جهاد السعدي

- وجوه الاتفاق
- نقاط الاختلاف

كانت النية قبل كتابة هذا المقال التعرض بشيء من القراءة المتأنية لمبررات تكرار نقد و"خدش" الرجل الثاني في تنظيم القاعدة أيمن الظواهري المتوالي للمسار الجهادي والسلوك السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) بواقع 4 تسجيلات اعتبرت بمثابة الخروج عن السمة التقليدية لموضوعات الخطابات السابقة التي كان يتجنب فيها نقد المدارس الأخرى المخالفة لنهج القاعدة في موضوع الجهاد.

لكني آثرت التقديم بمقال يسبق هذه القراءة يتناول ما كتب ونشر من نقديات وتعريفات تحدثت عن علاقة التشابه والتضاد بين تنظيم القاعدة وحركة حماس بوصفهما يتصدران مشهد التيارات الإسلامية الجهادية في العصر الحديث.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن التأسيس الفلسفي لمثل هذه الحوارات أو المقالات يتأتي من الاعتبار الذي يشير إلى الاختلاف كسنة إلهية كونية، على أن يكون ذلك الاختلاف اختلاف تنوع بين هذه المدارس لا اختلاف تضاد، اختلاف تكامل وتقسيم للرؤى والفعل الجهادي لا اختلاف تنازع وسيطرة.

والناظر إلى طبيعة الخط الجهادي لكلا الطرفين يلمس دون حاجة لأي جهد فوارق كبيرة تتمثل في أسس المنطلق وطبيعة التحرك ومربع الصراع وجغرافيته وشخوص العدو.. إلخ.

وهذا المقال ليست الغاية منه استدعاء التاريخ للحديث عن البدايات والمسارات لكلا الطرفين، بقدر ما يهدف في ختام رصده للفوارق لمحاولة فتح "كوة" في جدار النقاش الإيجابي والدفع صوب توضيح أكثر لحالة اللبس التي تعتري البعض عند استحضار الحديث عن المدارس الجهادية المعاصرة وخصوصا منهج "التنظيمين" إن جاز التعبير.

"
أعداء كل من حماس والقاعدة لا يفرقون بينهما، إذ يعتبرونهما جماعتين إرهابيتين خارجتين على نظم القانون الأممي وبالتالي هما في سلة واحدة وفريق واحد وأيديولوجية واحدة حسب نظر العالم الغربي
"
وجوه الاتفاق
أولا
: كلا الطرفين يحملان هما واحدا وهو الذود عن بيضة الدين وحياض الأمة وكف يد الأعداء عنها والدفاع عن الأرض والعرض والمقدسات، بالتالي يلتقيان في الهدف العام (دون الدخول في النية).

ثانيا: كلا الطرفين ينتميان لمذهب أهل السنة والجماعة ولا خلاف بينهما على وجوب الجهاد كفريضة لإخراج المحتل من أرض المسلمين، إذ الجهاد في رأي الطرفين فرض عين ما دام هناك شبر محتل من أرض المسلمين.

ثالثا: أعداء الطرفين لا يفرقون بينهما بوصفهما "جماعتين إرهابيتين خارجتين على نظم القانون الأممي" وبالتالي هما في سلة واحدة وفريق واحد وأيديولوجية واحدة حسب نظر العالم الغربي (أيديولوجية الجهاد لتحرير الأرض).

رابعا: على المدى البعيد يعتبر مشروع كل منهما داعما ومثبتا لمشروع الآخر في "أسلمة المجتمعات" ورفع حالة الخمول والسلبية والانكفاء التي لازمتها سنوات طويلة.

خامسا: كلا الطرفين مطارد ومهدد في روحه وأمنه ووجوده وكيانه من قوى الشر العالمية.

سادسا: كلا الطرفين قدم دماء وشهداء وأسرى ومعذبين.. وجرى له اغتيال قادة وزعماء ميدانيين وأفراد.

سابعا: كلا الطرفين (من زاوية النية الخالصة الظاهرة) يحمل نية صادقة لله في فعل الجهاد والمقاومة التي يفعل ويجترح.. وهما بحكم الظاهر مخلصان في نيتهما لنيل مرضاة الخالق لا يبتغيان مغنما دنيويا ولا منصبا حياتيا ولا ثروة مال.

ثامنا: الطرفان يرفضان التبعية "الحراكية" في المسار الجهادي الخططي لأي من الأنظمة السياسية الحاكمة (عربية أو إسلامية أو عالمية) ويرسمان خطوط سيرهما وفق ما ترسمه المصلحة العامة للتنظيم (بمعنى أن هناك استقلالية في اتخاذ شكل الحراك والسياسة المتبعة دون إملاء من قبل أنظمة حاكمة من الخارج).

تاسعا: الطرفان في بنائهما العددي يقومان على عنصر الشباب تحديدا، فسمة الشباب هي الغالبة على المنتسبين والمناصرين لهما.

نقاط الاختلاف
أولا
: حركة حماس بحسب المادة الثانية من ميثاقها هي جناح من أجنحة الإخوان المسلمين بفلسطين، وحركة الإخوان المسلمين تنظيم عالمي وهي كبرى الحركات الإسلامية في العصر الحديث وهي تنظيم قديم له تاريخ جهادي.

أما تنظيم القاعدة فليس مرتبطا بأي من التيارات الفكرية القائمة على الساحة في العصر الحديث، وهو تنظيم نشأ حديثا بعد هزيمة الاتحاد السوفياتي على أيدي المجاهدين في أفغانستان ويتبنى فكر مدرسة جديدة التكون تسمى "مدرسة الفكر السلفي الجهادي".

ثانيا: حماس حركة تؤمن بالشمولية في تطبيق الإسلام في مناحي الحياة (في التصور والاعتقاد، في السياسة والاقتصاد، في التربية والاجتماع، في القضاء والحكم، في الدعوة والتعليم، في الفن والإعلام.. إلخ) فهي ذراع لجماعة الإخوان المنخرطة في المجتمعات عبر عشرات مؤسسات المجتمع المدني.

أما تنظيم القاعدة فيتخذ من الفعل المسلح مجالا وحيدا، وليست له مؤسسات مجتمع مدني ولا مؤسسات خدمية منتشرة قائمة وملحوظة بين الناس.

ثالثا: تؤمن حماس بمبدأ المرحلية الجهادية في الفعل المقاوم لتحرير الأرض، فلا ضير عندها في إبرام هدنة طويلة أو قصيرة قائمة على أسس وشروط واضحة لقاء تحقيق انسحاب جزئي نهائي من الأرض على غرار صلح الحديبية.

أما تنظيم القاعدة فيرفض مبدأ الهدنة، ولا يؤمن بمرحلية التحرير لأجزاء حاضرة وأخرى مؤجلة من منطلق الكل الذي لا يتجزأ.

"
لا تتبنى حماس المنهج التكفيري في منهجها الفكري ولا تدخل نفسها في مسائل تكفير الأنظمة العربية والإسلامية بل تسعى لبناء علاقات إيجابية مع جميع الدول على قاعدة الاحترام المتبادل القائم على أسس العدل والحق، في حين أن القاعدة يتبنى منهج تكفير الأنظمة الحاكمة
"
رابعا
: تؤمن حماس بالمشاركة السياسية والتغيير من خلال المشاركة المباشرة في هياكل الدولة ومؤسساتها عبر الترشيح والانتخاب ودخول المجالس النيابية والحكومات، وفق تصور شرعي ونظرة في الإصلاح.

أما القاعدة فيتبنى الرأي الفقهي المحرم لدخول المجالس النيابية بوصفها كفرية، ولا يجيز الدخول في الحكومات وتشكيلها بوصفها إحدى صور الديمقراطية التي يعتبرها التنظيم هياكل كفرية لا يجوز التعامل معها.

خامسا: تؤمن حماس بجغرافية الصراع مع العدو الصهيوني، فهي ترفض إخراج الصراع خارج مربع فلسطين لعوامل عدة (تكتيكية وتنظيمية وواقعية وعسكرية). أما القاعدة فلديه عدة جبهات مفتوحة داخل دول عربية وغربية، ولا يؤمن بالتحديد الجغرافي للصراع.

سادسا: لا تتبنى حماس المنهج التكفيري في منهجها الفكري ولا تدخل نفسها في مسائل تكفير الأنظمة العربية والإسلامية أو الحكومات بل تسعى لبناء علاقات إيجابية مع جميع الدول على قاعدة الاحترام المتبادل القائم على أسس العدل والحق، في حين أن القاعدة يتبنى منهج تكفير الأنظمة الحاكمة والحكومات ولا يرى من داع لبناء علاقات إيجابية مع الأنظمة القائمة لاعتبارات يراها التنظيم شرعية وواقعية من وجهة نظره.

سابعا: ترفض حماس مبدأ استخدام العنف في المجتمعات العربية والإسلامية لتغيير الأنظمة، وترى بحرمة إراقة الدم المسلم تحت أي مبرر كان "إلا بحق الله" لذا تؤمن حماس (كما هي حال جماعة الإخوان) بالتغيير السلمي للسلطة.

