الطيب بوعزة

كاتب مغربي

 

الاستلاب مفهوم ملتبس
تاريخية دلالة/دلالات مفهوم الاستلاب

يعد مفهوم الاستلاب من المفاهيم الأكثر استعمالا وتداولا في خطابنا العربي المعاصر لتوصيف علاقة المثاقفة الواصلة بيننا وبين الغرب. ولفظ الاستلاب دال مفهومي يستعمل، خاصة من قبل الاتجاه الناقد لتقليد الغرب، وذلك للدلالة على حالة التبعية الثقافية ونقدها.

ولفظ الاستلاب هو من حيث الأصل مقابل ترجمي للفظ الأجنبي (alienation) الذي يرجع إلى اللفظ اللاتيني (alienatio).

غير أن هذا المفهوم، مثل غيره من المفاهيم المستعملة في حقل الدراسات والعلوم الإنسانية، لا نجد له –سواء في حقل الفلسفة أو الأنثروبولوجيا- تحديدا دقيقا متفقا عليه، يسمح بوضع اليد على معناه و"ما صدقه".

وأريد منذ البدء أن ألفت الانتباه إلى حقيقة أكيدة وهي أن غموض المفهوم والتباس دلالته ليسا محصورين في المجال التداولي العربي، بل نجد غموضه حاضرا في المجال التداولي الغربي. بل أزعم أن حالة التباسه دلاليا في الغرب أكثر من حالته في المجال التداولي العربي كما سأبين في ختام هذا المقال.

الاستلاب مفهوم ملتبس

"
ريكور يقدم سؤالا طريفا: إن الاستفهام الذي يُطرح بصدد هذا المريض (الاستلاب) هو هل يجب قتله أم علاجه؟"، ومن حسن حظ المفهوم أن اختار الخيار الثاني، أي العمل على علاج هذا المفهوم المريض من أدوائه العديدة المتراكمة، بدل قتله.
"
وهذا الالتباس، الذي يسم المفهوم في استعمالاته المتداولة داخل المجال الثقافي الغربي، هو ما دفع بيير جاني في كتابه "المعالجات السيكولوجية" إلى وصفه بكونه لا يستحق أن يكون "مفهوما علميا". بل ذهب إلى حد وصف الاستعمال السائد بكونه يعكس "أسلوبا عاميا في التعبير".

ونفس الموقف النقدي نجده حاضرا عند ألتوسير وإتيان بالبيار، حيث يذهبان، في كتابهما المشترك "قراءة الرأسمال"، إلى أن مفهوم الاستلاب ليس له أي قيمة أو مرتبة علمية.

وفي نفس السياق الناقد للميوعة الدلالية التي أصابت اللفظ سيذهب الفيلسوف الفرنسي بول ريكور، في مقالته عن الاستلاب في "الموسوعة الشاملة" (Encyclopedia Universalis)، إلى حد وصف اللفظ بأنه كيان "مريض"، محددا علة مرضه في ما يسميه بـ"الإثقال السيمانطيقي" (surcharge semantique )، بمعنى أنه مثقل بالمعاني والدلالات إلى درجة أن أصبح يعني كل شيء، حتى كاد لا يعني شيئا.

ويقدم ريكور سؤالا طريفا حيث يقول: "إن الاستفهام الذي يُطرح بصدد هذا المريض هو هل يجب قتله أم علاجه؟"، ومن حسن حظ المفهوم أن بول ريكو اختار الخيار الثاني، أي العمل على علاج هذا المفهوم المريض من أدوائه العديدة المتراكمة، بدل قتله.

فكيف يؤسس لهذا العلاج؟ وهل هو بالفعل علاج أم تمويت للمفهوم؟

إن العلاج الذي يقترحه ريكور يرتكز على محاولة تسييج دلالة مفهوم الاستلاب ومنع تعديدها وتوسيعها، وذلك عن طريق اختزال معانيه إلى عدد محدود من المدلولات مأخوذ من استعمالات المفكرين الذين أسسوا لهذا المفهوم.

وفي سياق استحضاره لهؤلاء المؤسسين، يقدم ريكور ملحوظة مفادها أن لفظ الاستلاب كان محدد الدلالة قبل جون جاك روسو، وهو بذلك يشير إلى وضعية اللفظ في اللسان اللاتيني، حيث كان المجال التداولي للمفهوم يكاد ينحصر في المجال القانوني كدال على انتقال الملكية الخاصة سواء بالشراء أو بالعطاء. لكن ابتداء من نظرية "العقد الاجتماعي" لروسو سيتم تحويل اللفظ إلى حقل التداول السياسي. ومنذ هذا التحويل سيبدأ التراكم الدلالي لمعانيه.

ويشير ريكور إلى أن هذا الاستعمال السياسي للفظ الاستلاب عند جون جاك روسو يجد ارتكازه في فلسفة توماس هوبز في كتابه الأشهر "التنين".

صحيح أن هوبز لم يستعمل لفظ الاستلاب، لكن ثمة معنى في كتابه هو ما سيتم استثماره من قبل روسو والدلالة عليه بلفظ الاستلاب. هذا المعنى برز عند هوبز عند حديثه عن لحظة الانتقال من حالة الطبيعة إلى حالة الثقافة (المدنية)، بوصفها انتقالا من العيش وفق قانون الغاب والحرب واللاأمن، إلى العيش تحت سلطة سياسية تضمن الأمن.

ولم تتحقق هذه النقلة في الحياة البشرية إلا عندما تنازل الفرد عن قسط من حريته لسلطة الحاكم. وهذا التنازل هو ما سيسميه روسو بالاستلاب، جاعلا منه أساس تكوين السلطة السياسية، وإن اختلف مع هوبز اختلافا شديدا في تحديده الاستبدادي لطبيعة العقد الاجتماعي السياسي.

"
محاولة ريكور القاصدة إلى اختصار معاني مفهوم الاستلاب، ظانا بأنه بذلك يعالج التباسه وميوعه الدلالي، هي محاولة تخلص إلى عكس ما تقصده، الأمر الذي يسقط المفهوم في نفس الداء، أي "الإثقال السيمانطيقي" الذي يزعم ريكور أنه بصدد علاجه.
"
إن أساس العقد الاجتماعي عند جون جاك روسو هو الاستلاب، إذ لولاه لما انعقد العقد. يقول روسو مختزلا دلالة هذا المفهوم  "إن الفرد يهب ذاته للجميع ولا يهبها لأي أحد".

لكن هذا الانتقال الأول للفظ الاستلاب من حقل الاستعمال القانوني إلى حقل الاستعمال السياسي، حيث أصبح دالا على عملية تأسيس الدولة/السلطة السياسية، سيكون لحظة انطلاق لتحولات دلالية وتوسيعات مجالية لاحقة.

ولهذا نرى أن محاولة ريكور القاصدة إلى اختصار معاني المفهوم، ظانا بأنه بذلك يعالج التباسه وميوعه الدلالي، هي محاولة تخلص إلى عكس ما تقصده، حيث لا تؤكد تعدده الدلالي فقط، بل تضاده واختلافه، الأمر الذي يسقط المفهوم في نفس الداء، أي "الإثقال السيمانطيقي" الذي يزعم ريكور أنه بصدد علاجه.

ويكفي النظر في المتن الفلسفي ليتضح أن تاريخ التطورالدلالي للفظ الاستلاب يجعله لفظا ملتبسا.

تاريخية دلالة/دلالات مفهوم الاستلاب
في الفلسفة الألمانية يستحضر هيغل في كتابه "مبادئ فلسفة الحق"، تأسيس روسو لنظرية العقد منتقدا تمديد معنى الاستلاب بنقله من مستوى الحق المجرد إلى المستوى السياسي، محددا للمفهوم معنى جديدا. حيث يتحدث هيغل عن أن استلاب الوعي يتحقق في لحظة انغماسه في الطبيعة، إذ بذلك يفقد الوعي حريته.

وسيطور اليسار الهيغلي مفهوم الاستلاب ليحول دلالته من هذا المستوى الفلسفي إلى مستويات توزعت بين المجالين اللاهوتي والسياسي:

ففي الجانب اللاهوتي قدم فيورباخ تحليلا مغايرا رائيا في الاستلاب فاعل التأسيس للظاهرة الدينية ومفهومها وطقسها الشعائري أيضا.

وبذلك لم يعد الاستلاب –مع اليسار الهيغلي الفيورباخي- انغماسا للوعي في الطبيعة، بل تحدد معناه في ارتحال الوعي إلى الماوراء بسبب التدين.

وفي نفس التيار أي تيار اليسار الهيغلي يندرج الإسهام الماركسي، لكنه لن يبقي على الدلالة الفيورباخية، بل سينتج مدلولا جديدا يختزل معنى المفهوم في الوضع الاقتصادي:

فقد قدم ماركس طرحا مغايرا واستعمالا دلاليا جديدا سيفتح أمام اللفظ مجالا للتداول بشكل أوسع داخل النقاش الفكري والأيديولوجي الذي سيشهده القرن العشرون.

ومعلوم أن للفظ الاستلاب في التأليف الماركسي حضورا لافتا سواء في بواكير كتابات ماركس أو في أواخر كتبه، حيث يرد لفظ الاستلاب في "مخطوطات 1844" وكتاب "الأيديولوجيا الألمانية"1845، كما يرد في كتاب "الرأسمال" أيضا.

وإذا كان روسو قد تحدث عن الاستلاب في المجال السياسي، فإن ماركس سيبلور استعمالا جديدا للمفهوم كاستلاب اقتصادي، مؤسسا معناه على تحليل لبنية النظام الرأسمالي بناء على مفهوم "فائض القيمة"، منتهيا إلى أن العامل يصنع الأشياء/السلع، ولكن هذه الأشياء تصبح هي ذاتها أداة التحكم فيه واستعباده.

"
إذا كان الفلاسفة الغربيون يتساءلون عن كيفية التخلص من التعدد الدلالي لمفهوم الاستلاب، فإن هاجس الوعي العربي الإسلامي هو كيفية التخلص من الاستلاب ذاته كتبعية حضارية
"
وسيطور لوكاتش الدلالة الماركسية للاستلاب ليجعل منه دالا على "التشييئ".

هذه باختصار واختزال هي تاريخية تطور دلالة مفهوم الاستلاب في المجال الفلسفي والثقافي الغربي، ومنه يلاحظ أن استعماله متعدد متكثر من حيث المعاني إلى درجة الاختلاف الشديد.

لكن رغم هذا التعدد يمكن أن نقول في سياق المقارنة بين الوضع الدلالي لمفهوم الاستلاب في الفكر العربي ووضعه في الثقافة الأوروبية، إن استعماله في هذه الأخيرة كاد ينحصر في المجال الفردي أو الطبقي.

فإذا استثنينا بعض الاستعمالات التي شهدها المفهوم في حقلي السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا يمكن أن نقول إن العلاقة الاستلابية لم تطرح في الفكر الفلسفي الغربي كعلاقة مع الآخر المغاير حضاريا.

بينما الملاحظ في استعماله في المجال الثقافي العربي والإسلامي، هو أنه لم يتداول بمعناه الاقتصادي الماركسي، ولا بمدلوله السياسي كمرتكز نظري لتفسير العقد الاجتماعي، وإنما استعمل للدلالة على علاقة أعم هي علاقة المثاقفة بين مجتمعين أو ثقافتين أو حضارتين.

إنه دلالة على انسلاخ من الذاتية الثقافية وخضوع للتبعية للآخر كحضارة أو ثقافة. ويكاد يكون هذا المعنى هو المدلول الوحيد الذي يستعمل به المفهوم، ومن ثم جاز القول إن دلالته غير ملتبسة في المجال التداولي العربي، اللهم إلا من حيث غموض آليات وكيفيات التخلص من الظاهرة الاستلابية.

لكن إذا لم يكن لدينا مشكلة دلالية في المفهوم، فلا يجب أن ننسى أن لدينا ما هو أكبر من إشكالات قاموسية أو معجمية، لدينا الاستلاب ذاته بمدلوله كتبعية للآخر/الغرب باستمداد مفاهيمه ورؤاه.

بمعنى إذا كان الفلاسفة الغربيون يتساءلون عن كيفية التخلص من التعدد الدلالي لمفهوم الاستلاب، فإن هاجس الوعي العربي الإسلامي هو كيفية التخلص من الاستلاب ذاته كتبعية حضارية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك