باكينام الشرقاوي

طبيعة صراعية.. لكن مسارات متنوعة
محددات العلاقات بين المتغير والثابت
الملفان النووي والعراقي على قمة الأجندة
مستقبل تطور العلاقات الأميركية الإيرانية

في ظل الضعف والهزال العربي، تعيش منطقة الشرق الأوسط حالة فريدة من التنازع بين كل ما هو أميركي النزعة من جانب وكل ما هو إيراني التوجه من جانب آخر.

وترسم خريطة التحالفات الإقليمية بناء على الموقف من نزاع رئيسي من نوع جديد, ليس عربيا-إسرائيليا, بل أميركيا-إيرانيا، فللعلاقات الأميركية الإيرانية دلالة إقليمية ودولية هامة.

طبيعة صراعية.. لكن مسارات متنوعة
برهنت الخبرة التاريخية للعلاقات الأميركية الإيرانية منذ أكثر من ربع قرن أن هناك صراعا بنيويا حضاريا جذريا ارتبط بالطبيعة الأيدولوجية الإسلامية التي يمثلها نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

فبمجيء هذا النظام عام 1979 حدث تحول راديكالي في موقع إيران داخل الإستراتيجية الأميركية في المنطقة من علاقة التحالف إلى علاقة الصراع، وهو التحول الذي ليس من السهل تخطيه وتجاوزه.

فكل طرف يشعر بتهديد الآخر له وإن اختلفت طبيعة ودرجة ومدى التهديد. بالنسبة لإيران، يدرك الساسة الإيرانيون أن بقاء واستمرار النظام الإيراني ذاته هو محك الاختبار الرئيسي، في حين تؤمن الإدارة الأميركية –خاصة جناح الصقور منها- أنه لا يمكن القبول بأي قوة مناوئة للمصالح الإستراتيجية الأميركية في المنطقة، فالسماح للنموذج الإيراني بالتمدد والانتشار والتكرار يقلص بشدة من الحركة الأميركية في المنطقة ويهدد مصالحها الحيوية.

إن مشكلة الولايات المتحدة مع إيران ليست سياسية أو اقتصادية بل أضحت أيدولوجية (ذات أبعاد دينية)، خاصة بعد تصاعد نفوذ المحافظين الجدد خلف بوش واستثمارهم لأجواء ما بعد 11 سبتمبر/ أيلول 2001 واستمرار جماعات الضغط الصهيونية في لعب دور سلبي تجاه العلاقات مع إيران.

"
مشكلة الولايات المتحدة مع إيران ليست سياسية أو اقتصادية بل أضحت أيدولوجية (ذات أبعاد دينية) خاصة بعد تصاعد نفوذ المحافظين الجدد خلف بوش واستثمارهم لأجواء ما بعد 11 سبتمبر/ أيلول واستمرار جماعات الضغط الصهيونية في لعب دور سلبي تجاه العلاقات مع إيران
"

فالصراع منشؤه الطبيعة الأيدولوجية وليس الدينية لنظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية. فكثير من حلفاء الولايات المتحدة الأميركية يرفعون راية الإسلام كهوية للنظام، إلا أن إيران تقدم نموذجا إسلاميا داعيا للمقاومة ورافضا للانخراط تحت لواء القطب الأميركي. فهي أيدولوجية مناوئة تطرح نظرة مستقلة لتعريف المصالح القومية الإيرانية التي يجب أن تبنى على استقلالية القرار في المقام الأول.

من هنا تكمن المعضلة في أي نموذج إسلامي: أطروحاته الأيدولوجية ورؤاه السياسية، ونظرته إلى العالم وكيفية التعامل مع قواه الكبرى، وكيفية تعريفه لمصالحه وطرق تحقيقها.

ويتفاعل إدراك التهديد مع استشعار ذاتي لمكامن القوة لدى كل دولة، فالولايات المتحدة هي المتربعة على رأس النظام الدولي بلا منازع –حتى الآن- فهي القوة الأكبر عسكريا واقتصاديا وثقافيا، ومن ثم وحسب المنظور الأميركي، على دول العالم -خاصة الدول الإقليمية الكبرى مثل إيران- أن تنصاع لمطالب ومصالح الطرف الأكثر قوة وحضارة ورقيا، إنها هيبة وكرامة بل مصالح الدولة العظمى التي يجب أن تظل محمية ومحفوظة.

