صالح السنوسي

صالح السنوسي

أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة بنغازي


عندما يعلن الرئيس بوش أن الولايات المتحدة موجودة في العراق بدعوة من حكومتها، وأن العراق بلد ذو سيادة سترحل عنه القوات الأميركية إذا طلبت حكومته ذلك، فإنه يعلم قبل غيره أن هذا القول بعيد عن حقيقة الواقع، لأن الولايات المتحدة لم يدعها أحد عندما قررت غزو العراق بل كان قرار الغزو ضد رغبة المنظمة الدولية والمجتمع الدولي، ثم إن ما جرى بعد ذلك من مسرحية نقل السيادة إلى الحكومة العراقية لم يصدقه أحد بما في ذلك الحكومة نفسها.

"
أميركا تتصور أنه بعد تصفية المتطرفين في العراق ستكون الساحة شبه خالية أمام القوى الليبرالية التي تعتبرها موالية لها والتي تستطيع أن تحيك قميصا ديمقراطيا بالمقاييس التي لا تتعارض مع مصالحها الجوهرية في المنطقة
"
لم تأت الولايات المتحدة إلى العراق من أجل أن ترحل بناء على طلب حكومة هي التي نصبتها تحت ظلال حراب المارينز، فقد كان غزو العراق تتويجا عمليا لنظرية القوة الوحيدة في العالم التي نظر لها منظرو اليمين من أمثال بول نيتز وريتشارد بيرل وبول ولفويتز وغيرهم.

لم يكن غزو أفغانستان يصلح كبداية لتطبيق هذه النظرية لأن تلك الحرب نالت التأييد العلني من معظم حكومات العالم، كما أنها تمت بحجة الدفاع عن النفس، وذلك النوع من الحروب يقره ميثاق الأمم المتحدة بشروط معينة.

لهذا فإن الولايات المتحدة لم تعتبر ما قامت به في أفغانستان تطبيقا أو اختبارا حقيقيا لنظرية القوة العالمية الوحيدة، لأن هناك إيحاء بأن ذلك تم تحت مظلة شرعية دولية أقرها نظام دولي لم تكن هي القوة الوحيدة فيه.

كان غزو العراق هو التطبيق الحقيقي لهذه النظرية، إذ تم خارج شرعية النظام الدولي ودون اكتراث بالقواعد الآمرة في القانون الدولي.

غير أن ما يهمنا في هذه النظرية هو تداعيات تطبيقاتها على المنطقة العربية، فغزو العراق واحتلاله كان بالنسبة للولايات المتحدة نقطة البداية في مخطط التغيير في المنطقة على ضوء مستجدات ما بعد الحادي عشر من سبتمبر/أيلول.

لم يكن اختيار الولايات المتحدة للعراق كأول تطبيق حقلي لهذه النظرية يرجع فقط إلى أهمية العراق والمنطقة بالنسبة للإستراتيجية الأميركية المتعلقة بالنفط وإسرائيل وخرائط سايكس بيكو، بل كانت هناك أيضا أسباب جدية تتعلق بتوفر شروط نجاح التمرين الأول في هذه النظرية، لأن صناع القرار السياسي الأميركي كانوا يرون في المنطقة العربية الحقل الأكثر ملاءمة لهذه البداية التطبيقية نظرا لعدة اعتبارات.

أولا: اعتبار المنطقة أكثر مناطق العالم تبعية وخضوعا للولايات المتحدة والغرب عموما، إلى جانب وجود روح الصراع والتآمر بين أنظمتها السياسية، مما يجعل انضمامها إلى مشروع الغزو الأميركي للإطاحة بالنظام العراقي أمرا في حكم المؤكد، ولاسيما أنها أنظمة قوية في الداخل يستأسد حكامها على شعوب ذليلة فاقدة لروح الفعل الجماعي.

ثانيا: لم يكن من المتوقع أن يبلغ رد الفعل المقاوم في العراق هذا الحد، ولم يتوقع مخططو الغزو الأميركي أن يصل سوء الوضع العسكري إلى الحد الذي بلغه بعد الغزو.

رغم أن المخابرات الأميركية –كما كشف عن ذلك فيما بعد- قد حذرت من أن احتلال العراق لن يكون نزهة أميركية وقد يترتب على ذلك تقسيم العراق، فإنه لا أحد من الذين قرأوا التقرير أعاره الاهتمام.

بل إن الكثير من أعضاء الكونغرس الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء لم يقرؤوه رغم أنه كان تحت تصرفهم، فقد كانت –كما قال بعضهم لاحقا- تسيطر على الجميع حمى الحرب التي ظن الكثير منهم أنها ستكون نزهة شبيهة بحرب الخليج الثانية.

ثالثا: كان مخططو الغزو الأميركي يتوقعون ردات فعل متشنجة هنا وهناك، ولكن الأهم هو تصورهم بأن العراق سيكون مقبرة لكل الجماعات التي تدفعها هستيريا التطرف الديني، فتأتى ساعية إلى حتفها حيث ستكون في انتظارها –كما قال الرئيس بوش- القوة الأميركية الجاهزة ليتم القضاء عليها بعد استدراجها إلى الفخ العراقي.

"
التجربة أثبتت أن الغرب كثيرا ما يستدرج القوى التي يعتبرها معادية لإستراتيجيته في المنطقة ثم يجرها في المكان والزمان الذي يختاره إلى معركة خاسرة ومذلة تفقد فيها كل ما لديها وما لدى أطروحاتها المعادية للغرب من جاذبية لدى الجماهير
"
وهذا بالطبع سيؤدى بدوره حسب التصور الأميركي إلى عدة نتائج منها:
1- تؤدى تصفية هذه الجماعات إلى القضاء على زخم قوتها وشعبيتها في الأقطار العربية، وذلك في حد ذاته يعد مكسبا ونقلة إستراتيجية على طريق تأمين أفضل وضع لشق المسار الديمقراطي في هذه المنطقة التي تعاني من أنظمة دكتاتورية تتصارع مع المتطرفين والمتعصبين وتدفع بهم دون أن تدري إلى تعويض هزائمهم وكبتهم عن طريق ممارسة العنف والإرهاب ضد الغرب ومصالحه في المنطقة.

ولهذا فإن احتلال العراق بعد زوال حجة أسلحة الدمار الشامل، يمكن أن يؤدي إلى القضاء على الاثنين معا، أي المتطرفين والأنظمة.

هذه الأنظمة في نظر الولايات المتحدة لن تستطيع أن تصمد أمام المد الديمقراطي الذي يرعاه الوجود الأميركي في العراق في وقت تخلو فيه الساحة من قوى التطرف المعادية للغرب, والتي كانت تشكل البديل عن الأنظمة في حالة فتح الباب أمام التنافس الديمقراطي بين جميع القوى السياسية.

بعد تصفية هؤلاء ستكون الساحة شبه خالية أمام القوى الليبرالية التي تعتبرها الولايات المتحدة موالية لها، والتي تستطيع أن تحيك قميصا ديمقراطيا بالمقاييس التي لا تتعارض مع أية مصلحة جوهرية للولايات المتحدة في المنطقة.

أما القوى الديمقراطية الأخرى غير الموالية، والتي لها مواقف محددة وواضحة من مصالح الغرب غير الشرعية، فإن حلفاء الولايات المتحدة الليبراليين ومنظريهم يستطيعون هزيمة أصحابها عن طريق وصف بعضهم بأنهم ما يزالون يعيشون في زمن الحرب الباردة، وبعضهم الآخر بأنهم قادمون من زمن العنتريات الأسود المجلل بهزائم يونيو/حزيران واحتلال بيروت وبغداد إلى جانب سراديب التعذيب ومصادرة الحريات.

وبالتالي فإن هزيمتهم مهمة سهلة بالنظر إلى ماضي الأنظمة التي كانت وبعضها ما يزال يرفع الشعارات نفسها، ويمارس تلك الممارسات.

2- في حالة القضاء على أكبر عدد من هذه الجماعات وإذلال من يبقى منهم حيا في المواجهة على أرض العراق، فإن ذلك سيجعل شعبيتهم في الحضيض.

وقد أثبتت التجربة التاريخية في المنطقة أن الغرب كثيرا ما استدرج القوى التي يعتبرها معادية لإستراتيجيته في المنطقة ثم يجرها في المكان والزمان الذي يختاره إلى معركة خاسرة ومذلة تفقد فيها كل ما لديها وما لدى أطروحاتها المعادية للغرب من جاذبية لدى الجماهير، بينما يعلو شأن حلفائه باعتبارهم عقلاء وواقعيين ومعتدلين لا يعاندون القضاء والقدر الغربي.

كان ذلك على ما يبدو جزءا من التصور الأميركي لمخطط غزو العراق وحمل لواء الديمقراطية، غير أن حسابات البيدق لم تتفق مع حسابات الحقل العراقي لأسباب من أهمها:

أولا: إن الأنظمة السياسية العربية التي وجدت نفسها مستهدفة من خلال رفع الولايات المتحدة لواء الديمقراطية، لم تعد جادة في استمرار التعاون مع الاحتلال مثلما فعلت عند بداية الغزو، بل إن بعضها قدم تسهيلات وبعضها الآخر غض البصر عن تدفق المقاتلين إلى العراق وبذلك فقدت الولايات المتحدة ثقة حلفائها المخلصين لها دوما قبل أن تتمكن من إيصال بدائلهم بالطرق الديمقراطية إلى حكم هذه البلدان.

"
تطبيق تجربة الصراع مع التيار القومي على الصراع مع التيارات الإسلامية تفتقد أوجه المقارنة، إذ ليس لهذه الجماعات أنظمة ودول وجيوش يمكن جرها إلى معارك وهزيمتها واحتلال أراضيها
"
وقد بدت الاستحقاقات التي تطلبها الولايات المتحدة من هذه الأنظمة غاية في التناقض، فمن ناحية تريد منهم أن يتحالفوا معها ضد القوى التي تقاتل ضد وجودها العسكري في العراق، وأن تفتح من ناحية أخرى الطريق أمام الأطروحة الديمقراطية، وهذا يعنى في حقيقة الأمر أنه على هذه الأنظمة أن تسعى إلى حتفها بقدميها.

لا شك أن هذا التناقض بين مصالح الطرفين كان في مصلحة القوى التي تقاتل الاحتلال الأميركي في العراق، إذ رأت الأنظمة من مصلحتها أن تتخلص من هذه الجماعات لتمارس العنف بعيدا عنها ضد الأميركيين في العراق عملا بالمثل القائل "فخار يكسر فخارا" إلى أن تنضج معطيات أخرى ويفهم الحليف الأميركي أنه أخطأ في قراءة الأوضاع في المنطقة وأنه ليس بإمكانه الاستغناء عن حلفائه الحقيقيين.

ثانيا: كانت تقديرات الجانب الأميركي خاطئة لقدرات هذه الجماعات المقاتلة وما تمثله من امتدادات في المجتمعات العربية، فالتعويل على هزيمتها وإذلالها وبالتالي تجريدها من شعبيتها كان تصورا في غير محله.

إن محاولة تطبيق تجربة الصراع مع التيار القومي على الصراع مع التيارات الإسلامية تفتقد أوجه المقارنة، إذ ليس لهذه الجماعات أنظمة ودول وجيوش يمكن جرها إلى معارك وهزيمتها واحتلال أراضيها وكشف عوراتها السياسية والاجتماعية على غرار ما فعلته أميركا مع تلك الأنظمة.

فالحرب وخسارة المواجهات الميدانية مع جيوش وتكنولوجيا الغرب لا تعنى الهزيمة بالنسبة لهذه التيارات التي ترى أي مواجهة مع الغرب نصرا دنيويا أو أخرويا، ولا وجود لمعنى الهزيمة في قاموسها الاستشهادي.

بل إن ضراوة المواجهة وإعلان الحرب عليها يعد بمثابة التغذية العكسية التي تجذرها وتضاعف من امتداداتها، في نسيج مجتمعات ذليلة مقموعة ومحتقرة من قبل حكامها والغرب معا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك