرع الصاروخي الأميركي والاعتراضات الروسية عليه، ومن ميدان السياسات التجارية والمالية عالميا، ومن ميدان الخلاف المزمن على المهام العسكرية الراهنة في أفغانستان.

ومن هذا يتبين أن العلاقات المتأزمة في هذه الميادين وسواها ستبقى من نقاط الاختلاف المستمر مع الأميركيين على الأقل حتى نهاية عهد بوش الابن، مع عدم إغفال وجود نقاط أخرى عديدة كانت وما تزال موضع توافق متفاوت الدرجات كما هو الحال في التعامل مع قضايا كوسوفا وإيران والسودان وسواها فضلا عن تشابك المصالح الاقتصادية إلى حد كبير.

ويلتقي الطرفان كذلك من حيث الأساس على مواجهة خطر ما يسمى الإرهاب الإسلامي، وما بدأ يكشف عن مخاوف مشتركة وأعمق تأثيرا مما يمكن وصفه بتحدي إرهاصات حضارية في المنطقة الإسلامية.

"
رغم أهمية العلاقات مع واشنطن في منظور أوروبا وأثر الاختلاف بشأنها على مسيرة وحدتها السياسية، فإن العوامل الأهم في تحديد مستقبل مسيرة الاتحاد سياسيا تكمن في العلاقات بين أقطابه
"
المصالح المشتركة والمصالح الوطنية
رغم أهمية العلاقات مع واشنطن في منظور أوروبا وأثر الاختلاف بشأنها على مسيرة وحدتها السياسية، فإن العوامل الأهم في تحديد مستقبل مسيرة الاتحاد سياسيا تكمن في العلاقات بين أقطابه، وهنا يظهر بوضوح أكبر أن تبدل السلطات وطنيا يؤدي إلى تقلب تلك العلاقات أوروبيا. والمثال الأهم هو ما يسمى بالمحور الفرنسي الألماني الذي بقي لعقود عديدة محرك المسيرة الأوروبية المشتركة.

ورغم أن ميركل وساركوزي ينتميان إلى اليمين السياسي في البلدين، فإن مواطن التنافس إلى درجة الخلاف العلني يمكن أن تطغى على نقاط التوافق في سياسات البلدين أوروبيا. ومنذ فوز ساركوزي في انتخابات الرئاسة لا تنقطع الدلائل على هذا الصعيد.

ومنها:
1- الاختلاف الكبير بين الشخصيتين إلى درجة التناقض، فقد قامت سياسة ميركل ولا تزال على الأسلوب الهادئ مع الإصرار على الهدف، واعتماد الانتظار في اتخاذ موقف حاسم حتى تجتمع لديها العناصر الكافية لتقدير تمريره من وراء ما تواجهه من اعتراضات، بينما يقوم أسلوب ساركوزي السياسي على ما ينشر الانطباع بارتجاله المواقف السياسية سواء من حيث المواقف المفاجئة أو من حيث صياغة تلك المواقف.

2- استطاعت ميركل تثبيت زعامتها للاتحاد المسيحي وللحكومة الاتحادية في برلين، كما استطاعت أن تثبت قدرتها على التعامل مع القضايا الدولية والحفاظ على مكانة عالمية لألمانيا، كما كان في قضية المناخ العالمي وفي حفظ التوازن في العلاقات مع موسكو وواشنطن في الخلاف على الدرع الصاروخي.

وعلى النقيض من ذلك يجد ساركوزي نفسه في مرحلة تثبيت زعامته الفعلية بعد الفوز الانتخابي وقدرته على تحقيق ما سبق أن أعلن من مواقف وأعطى من وعود داخلية وخارجية، وهو ما يجعل حرصه كبيرا على إظهار قدراته في العلاقات مع ألمانيا بالذات على ضوء خلفية التنافس المستمر على الزعامة الأوروبية.

3- لا يقتصر الاختلاف في المحور الفرنسي الألماني على الأسلوب بل ينعكس في المضامين السياسية أيضا، وقد برز سريعا في محاولة ساركوزي تعديل الاتفاقات المتعلقة بإصلاح الوضع المالي لاتحاد شركات إيرباص ليظهر في موقع المدافع عن "الحقوق الفرنسية".

كما برز في خطفه الأضواء الأوروبية لنفسه في مسألة "إنقاذ الممرضات البلغاريات من القبضة الليبية" جنبا إلى جنب مع الاتفاقات الكبيرة التي وقعها بصورة استعراضية مع الطرف الليبي رغم أن الإعداد لها كان منذ عهد سلفه شيراك.

4- تمتد معوقات المسيرة الأوروبية خارج نطاق المحور الفرنسي الألماني، لاسيما في التعامل مع "الأعضاء الجدد" من شرق أوروبا وفي مقدمتهم بولندا وتشيكيا.

وانعكس ذلك في تعامل تلك الدول مع واشنطن وما تتلقاه من دعم أميركي، يبدو أقرب إلى زرع وتد بين "أوروبا القديمة وأوروبا الجديدة" كما تجلى في الامتناع عن استشارة الشركاء الأوروبيين مسبقا في قضية حساسة في مستوى الدرع الصاروخي، قبل إعطاء الموافقة على نشر بعض منشآته على الأرض "الأوروبية".

تضاف إلى ذلك مساعي تلك الدول لتثبيت مكانة أفضل لنفسها في مستقبل المسيرة الأوروبية، وهو ما ظهر في السعي لانتزاع ميزات أكبر في صيغة التصويت الجديدة على حساب الدول الرئيسية التقليدية لاسيما ألمانيا وفرنسا.

هنا أيضا يمكن تعداد المزيد من الاعتبارات ذات الصبغة الوطنية والقومية التي بقيت مصدرا لمعوقات توحيد السياسات الأوروبية على المستويين الأمني والسياسي الخارجي.

وهنا يتميز تأثير السياسة "الفرانكفونية" لباريس مقابل "الكومنولث" للندن، إضافة إلى ما يرجح صدوره عن بريطانيا من توجهات جديدة للتعويض عن "الإساءة لسمعتها عربيا وإسلاميا" -كما ذكرت لجنة الشؤون الخارجية- مما يعني في بعض مجالاته الخروج على الإجماع الأوروبي أو التأثير عليه في اتجاه آخر، ترمز إليه المطالبة بالتفاوض مع جهات سبقت "مقاطعتها".

وقد شهد قرار المقاطعة في حينه اعتراضات عديدة، فلا يحتاج إسقاطه واقعيا إلى أكثر من هزة جديدة من "المستوى البريطاني".

"
ليس من المستبعد توفر فرصة جديدة لقفز الأوروبيين مع ازدياد مظاهر اهتراء ما سمي بالزعامة الانفرادية الأميركية، وإخفاق مسلسل المغامرات العسكرية "الاستباقية" وما رافقها من "سياسات استباقية" دولية
"
احتمالات مستقبلية
الجدير بالذكر أن المسيرة الأوروبية المتعثرة عبر خمسين عاما مضت كانت على الدوام مسيرة حافلة بالمعوقات من مستوى الأمثلة المذكورة أو ما يزيد عليها أهمية وتأثيرا، ورغم ذلك كانت تحقق بين فترة وأخرى قفزات نوعية تتزامن على الدوام مع وقوع تطورات دولية كبرى.

كانت أولى تلك القفزات بعد حرب فيتنام وثورة أسعار النفط الخام في سبعينيات القرن الميلادي العشرين، عندما أعطى ضعف الوضع المالي الأميركي ثغرة لوضع البذور الأولى لمسيرة أوروبية أوصلت لاحقا إلى الوحدة النقدية.

وكان آخرها مع انهيار الشيوعية والمعسكر الشرقي أواخر الثمانينيات، إذ بدأت على الفور مسيرة "اتفاقية ماستريخت" للتميز الأمني الأوروبي من جهة، ولتوسيع الاتحاد الأوروبي من جهة أخرى، إلى أكثر من ضعف ما كان عليه عددا ومساحة وطاقة اقتصادية.

وساهمت ضغوط ظاهرة العولمة السنوات الماضية في تحويل التعاون الاقتصادي الأوروبي إلى تكتل دولي، وإلى إدخال إصلاحات اقتصادية واسعة النطاق -وفق المفهوم الرأسمالي للإصلاح- ليتمكن الأوروبيون من الحفاظ على مصالحهم ومواقعهم الاقتصادية والمالية عالميا على أرضية تنافس وصراع جديدة بين الأقطاب الدوليين.

وليس من المستبعد توفر فرصة جديدة للأوروبيين مع ازدياد مظاهر اهتراء ما سمي الزعامة الانفرادية الأميركية، وإخفاق مسلسل المغامرات العسكرية "الاستباقية" وما رافقها من "سياسات استباقية" دولية.

وهذه فرصة ترجح احتمال قفزة نوعية أخرى في المسيرة الأوروبية السنوات القادمة تتجاوز العقبات الراهنة في وجه سياسة خارجية موحدة، مع ملاحظة أنها لم تمنع خطوات كبيرة على صعيد التميز الأمني من حيث تطوير الصناعات العسكرية الأوروبية، وتشكيل أكثر من فرقة "تدخل سريع" مستقلة عن حلف شمال الأطلسي، فضلا عن الإصرار الأوروبي الظاهر للعيان على أن يكون الوجود الأوروبي في الحلف وجود شراكة وليس وجودا انقياديا للزعامة الأميركية كما كان في حقبة الحرب الباردة.

المصدر : الجزيرة

التعليقات