في المقابل تستشعر إيران عناصر القوة الذاتية التي تمتلكها في مواجهة الولايات المتحدة، فالإيمان بالقدرات الذاتية يهيئ مناخ التحدي ورفض الانصياع للخارج ويعمل على استنفار عناصر القوة. ولا غنى أيضا عن إرادة سياسية قوية تدفع ناحية الاستقواء بما هو متاح من موارد حتى لو كانت أقل من الخصم على المستوى المطلق.

وبذلك تضافرت عوامل موضوعية (التهديد الأميركي) وذاتية (نظام ذو رؤية وإرادة) جعلت من التصدي الإيراني للولايات المتحدة –بحذر- مخرج النظام الرئيسي للأمن والاستمرار.

ورغم الطبيعة الصراعية للعلاقات الأميركية الإيرانية، استمر الحوار الأميركي الإيراني بديلا قائما طوال الوقت (بدون تغيير الخلفية العدائية).

وقد تحقق ذلك بالفعل في لحظات مختلفة وحول قضايا بعينها، حيث إن الثقل الإقليمي الإيراني الكبير والمؤثر في كثير من القضايا الإقليمية يتداخل بالضرورة مع النفوذ الأميركي الضخم الذي أضحى تدخله سافرا في شؤون الإقليم. وهذا التداخل بين الأدوار أفرز فترات من التعاون النسبي وسط سياق صراعي عام بين الدولتين.

ويمكن التمييز في العلاقات الأميركية الإيرانية بعد 11 سبتمبر/ أيلول 2001 بين مرحلتين، اتجهت إيران في أولاهما إلى العمل على التهدئة وليس التصعيد خاصة إذا ما سمحت المصلحة الإيرانية بقدر من المساومة.

وارتبط معظم مسار العلاقات في هذه المرحلة بمبادرات أميركية تترك أحيانا مجالا أوسع للتعاون وتقطع في أحيان أخرى سبل التفاهم الممكن.

فخلال الحرب الأميركية على أفغانستان علت نبرة التفاؤل في تطوير العلاقات الأميركية الإيرانية إيجابيا بسبب تعاون إيران لوجستيا. إلا أن هذا التفاؤل تراجع عقب إعلان بوش محوره للشر في يناير/ كانون الثاني 2002، قاطعا أي أمل قريب بإحداث تغيير راديكالي في العلاقات بين واشنطن وطهران.

واستمرت الرغبة الإيرانية في عدم تصعيد التوتر مع الولايات المتحدة واضحة، ثم بدأت إرهاصات المرحلة الثانية في 2004 حيث توترت العلاقات مجددا بين الولايات المتحدة وإيران حول البرنامج النووي الإيراني وبسبب الاتهامات الأميركية لإيران بدعم الجماعات الراديكالية في العراق.

وتكرست أجواء التوتر باعتلاء نجاد سدة الرئاسة الإيرانية حيث حدث تغير تكتيكي تم فيه تصعيد الخطاب الإيراني، وتغيرت المواقع نسبيا، وأصبح الدور على الولايات المتحدة لتتخذ موقع رد الفعل وتتجه أحيانا إلى تبني نبرة التهدئة جنبا إلى جنب مع بعض التصعيد.

وهو ما حدث عندما تحول حديث الرئيس بوش عن التلويح بالقوة العسكرية إلى تكرار الإشارة إلى أهمية الحلول الدبلوماسية للملف النووي الإيراني.

"
الثقل الإقليمي الإيراني الكبير والمؤثر في كثير من القضايا الإقليمية يتداخل بالضرورة مع النفوذ الأميركي الضخم الذي أضحى تدخله سافرا في شؤون الإقليم, وهذا التداخل بين الأدوار أفرز فترات من التعاون النسبي وسط سياق صراعي عام بين الدولتين
"





وجاء تكرار الدعوة الأميركية للحوار مع إيران حول العراق مؤشرا هاما لا ينبغي إغفال دلالاته، فهو بمثابة إعلان عن المرحلة الثانية في العلاقات الأميركية الإيرانية التي بدا فيها الساسة الأميركيون أكثر تقبلا لفكرة الحوار حتى في ظل سياق صراعي عام مع طهران وفي ظل خطاب إيراني تصعيدي.

فبحسب الرئيس أحمدي نجاد لم يحدث أي تقدم حقيقي في جوهر العلاقات الإيرانية الأميركية بعد سنوات طويلة من خطاب هادئ داع للحوار والتفاهم، بل أصبحت إيران دولة في "محور الشر" في عهد الرئيس خاتمي.

فاتجهت إيران إلى تصعيد خطابها مقابل التصعيد الأميركي، على عكس الوضع السابق حين كانت تلجأ عادة إلى التهدئة عند تنامي الضغوط الأميركية. إلا أنه تصعيد من أجل دفع الأخيرة للقبول بالحوار والمساومة مع إيران.

محددات العلاقات بين المتغير والثابت
في ظل ثبات ميزان القوة العام لصالح الولايات المتحدة، حيث تظل إيران قوة إقليمية تواجه قطبا دوليا ولاشك تتسع بينهما الفجوة من حيث القدرات والموارد، إلا أنه أمام ثبات هذه الحقيقة تتغير قدرة الطرفين على المناورة وتعلو أو تنخفض أسقف الحركة المتاحة لكل منهما بناء على التغيرات الحادثة على أرض الواقع.

فأمام الهيمنة الأميركية المتصاعدة على الشرق الأوسط وما تمتلكه الولايات المتحدة من مصادر للقوة الصلدة واللينة المتنوعة سياسيا وعسكريا وثقافيا واقتصاديا، نجد أن طهران قد تحسن موقفها أمام واشنطن نسبيا في الآونة الأخيرة بحيث غدت عناصر ضعف الإستراتيجية الأميركية ونقاط قصورها موردا رئيسيا للقوة الإيرانية.

ويمكن الإشارة إلى محددات زادت من رصيد القدرات الإيرانية على النحو التالي:
1- المرحلة المتقدمة التي وصل إليها البرنامج النووي الإيراني على الأقل من ناحية المعرفة التقنية.

2- القدرات العسكرية المتطورة التي أصبحت في حوزة إيران.

3- فشل السياسات الأميركية في الشرق الأوسط والتي كشفت عن تخبط ممزوج بنوايا إثارة الفوضى في العراق، الأمر الذي أفضى إلى الهزيمة السياسية والإستراتيجية هناك وحوّلها إلى مستنقع يصعب الخروج منه، وأعطى لطهران ساحة رئيسية للنفوذ والمساومة مع واشنطن.

4- ضعف حلفاء الولايات المتحدة سواء جماعة بسبب تفكك الجبهة العربية أو فرادى لأن غالبيتهم نظم لا تستقوي إلا على شعوبها ولا تبدو قوة حكامها إلا تجاه محكوميها، في حين أنها دول هشة وضعيفة ولا تملك تقديم دعم قوي لواشنطن في مواجهتها ضد طهران.

ومن هنا مثل معسكر المعتدلين في المنطقة عبئا أكثر من كونه رصيدا يعضد من قوة الولايات المتحدة في مواجهة إيران.

5- إنجازات حلفاء إيران مثل أداء حزب الله وحماس، الأمر الذي مكن طهران من لعب دور إقليمي أكبر يجبر واشنطن على عدم تجاهلها بعد الآن. هذا بالإضافة إلى استمرار التحالف مع سوريا قويا ومتينا رغم الضغوط الأميركية.

الملفان النووي والعراقي على قمة الأجندة

"
قضيتا الملف النووي والعراق تحتلان مواقع متقدمة من اهتمام وأولويات كلا الجانبين الأميركي والإيراني، حتى يمكن القول إنه يتم توظيف باقي القضايا لخدمة هذين الملفين في المقام الأول
"
تغير ترتيب القضايا العالقة في أجندة العلاقات الأميركية الإيرانية بعد 11 سبتمبر/ أيلول 2001 أكثر من مرة في ظل تعددها وتشابكها.

ومع التداخل الشديد بين القضايا طغى بعضها في أوقات معينة: فمن الحرب على طالبان، إلى الحرب على الإرهاب، إلى دعم الديمقراطية الغائبة في إيران، إلى حظر أسلحة الدمار الشامل، إلى الاحتلال الأميركي للعراق، إلى العدوان الإسرائيلي على لبنان، إلى الموقف من حماس.

لكن تظل قضيتا الملف النووي والعراق تحتلان مواقع متقدمه من اهتمام وأولويات كلا الجانبين الأميركي والإيراني، حتى يمكن القول إنه يتم توظيف باقي القضايا لخدمة هذين الملفين في المقام الأول.

لماذا؟ لسببين رئيسيين:
1- أنهما يمسان بشكل مباشر مكانة كل دولة وأمنها القومي، وأي تغيير جذري فيهما يعني تغييرا راديكاليا في ميزان القوة بينهما.

2- الضغوط الداخلية في كلا البلدين، حيث يضغط الداخل الأميركي لسحب القوات الأميركية من العراق في حين توحد الداخل الإيراني حول المضي قدما في البرنامج النووي.

ويستخدم الطرفان الصراعات الإقليمية وقضايا المنطقة كأدوات لإدارة الصراع النووي، حتى أن كثيرا من المحللين اعتبر أن المسألة العراقية -على أهميتها المحورية- توظف من الجانبين للتأثير على مسار الملف النووي الإيراني.

ولكن بسبب الضغوط الداخلية برز العراق كساحة أولى بالاهتمام وأكثر إلحاحا في العقلية الأميركية على الأقل في المدى القريب، فإذا ما جاز القول إن البرنامج النووي أضحت له أولوية قصوى على قمة الأجندة الإيرانية في ظل إجماع داخلي داعم له من الصعب إحباطه، فإن العراق في المقابل وبسبب تعاظم المعارضة الأميركية الداخلية لسياسات بوش في العراق أصبحت القضية الحالة والمستعجلة التي لابد من احتواء تداعياتها لدى الإدارة الأميركية.

وبالطبع هذا لا ينفي أهمية كلا الملفين النووي والعراقي في تحديد مسار العلاقات الأميركية الإيرانية، حتى أن القضايا الهامة الأخرى مثل الأوضاع في فلسطين ولبنان وأفغانستان إنما توظف من أجل خدمة هاتين القضيتين في المقام الأول.

وبالنظر إلى تجذر الصراع مع إيران يمكن تفهم الإصرار الأميركي على حسم أزمة الملف النووي الإيراني بشكل لا يسمح لإيران بحوزة أسلحة نووية أو حتى بامتلاك معرفة تقنية نووية.

الموقف الإيراني خلال أزمة الملف النووي الإيراني يبنى على المنطق الحقوقي، بينما يقوم الموقف الأميركي على منطق التسييس. فالإيرانيون يستخدمون حقا شرعيا تكفله معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية في الاستخدام السلمي -حتى الآن- للطاقة النووية، في حين يسعى الأميركيون لمحاكمة طهران على النوايا التي تراها ستدفع إيران إلى تطوير الإمكانيات العسكرية لبرنامجها النووي.

وإلى وقتنا هذا لم يتناول الحوار الأميركي الإيراني الملف النووي الإيراني بشكل مباشر، بل ما زال هذا الملف خاضعا لمفاوضات دولية وغربية بالأساس، وتم في إطارها رفض عرض البرادعي بالسماح بتخصيب محدود لليورانيوم مقابل رقابة دولية مشددة، واستمرت الولايات المتحدة تدفع في اتجاه تشديد العقوبات الدولية المفروضة على إيران مع إبقاء الخيار العسكري مطروحا.

ومع الإصرار على تخصيب اليورانيوم، تستمر إيران في التقليل من جدوى العقوبات ومن إمكانية توجيه ضربة عسكرية أو حتى نجاحها إن نفذت.

بالنسبة إلى المسألة العراقية، رغم اشتراك كل من إيران والولايات المتحدة حول مصلحة إستراتيجية واحدة هي العمل على خلق عراق مستقر -وإن اختلفت درجة وطبيعة الاستقرار المقصود لدى كل طرف- فإنهما اختلفا حول المسؤول عن الأزمات الكبرى التي يعانيها العراق حاليا.

"
الإيرانيون يستخدمون حقا شرعيا تكفله معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية في الاستخدام السلمي -حتى الآن- للطاقة النووية, بينما تسعى الولايات المتحدة إلى محاكمة طهران على النوايا التي تراها ستدفع إيران إلى تطوير الإمكانيات العسكرية لبرنامجها النووي 
"
إيران تدعو إلى ضرورة تسليم الولايات المتحدة الحكم الفعلي لحكومة عراقية وأن تسمح بقيام قوات أمنية عراقية قوية، كما تتبنى موقفا ناقدا لمسلك القوات والسياسة الأميركية في العراق وتراه السبب الرئيسي وراء ظهور العنف الطائفي والفوضى العارمة..

في حين أنه حتى جولة المفاوضات الأخيرة في يوليو/ تموز 2007، ظلت الولايات المتحدة تلقي بتبعة تدهور الأوضاع الأمنية على مساندة إيران المتنوعة والمستمرة للمليشيات المسلحة خاصة الشيعية منها، الأمر الذي أدى إلى إذكاء الطائفية ونشر الإرهاب.

وتحت وطأة الضغوط الداخلية، تخلت الولايات المتحدة عن شروط سبق أن أعلنتها لبدء حوار حول العراق، منها: قيام إيران بدعم الحكومة العراقية المنتخبة ديمقراطيا وعدم دعم الطائفية والتخلي عن مساندة من تسميهم الإرهابيين سواء بالأسلحة أو المال.

أما من أجل حوار أشمل وأوسع، فعلى إيران وفق إدارة بوش إيقاف أنشطة تخصيب اليورانيوم. إلا أن الحوار حول العراق بدأ بدون التمسك بأي من الشروط السابقة، بل تواصل في ظل استمرار الاتهامات الأميركية لإيران بدعمها للمليشيات المسلحة في العراق.

فبسبب تدهور الأوضاع في العراق لم يعد ممكنا الاستمرار في تجاهل إيران، لذا تشكلت مؤخرا لجنة إيرانية أميركية عراقية مشتركة لمتابعة مشكلة الأمن في العراق.

ورغم سلبية المناخ بين الدولتين انعقدت جولة المفاوضات الثانية حول العراق، الأمر الدال على احتلال الحوار -حتى التكتيكى الجزئى- مكانة هامة في العلاقات الأميركية الإيرانية رغم الطبيعة الصراعية لهذه العلاقات.

مستقبل تطور العلاقات الأميركية الإيرانية
هذا يقودنا إلى التساؤل عن احتمالات تطور العلاقات الأميركية الإيرانية في المستقبل، لذا يمكن تصور سيناريوهين رئيسيين يتمثل أولهما في المواجهة الشاملة المتصاعدة، فيتم افتراض استمرار مواجهة شاملة تعدد مستوياتها ما بين رفض الحوار إلى تصعيد العقوبات إلى طرح الخيار العسكري في نهايته.

وتدعم عدة مؤشرات هذا السيناريو:

1- الطبيعة الخاصة لكلا النظامين الأميركي والإيراني حيث إن الهياكل الداخلية في الدولتين تدفع إلى المواجهة بسبب الطابع التبشيري الأيدولوجي في رسالة كل نظام.

2- الضغوط القادمة من بعض القوى الإقليمية -خاصة إسرائيل- التي تدفع إلى المواجهة.

3- تزداد احتمالات التصعيد في حال اقتصار الخيار العسكري على ضربة عسكرية محدودة تمهد لها عمليات تضييق الخناق الاقتصادي والدبلوماسي وتتزامن مع عمليات تخريبية في الداخل.

وبحسابات الرشادة السياسية، يصعب تصور أن تندفع الولايات المتحدة في تصعيد مواجهتها مع إيران إلى حد العمل العسكري، حيث إن سيناريو الحرب المحدودة أمر غير وارد لأن التصعيد سيستمر حتى الوصول إلى الحرب الشاملة، إذ بعد بدء الحرب لا يمكن احتواء تداعياتها.

وأعطت عملية غزو العراق مثالا حيا على ذلك حيث دخلت القوات الأميركية بزعم بناء نظام، وتحول الأمر إلى مساع حثيثة لبناء أمة.

ولا تزداد احتمالات توجيه ضربة عسكرية محدودة -وربما نووية تكتيكية- إلا إذا غلب منطق المقامرة والمجازفة على عملية اتخاذ القرار الأميركي، تحت ضغوط ضرورة كسب شعبية للحزب الجمهوري الذي يواجه موقفا صعبا في انتخابات الرئاسة القادمة، إذ قد لا تتغلب عوامل التريث والاتزان والعقلانية، فنحن أمام إدارة أميركية بخلفية أيدولوجية متشددة بل ويعاني حزبها من تدهور واضح في شعبيته.

"
في حال اتباع حسابات المكسب والخسارة وتحييد الضغوط الأيدولوجية، من المرجح أن يستمر مسار التفاوض بين أميركا وإيران مع إبقاء الطابع الصراعي التنافسي سمة رئيسية غالبة على العلاقات بينهما
"
أما عن سيناريو الحوار المحدود والمحسوب، فيقوم على أساس إمكانية إجراء حوار جزئي مرحلي في إطار عام من الصراع والتنافس. فرغم الطبيعة الصراعية للعلاقة بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية، أثبتت الخبرة التاريخية إمكانية فتح حوار بشكل غير مباشر أو مباشر في أحيان متعددة بين الدولتين.

غير أن تعاونا جزئيا مرحليا يظل يحدث في لحظة تاريخية بذاتها ومشروط بزوال المقتضيات التي دعت له والتي غالبا ما ترتبط بمصلحة حالة وقصيرة المدى، ولكنها لا تؤثر على المسار العام والطبيعة الصراعية للعلاقة القائمة على التوتر والتنافس أكثر من التعاون.

وأتى الحوار حول المسألة العراقية في هذا السياق المتقبل لحوارات جزئية مرحلية حول قضايا بعينها، ولا يعمل على حل القضايا الخلافية المختلفة على عمومها لتغيير مسار العلاقة بشكل راديكالي طويل المدى.

تدفع عدة حجج إلى ترجيح سيناريو السماح بحوار محدود يفتح الطريق أمام حدوث مساومات إيرانية-أميركية جزئية ومرحلية:

1- حاجة كل منهما للآخر ليس في قضية واحدة بل في عدد من القضايا الهامة تتشابك المصالح حولها، ومن هنا فأي مفاوضات حول العراق على سبيل المثال تعني تناول مسائل أخرى عالقة ولو على المدى المتوسط.

2- عدم حسم الرأي داخليا في كل من الدولتين خاصة على الصعيد الأميركي.

3- تبرز التجارب التاريخية السابقة تفضيلا لاستبعاد المواجهة، فغالبا ما تحدث مساومات وصفقات من خلال الدبلوماسية الموازية التي تتم بطريقة سرية.

4- يدفع الإطار الدولي الحالي تجاه الحلول السلمية، بل إن الموقف الروسي والصيني يضع سقفا حتى لخيار الضغوط السياسية والاقتصادية.

5- تزداد كلفة الخيار العسكري لحسم الصراع مع إيران خاصة حول البرنامج النووي لعدة أسباب أهمها امتلاك إيران قدرات عالية للردع والرد القاسي والموجع.

وتبقى الإشارة إلى إمكانية استخدام سلسلة العقوبات الاقتصادية التي أقرها مجلس الأمن كأدوات خادمة لأي من السيناريوهين، وتتوقف النتائج على القرار الأميركي بالأساس: هل يبقي العقوبات أداة لدفع الحوار مع إيران أم للتمهيد لتصعيد المواجهة معها.

وفي حال اتباع حسابات المكسب والخسارة وتحييد الضغوط الأيدولوجية، من المرجح أن يستمر مسار التفاوض بين الدولتين مع إبقاء الطابع الصراعي التنافسي سمة رئيسية غالبة على علاقاتهما البينية، وهي السمة التي تفتح الباب أمام استخدام أدوات متنوعة لحسم الصراع يتمازج في إطارها الحوار مع أداة العقوبات.

فبينما تلجأ الولايات المتحدة إلى الحوار بشأن العراق تتجه إلى التصعيد في الملف النووي اعتمادا علي سلسلة من العقوبات المتزايدة، ملوحة بالخيار العسكري من وقت لآخر (وهو الخيار الأخير والأصعب بسبب الثمن الباهظ الذي على الجميع دفعه بدون استثناء).

وفي المقابل، تقبل إيران بالحوار في القضيتين لما له من مكاسب عدة أقلها أهمية كسب عامل الوقت الذي يسير حتى الآن في صالحها.
ـــــــــــــــ
كاتبة مصرية

المصدر : الجزيرة