أما القاعدة فيتبنى رأيا يجيز استخدام العنف والقتل ضد الأنظمة والحكومات والعاملين فيها بوصفها "أنظمة كفرية" كما يؤمن بالتغيير عبر وسائل غير سلمية، ويأخذ بفقه "التترس" والبعث على النوايا بشأن المدنيين المقتولين عن غير قصد (التنظيم لا يكفر الشعوب العربية والإسلامية ولا يفتي بجواز قتلها قصدا).

ثامنا: لا تفرق القاعدة بين "الأنظمة الحاكمة كإدارات حكم" وبين شعوبها، فالقاعدة ترى أن لا خلاف أو اختلاف بين الشعب الأميركي مثلا والإدارة الأميركية أو الشعب البريطاني مثلا والحكومة لذا فقتل هؤلاء لا ينفصل عن جواز قتل أولئك، بينما تفرق حماس في نظرتها لأعدائها بين شخوص السلطة الحاكمة والإدارات وبين شعوبها فهي لا تنظر مثلا إلى الشعب البريطاني على أنه عدو أو الأميركي أو الجزائري أو المغربي وتنأى بنفسها عن وضع الطرفين (الحاكم والمحكوم) في سلة واحدة، ولكل اعتباراته في هذا الإطار.

وهنا نشير إلى مسألة هامة وحساسة وهي أن العلة التي تبيح القتل أثناء القتال شرعا هي (المقاتلة أي حمل السلاح وليس اختلاف الفكر والمنهج) وهو القول الراجح الذي عليه أكثر العلماء، وهو يتمشى مع مقاصد الشريعة وقواعدها الكلية لأن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل علة المنع بين قتل المرأة هو عدم قتالها، وقال صلى الله عليه وسلم «ما بال هذه قتلت وهي لا تقاتل» ويؤيد ذلك ما ورد عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في النهي عن قتل من لا ينتصب للقتال.

كما أن تخيير المسلم بالنسبة للأسير الكافر بين القتل والفداء والاسترقاق يدل على أن علة القتل في الإسلام ليست الكفر بحد ذاته، كما أن أخذ الجزية سواء من أهل الكتاب أو من غيرهم يدل على ذلك أيضا.

وإذا ما انتهينا إلى ترجيح قول جمهور العلماء فهذا يعني أنه لا يصح استهداف النساء والأطفال والشيوخ والرهبان والأجراء ومن في معناهم ممن يمثلون في الحقيقة جل المدنيين (وللقاعدة تفسيرها في تعريف المدني، وقد عارضه عدد كبير من العلماء) ولها في ذلك رأي تتبناه.

تاسعا: تعتبر حماس تنظيما هرميا تصاعديا يمر المنتمي إليه ضمن مراحل ومحاضن منتقاة ومعروفة ومؤسسة على منهج واضح ورؤية شاملة (بوصفها فرع لهرمية تنظيم الإخوان المسلمين). أما القاعدة فهي تيار فكري أكثر مما هو تنظيم هرمي مؤسسي الحلقات.

لذلك فمن السهولة "النسبية" مثلا الانتساب للقاعدة لكن تلك السهولة النسبية متعذرة عند تنظيم حماس، ولكل هنا اعتباراته ومبرراته.

عاشرا: تؤمن حماس بميزان القوة الواقعية في إدارة صراعها مع المغتصب، وتستخدم في سبيل ذلك كل إمكاناتها المتاحة للحفاظ على كينونتها ومحدودية أدواتها وعتادها في الزمان والمكان المناسبين، وتضع بناء على ذلك خطوات سيرها فلا ترى بأسا من إقامة تحالفات مساندة هنا وهناك في سبيل تحقيق نوع من التوازن مع العدو الغاصب (عدو عدوي صديقي).

أما القاعدة فلا يرى في تباين القوة مع العدو أية دلالة هامة ضمن حسبة الكر والفر بالنظر لاعتماده شبه الكلي على العامل الديني المعنوي بالنصر، فلا ضير عند التنظيم هنا من فتح عدة جبهات دفعة واحدة انطلاقا من عدة قواعد وتفاسير، ولا يرى التنظيم ضرورة ملحة أو فائدة من استخدام قاعدة (عدو عدوي صديقي).

حادي عشر: فريضة الجهاد عند حماس "وسيلة" وهو ما يظهر في تصريحات ومنهج وميثاق الحركة وأدبياتها ومن قبلها منهج جماعة الإخوان.. في حين يعتبر الجهاد غاية لدى القاعدة كما يظهر في العديد من مناشط وتحركات وتصريحات ومنهاج التنظيم في صراعه "الأممي" بمعنى أن القاعدة تنظر إلى الجهاد بوصفه "كل الإسلام".

ثاني عشر: تتبنى حماس إستراتيجية واضحة المعالم للتحرير، ومشروعا مقاوما له بداية ونهاية واضحة التحرك وممكنة التحقيق بحسب المحللين على أرض الواقع.

لكن مما يؤخذ على القاعدة بناء إستراتيجيته على أهداف يقترب بعضها من دائرة المستحيل –وإن كانت مشروعة في فكرتها وأصلها– فضلا عن اتسام بعضها الآخر بالغموض والضبابية.

من ذلك مثلا (إجبار أميركا على الانسحاب من العالم الإسلامي والعودة إلى الانكفاء الداخلي على نفسها (أيمن الظواهري 2004) إلى جانب دفع أميركا إلى تبني مطالب "القاعدة" والعمل على تحقيقها في كافة القضايا المتعلقة بالعالم الإسلامي من كشمير شرقا إلى فلسطين غربا (أبو مصعب الزرقاوي 2005).

"
تقوم سياسة حماس التكتيكية على تحييد أكبر قدر ممكن من الأعداء والمتربصين بها، فهي بعيدة عن سياسة فتح أبواب العداء على أكثر من جبهة، وتحاول قدر التأقلم مع ظرفها الحساس ونضوب المصادر الإمدادية عكس سياسة القاعدة

"
ثالث عشر
: تحترس حماس من فتح باب الانضمام دون تمحيص أو تنقيح لأية مجموعات مسلحة تحمل اسمها خارج فلسطين، وترغب في الانضمام إليها لاعتبارات عدة.

لكن القاعدة بحكم صراعه المفتوح أثبت قبولا لكل مجموعة ترغب هنا أو هناك في الانضمام إليه، دون تنقيح ماضيها أو التعرف على أدبياتها أو التأكد من محاضن نشأتها وفهمها لأصول القتال والجهاد وفق المنطوق الشرعي والحكم الصحيح.

لذا وجدنا كثيرا من المجموعات انضمت للقاعدة وشكلت لها مشكلة خطيرة لم يجر تداركها حتى الآن، تتمثل في أن هذا الجمع من الممكن أن يكون انتماؤه يقترب من القاعدة لا للانتماء إليها كفريضة شرعية وضرورة جهادية بل "للاستقواء بها في صراعه المحلي"، فيظهر منه بعد فترة وجيزة التململ والتملص من الأوامر الصادرة إليه لأنه لم يقتنع ابتداء برؤية القاعدة كليا أو بمنهجها أو بتوجيهاتها.

وهنا يكمن ضياع كثير من الجهد المادي والمعنوي، وفتح باب الخروق الأمنية على القاعدة نظرا لكونها تنظيما مفتوحا لكل من يرغب دون ضابط صارم.

رابع عشر: تقوم سياسة حماس التكتيكية على تحييد أكبر قدر ممكن من الأعداء والمتربصين بها وبمقاومتها، فهي بعيدة عن سياسة فتح ملفات عداء لها على أكثر من جبهة، وتحاول قدر الاستطاعة التأقلم مع ظرفها الحساس ونضوب المصادر الإمدادية.

وهذا عكس السياسة الإستراتيجية للقاعدة التي فتحت عدة جبهات دون إسقاط فقه الواقع، وهي بذلك استعدت الغرب والأنظمة العربية بل والشعوب بحسب محللين عندما ضربت خواصر عربية طرية مثل الأسواق والمجمعات والفنادق تحت لافتة "فقه التترس".

خامس عشر: لحماس مرجعية شرعية فقهية بعيدة عن شخوص رجال الحركة "السياسيين والعسكريين" فهم يصدرون الفتوى من داخل مربع الحدث الذي يعيشون، أما القاعدة فقادته هم أنفسهم جهة الإفتاء الشرعية التي تسير شؤون التنظيم الشرعية في أحكام النوازل.

سادس عشر: لا تعاني حماس من وجود حالة بارزة من التباينات في إفهام التطبيق الواقعي لسياسة ومسار الحركة بين أي من قادة الميدان أو السياسة.. (توجد اختلافات داخل جسم التنظيم وهي ظاهرة صحية لكنها لا تخرج للعلن على شكل أخطاء قاتلة) بينما عانى جسم القاعدة من أخطاء باعتراف عدد من قادة التنظيم ومنظريه (رسالة الظواهري في لوم الزرقاوي في مسألة استهداف وقتل الشيعة-الجزيرة أواخر 2004)، (لوم منظر الفكر السلفي الجهادي وأستاذ الزرقاوي أبو محمد المقدسي لأسلوب استهداف وتفجير الشيعة بالنظر للاختلاف المذهبي–الجزيرة 2005).
__________________

كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة