غازي دحمان

غازي دحمان

كاتب سوري


رغم التوجه السلمي الذي تحاول أن تكرسه مبادرة السلام العربية المدفوعة بقوة من النظام الرسمي العربي، ورغم الزخم الدبلوماسي الذي تشهده المنطقة في محاولة لحلحلة الأزمات والملفات الساخنة من العراق إلى فلسطين، ثمة مسار آخر ازدهرت براعمه في خريف 2006، ويتوقع أن تينع ثماره في صيف 2007.

إنه مسار الحرب، الذي باتت تفاصيلها وتكتيكاتها وتجهيزاتها اللوجستية والنفسية تحتل مساحة كبرى في ذهنية صناع القرار في كل من إسرائيل وسوريا، باعتبار أنها تمثل الحل الأمثل لإنقاذ النخب السياسية والعملية السياسية في المجتمعين، فضلا عن أثرها في الحفاظ على الكيانين السياسيين والوحدة الوطنية فيهما.

"
تفاصيل الحرب وتكتيكاتها وتجهيزاتها اللوجستية والنفسية باتت تحتل مساحة كبرى في ذهنية صناع القرار في كل من إسرائيل وسوريا، باعتبار أنها تمثل الحل الأمثل لإنقاذ النخب السياسية، والعملية السياسية في المجتمعين
"
لقد أسست حرب لبنان صيف 2006 لمثل هذا الاحتمال وجعلته شبه حتمي، في ظل سياقات لم يجد قادة البلدين خيارات أخرى غير تطويرها وإنضاجها، وصولا إلى حالة الترتيبات العسكرية المتسارعة التي يجريها الطرفان، حسب تقارير دولية، وكذلك عمليات الرصد المتبادلة من الطرفين، كما ساهمت المعطيات الدولية والوقائع الإقليمية في تعويم مثل هذا الاحتمال.

ورغم أن الخطاب السياسي، الإسرائيلي تحديدا، لا يواكب التحضيرات اللوجستية على الأرض، ولذلك أسبابه السياسية المتعلقة بالزخم السياسي الرامي إلى تفعيل المسار السلمي في المنطقة، حيث لا تريد إسرائيل أن تظهر أمام الرأي العام العالمي بمظهر الساعي للحرب، خاصة أن الدول العربية، بما فيها سوريا، أبدت استعدادها للدخول في عملية تفاوضية مع إسرائيل دون أي شروط مسبقة.

إلا أن هذا الأمر تقف دونه جملة من العوائق، وعلى الطرفين السوري والإسرائيلي وكذلك البيئتان الدولية والإقليمية:

1- بالنسبة لإسرائيل، فإن حالة الضعف التي تعاني منها القيادة السياسية الحالية تجعلها غير مؤهلة وقادرة على الوفاء بالاستحقاقات التي تتطلبها عملية السلام، خاصة ما تعلق منها بالتنازل عن أراض جديدة، ليس بالنظر لأهمية الأرض في الإستراتيجية الإسرائيلية، وإنما انطلاقاً من واقع إدراك القيادة والمجتمع الإسرائيلي، بأن التنازل عن أراض في ظل حالة الضعف التي تعيشها إسرائيل هو بحد ذاته هزيمة الهزائم.

وبالتالي فإن الاحتفاظ بالأرض هو تكريس لحالة الانتصار التاريخية على العرب، فالقضية رمزية إلى درجة بعيدة، في ظل تآكل القدرات على أرض الواقع، أو على الأقل، في مرحلة تعيد فيها إسرائيل تعريف القوة، بعد فشل القوة التقليدية في تحقيق الأهداف الإسرائيلية، سواء في فلسطين أو لبنان.

ثمة عامل آخر على الجانب الإسرائيلي لا يقل أهمية، وهو الصراع الداخلي الذي تعيشه النخبة السياسية في إسرائيل بين مختلف مكوناتها، وهذا الصراع لا يخص حزبا أو فئة معينة، بقدر ما هو صراع جيل سياسي وعسكري بكامله بأدواته وأيديولوجياته وقيمه، في مواجهة متغيرات ووقائع داخلية وخارجية، باتت تفرض نفسها على إسرائيل بقوة، هذا الجيل من المتوقع ألا يسلم ببساطة، كما أنه لن يخلي الساحة قبل أن يحاول إثبات قدراته ورؤاه.

2- في المشهد السوري، تأخذ الأمور شكلا مشابها وإن بطريقة أخرى، ذلك أن سوريا التي تواجه حربا دبلوماسية نتيجة سياسة العزل التي تمارسها واشنطن عليها، وفي ظل مواجهتها لاستحقاقات دولية عديدة رسختها حزمة القرارات الصادرة ضد سوريا بالتواتر منذ العام 2005، والتأييد العربي الواضح سواء للقرارات الدولية أو لسياسة واشنطن تجاه دمشق.

"
سوريا رفعت سقف خطابها، لدرجة بات الحديث عن الحرب، الذي طالما استبعدته من قاموسها في الثلاثين عاما الأخيرة، أمرا طبيعيا، وما زاد من هذا الاحتمال، تراجع الدور الإقليمي لسوريا في السنتين الأخيرتين
"
هذه الأمور كلها دفعت سوريا في ظل حال الانسداد التي يواجهها المسار السياسي في المنطقة إلى تصعيد خطابها السياسي وإجراءاتها العسكرية على الأرض، فلم يكن كلام وزير الإعلام السوري محسن بلال، عن احتمال لجوء سوريا إلى الخيار العسكري لاسترجاع الجولان مقطوع الصلة عن السياقات التي تعيشها سوريا منذ الحرب الأخيرة.

فقد اضطرت سوريا إلى رفع سقف خطابها، لدرجة بات الحديث عن الحرب، الذي طالما استبعدته سوريا من قاموسها في الثلاثين عاما الأخيرة، أمرا طبيعيا، وما زاد من هذا الاحتمال هو تراجع الدور الإقليمي لسوريا في السنتين الأخيرتين، سواء نتيجة المتغيرات التي شهدتها المنطقة، أو لارتفاع حدة ووتيرة صراع الأدوار بين دول المنطقة.

3- حالة العسكرة القصوى، التي أدت إلى رفع أهمية عنصر الجيش في سياسة كل من إسرائيل وسوريا، نتيجة للظروف الأمنية المرتبكة في المنطقة عموما وبين الطرفين على وجه الخصوص، وقد أدت التجهيزات اللوجستية، وعمليات التخطيط العسكري في الجانبين، إلى علو الشأن العسكري، وزحفه على الحقول السياسية، لدرجة بات يحدد شكل السياسات والتوجهات السياسية وطبيعتها، وحتى آفاقها المستقبلية.

ولا شك أن هذه الحالة من الصعب الخروج منها، في حال بقي الجنود يحتفظون بكامل حيويتهم، وسيكون لها أثر سلبي على النخب السياسية في الطرفين، وعلى تركيبة وعمل النظام السياسي لديهما.

4- يشكل عنصر البيئة الدولية عاملا مساعدا على رفع وتيرة حالة التوتر بين الجانبين، ودافعا لنشوب الحرب بينهما، فالظروف الدولية التي يعيشها النظام العالمي، خاصة بين أطرافه الفاعلة والمؤشرة، التي توترت في أكثر من بقعة ومجال في العالم إن كان بين بكين وواشنطن حيث الخلافات التجارية المزمنة والصراع على الفضاء المستجد بينهما، أو بين موسكو وواشنطن بشأن نظام الدفاع الصاروخي الذي تنوي واشنطن نشره في أوروبا الشرقية.

هذه الإشكاليات وغيرها لا شك أنها ستغري هذه الأطراف إما لمنازلة غير مباشرة أو للبحث عن مخرج لتنفيس الاحتقان بينهما، وإعادة صياغة الترتيبات بينهما على أسس جديدة ومختلفة تبدأ من الشرق الأوسط، الذي يبدو أنه بدأ يفقد دوره وأهميته في الإستراتيجيات العالمية، سواء بالنسبة لموقعه الإستراتيجي الذي فقده لصالح منطقة شمالي وجنوب آسيا، أو بالنسبة لنفطه، الذي باتت الاكتشافات النفطية في أفريقيا وسواحلها تهدد إمكانية بقاء الاعتماد عليه على ماهي عليه في الفترات السابقة.

وثمة معطيات أخرى تحاول جاهدة أن تتعلق على قاطرة الخطر التي تسير حثيثا صوب الجبهات، كالفشل الأميركي في العراق وانكسار مشروع بوش في المنطقة، وحال الانسداد في الساحات اللبنانية والفلسطينية والتوتر الذي تشهده الحدود التركية العراقية، ناهيك عن الملف المعقد جدا في طهران.

"
ما يزيد من احتمالية نشوب الحرب هو ارتفاع أسهمها نظرا لاتساع حجم الرهانات والآمال الكبيرة المعقودة عليها لدرجة تبدو معها هذه الحرب فرصة مهمة للكثير من الأطراف، لكن ذلك لا يلغي احتمال تأجيلها أو إلغائها إن حصلت متغيرات مهمة
"
ما يزيد من احتمالية نشوب هذه الحرب ارتفاع أسهمها نظرا لاتساع حجم الرهانات والآمال الكبيرة المعقودة عليها لدرجة تبدو معها هذه الحرب فرصة مهمة للكثير من الأطراف، حيث ستمنح إدارة بوش فرصة أكبر للاستمرار في تجريب إستراتيجياتها في العراق، كما ستمنح إيران فرصة أكبر للاستعداد لأي مواجهة في المستقبل، فضلا عن أنها ستمنحها فرصة لمعرفة شكل المواجهة التي تنتظرها.

وربما من وجهة نظر الإيرانيين ستكون هذه الحرب طريقا للتسويات الكبرى في المنطقة، على اعتبار أن المنطقة لا تحتمل أكثر من خضة، وبالنسبة للنظام العربي فإن هذه الحرب ستكرس قيادة الجناح المعتدل نهائيا، وتنهي حالة الانقسام التي عاشها النظام الرسمي مؤخرا.

يبقى السؤال، لماذا الحرب في الصيف؟ لأسباب عدة: سيكون هناك جملة من القضايا باتت تحتاج إلى الحسم، كما أن الكثير من الاستحقاقات ستكون قد أزفت، إضافة إلى أن الكثير من التحركات الدبلوماسية والمبادرات السياسية ستكون قد أشرفت على نهاياتها، بالطبع ذلك لا يلغي احتمال تأجيل الحرب أو إلغائها إن حصلت متغيرات مهمة، ولكن الصعوبة تكمن في إمكانية حصول هذه المتغيرات على طيف واسع من القضايا المعقدة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك