جهاد السعدي

ثمة دعاوى تطل برأسها كل حين عند الحديث عن البرامج الاقتصادية لدى حركات الإسلام السياسي يتسم بعضها بتوجيه النقد الموضوعي لهذه الحركات عبر قراءات تستند لروح النقد البناء المنصف تأخذ على الإسلاميين افتقارهم لرؤى برامجية قادرة على إحداث تغييرات بنيوية لمشاكل مجتمعاتهم الاقتصادية، ودعاوى أخرى تناولت هذا الجانب بقوالب نقدية خادشة بعيدة عن لغة الجرح والتعديل المنصفة، إشباعا لحالة الخصومة السياسية والفكرية التنافسية القائمة مع تلك الحركات.

"
على الرغم من إمكان اعتبار التجربة التركية نموذجا لنجاحات الإسلاميين، فإنه يتعين الاعتراف بأنها تجربة تتمتع بشيء من الخصوصية يتعذر معها اعتبارها نموذجا ووصفة جاهزة تمكن إعادتها في بيئات الإسلاميين المختلفة لاعتبارات موضوعية
"
ويتبنى كثير من خصوم الإسلاميين على اختلاف ألوانهم الفكرية ومدارسهم النقدية قناعة تحتاج لمراجعة موضوعية مفادها أن الاقتصاد والحديث فيه وتقديم الحلول لمعضلاته في المجتمعات العربية والإسلامية يعد "خاصرة حركات الإسلام السياسي الطرية".

وتبرز الحالة "الأردوغانية" ربما كمثال نافر لتجربة الإسلاميين –إن جاز اعتباره كذلك- لتقديم أجوبة على الكثير من الأسئلة المشككة في الأداء الاقتصادي لحركات الإسلام السياسي.

وعلى الرغم من إمكان اعتبار التجربة التركية نموذجا خادما يمكن الدفع به لنجاحات الإسلاميين ضمن ضوابط لا يجوز "مطها" فإنه يتعين الاعتراف بأنها تجربة تتمتع بشيء من الخصوصية التي قد يتعذر معها اعتبارها نموذجا ووصفة جاهزة تمكن إعادتها أي "عجنها وخبزها" في بيئات الإسلاميين المختلفة لاعتبارات موضوعية عدة.

إن حركات الإسلام المعتدلة نهجا وممارسة بحاجة اليوم لتقديم أجوبة مقنعة لما تعيشة الأمة من مشكلات فقر اقتصادية قاتمة بنفس مقدرتها النشطة في الأطر السياسية والاجتماعية والتوعوية والإصلاحية الأخرى التي برعت فيها وقدمت حلولا وأجوبة للعديد من مشكلاتها وأسئلتها.

ولا شك أن الإسلاميين برعوا إلى حد بعيد في تثقيف الشارع وتعبئته إلى حد الإشباع بكل مفردات ورؤى وبرامج الإصلاح السياسي والاجتماعي وأسهموا بشكل وفير في تقديم وجبات دسمة للمكتبة العربية والإسلامية ضمن هذا المضمار.

وقد باتوا يتصدرون اليوم أكثر المشاهد سخونة من حيث المنافسة السياسية أمام النظم الحاكمة بحكم تجاربهم المريرة، وما باتوا يمتلكونه من خزان بشري وهياكل ومؤسسات مكنتهم عبر العقود الماضية من تقديم رؤاهم السياسية الإصلاحية والاجتماعية بشكل شبه محترف لاقى قبولا كبيرا في كثير من البلدان.

لكن ينبغي الاعتراف بأن القضية الاقتصادية ما زالت تشكل معضلة حقيقية وتحديا شامخا لهذه الحركات –كغيرهم من النظم الحاكمة وأصحاب التيارات الأخرى- وبات هناك العديد من الأسئلة التي غدت بحاجة لإجابة واقعية بعيدة عن ثقافة الشعارات والتنبؤات التحليلية النظرية، بصورة تعمل على جسر ما يعتبره البعض تباينا في بنيان الإسلاميين.

فالصعود السياسي والأخلاقي والاجتماعي المتزايد للحركات الإسلامية وارتفاع نسبة احتمال إمساكهم أو مشاركتهم في الهياكل ومؤسسات الحكم القائمة لا يوازيه نفس الحضور في الملف الاقتصادي وهذا لا يتناسب في نظر نقادهم مع حجمهم وحضورهم والمأمول منهم.

ثمة شكوك تحتاج لتفنيد رقمي ومسحي من قبل الإسلاميين يقدمها خصومهم بشكل دائم على موائد الحوار والمناظرة تتهم برامجهم ورؤاهم السياسية وحضورهم بافتقاره لرؤية اقتصادية واقعية لمواجهة المشكلات البنيوية التي تعاني منها مجتمعاتهم، فضلا عن نعتهم الدائم للإسلاميين بأنهم لا يحملون مشروعاً تنموياً يستند إلى منطق علمي متين لتطوير القطاعات الاقتصادية المختلفة.

بل يزيد أنصار هذا الفريق بالقول إن القضايا الاقتصادية مغيبة تماماً في برنامج الإسلاميين، أما الاقتراب منها فهو أقرب إلى اللغة الخطابية الاستعراضية بهدف تسجيل مواقف وتحقيق مكاسب سياسية دون وجود رؤية إستراتيجية وبدائل حقيقية.

"
الصعود السياسي والأخلاقي والاجتماعي المتزايد للحركات الإسلامية وارتفاع نسبة احتمال إمساكهم أو مشاركتهم في الهياكل ومؤسسات الحكم القائمة لا يوازيه نفس الحضور في الملف الاقتصادي وهذا لا يتناسب في نظر نقادهم مع حجمهم وحضورهم والمأمول منهم
"
لكن الناظر لطبيعة المساحة التي تتحرك فيها حركات الإسلام السياسي قد يجد لها عذرا موضوعيا وواقعيا يمنعها فعلا من تقديم رؤاها الاقتصادية واقعا على الأرض، فهذه الحركات تواجه سيلا من الإكراهات لا يمكن تجاوزها، أدت إلى جنوحها لتقديم رؤيتها الاقتصادية الإصلاحية على شكل "نظريات لا أكثر" تفتقر لعامل التجربة والواقع على الأرض.

ويمكن إجمال الأسباب التي جعلت الخطاب الإسلامي السياسي في المجال الاقتصادي يقترب من النظرية أكثر منه إلى التطبيق بالعوامل التالية:

أولا: تجذر عقلية الإقصاء السياسي لدى النظم العربية الحاكمة في حق الحركات الإسلامية المعتدلة، مما حرمها من أخذ فرصة تجريب رؤاها الاقتصادية واختبار مقدرة مطبخها الداخلي على إنتاج حلول واقعية، إذ كيف يستقيم الحكم الموضوعي على فشل النظرية الاقتصادية لهذه الحركات وسط عمليات الإقصاء المستمرة والمتعمدة التي تقوم بها الأنظمة في حقها منذ عشرات السنين.

ثانيا: تعرض هذه الحركات لمتوالية مبرمجة ومتدحرجة من الأزمات والانشغالات التي تبتكرها أجهزة النظم الحاكمة دفع بها لتقديم أولوية المحافظة على كيانها وحضورها ومكتسباتها كنقطة اعتبار أصيلة، جعلها تدفع بملف الاهتمام الاقتصادي والتنموي إلى مؤخرة برامجها بخلاف الجوانب الأخرى وعلى رأسها السياسية التي تقدمت وبرزت لتحتل ناصية الحراك في المناظرة الإسلامية.

ثالثا: تجسد جماعة الإخوان المسلمين كبرى واجهات حركات ما يعرف بالإسلام السياسي اليوم وهذه الجماعة رغم تخومها العريضة جغرافياً وشعبيا فإنها ما تزال محظورة الوجود القانوني في العديد من البلدان ومطاردة ومضيّقا عليها في أخرى، مما يجعل قيامها بنشاط اقتصادي بارز المعالم وخاضع للتقويم والتجربة والنقد الموضوعي، متعذرا بالنظر لاعتبارات "قانونية وتنظيمية وأمنية تكتيكية أخرى".

رابعا: يعاني الإسلاميون الذين يتمتعون في دولهم بمشاركة سياسية في هياكل الدولة ومؤسساتها كالحكومة والبرلمان من البنية الفكرية والقانونية التي تأسس عليها نظام دولتهم الاقتصادي الذي غالبا ما يكون تابعا، إما لوصفات صندوق النقد الدولي، أو مرهونا بمواقف سياسية تجعل فكاكه واستقلاله أمرا متعذرا، أو خضوعه لقوالب وأفكار اقتصادية جامدة ذات هوى، إما رأسمالي أو اشتراكي.

وهذا يعني صعوبة تقديم رؤاهم وبرامجهم الاقتصادية دون إحداث تغيير جذري في تلك القوانين والسياسات التي تحتاج لحياة دستورية ديمقراطية تعددية قوية تتيح الفرصة للأغلبية النيابية بالتغيير المنشود.

وإذا كانت المحددات السابقة تشكل عقبات حقيقية قد تنصف الإسلاميين أمام خصومهم في نظر البعض فإن ذلك لا يعفيهم من إحداث مراجعات تقويمية وبرامجية في هذا الباب الحساس الذي بات يشكل اليوم هاجساً شعبياً ومجتمعيا يتجاوز اهتمام الناس بالقضايا السياسية سواء كانت محلية أم خارجية.

ويملك الإسلاميون المعتدلون بين أيديهم عوامل وأوراقا عدة من شأنها رفع سويتهم الاقتصادية نظريا وعمليا، يمكن إجمالها بالتالي:

"
الناظر إلى طبيعة المساحة التي تتحرك فيها حركات الإسلام السياسي قد يجد لها عذرا موضوعيا وواقعيا يمنعها فعلا من تقديم رؤاها الاقتصادية واقعا على الأرض لما تواجهه من الإكراهات
"
أولا
: امتلاكهم للعنصر البشري العددي والنوعي ذي الميزة الشبابية في غالبه القادر على إحداث تغييرات حقيقية وتنفيذ الرؤى الإصلاحية الاقتصادية بكل همة ونشاط.

ثانيا: امتلاكهم لمصطلح "اليد النظيفة" وهو ما يمنحهم ثقة المستثمرين والمؤيدين لمشروعاتهم بعيدا عن لغة التخوين وحمى الفساد المالي التي غدت ملازمة لغالبية النظم الحاكمة.

ثالثا: نجاحهم اللافت في إدارة دفة مشروعاتهم الخيرية والاقتصادية الصغيرة التي لامست أفئدة واحتياجات الناس وأعطت نموذجا مصغرا قد يصح البناء عليه لإدارة المشروعات الاقتصادية الكبرى.

رابعا: استنادهم في رؤاهم الاقتصادية إلى محاضن الشريعة الإسلامية التي أحكمت آياتها سبل الحلول الموضوعية للعديد من المشكلات الاقتصادية المستعصية.

خامسا: تملكهم لإرادة التغيير الحقيقية ورفضهم المبدئي الرضوخ لمؤسسات الهيمنة المالية العالمية، والتبعية غير المبصرة لحالة العولمة وإسقاطاتها وشروطها المجحفة بحق الدول الفقيرة لصالح القوى الكبرى الصناعية.

سادسا: تمتلك حركات الإسلام السياسي عنصر التوجيه "التنظيمي" إن جاز التعبير كأحد الأدوات الداخلية الفعالة لتوجيه براعم أعضائها صوب تخصصات تشبع الجانب الاقتصادي بكل مكوناته واحتياجاته بصورة تفوق قدرة النظم الحاكمة على تفعيل هذا الجانب رغم امتلاك الأخيرة لناصية المال والسلطة.

سابعا: يشكل المنهج السلمي المعتدل لتلك الحركات ونظرتها الشمولية السمحة للإسلام من جميع جوانبه ومتطلباته وقبولها للآخر تحت قاعدة الاحترام المتبادل بيئة خصبة صالحة ومشجعة للتعاون والاستثمار المثمر دون خوف أو وجل.

ثامنا: تمتع الإسلاميين المعتدلين بالفكر البراغماتي المتحرك يمنحهم مرونة التعامل المفتوح مع أصحاب المدارس الاقتصادية الناجحة من غير الإسلاميين بهدف الاستفادة منهم وبناء شراكة حقيقية معهم قادرة على تشخيص مشكلتهم وتقديم الحلول النقدية الجادة لهم.

تاسعا: يمتلك الإسلاميون خزانات بشرية متدفقة على مساحات وتخوم جغرافية مترامية داخل العالمين العربي والإسلامي تدين لهم بالقناعة والإعجاب والالتفاف، من شأنها إغراء أصحاب المشاريع العملاقة من شخوص وحكومات بالشراكة معهم وبناء مزاوجات مثمرة وفرص اقتصادية حقيقية وآمنة على المدى القريب والبعيد.
__________________
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة