تيسير نصر الله

الرؤيا الفتحاوية للانقلاب
التناقضات الداخلية
الخلاصة

تعيش حركة فتح منذ الانقلاب الذي قامت به حركة حماس في غزة حالة جديدة ومعقدة ومتشابكة ومتداخلة، تضاف إلى حالة التناقض والانقسام الداخلي الذي تعيشه فتح أصلاً منذ سنوات وبخاصة بعد رحيل زعيمها الخالد ياسر عرفات، وخسارتها المدوّية في انتخابات المجلس التشريعي في يناير/ كانون الثاني 2006.

فمن جهة تحاول فتح جاهدة مواجهة ما بدأ يطرح عليها من إشكاليات تخص الواقع الجديد الناشئ بعد سيطرة حماس بالحسم العسكري على قطاع غزة، وهي بذلك بدأت عملية تحقيق لدراسة ملف غزة برمته، وماذا حدث فعلا، وكيف كان هذا الانهيار السريع للتنظيم، ولماذا فقدت الحركة القدرة على الصمود ومواجهة الانقلاب والقوة العسكرية التي قادتها حماس؟

ومن جهة أخرى بدأت تتعالى داخل فتح أصوات تطالب بالتغيير الداخلي وتحسين الأداء، واستخلاص العبر من كل ما حدث، وهذه الأصوات غالباً ما تعلو بعد كل عاصفة تعصف بالحركة، وسرعان ما تعود لتخبو من جديد لأسباب تتعلق بعدم قدرة هذه الأصوات على الثبات أمام جهود الإعاقة التي يمثلها البعض داخل فتح، والانتقال السريع لمعالجة ملفات جديدة طارئة على حساب عملية الإصلاح الممنهجة التي تحتاجها الحركة.

الرؤيا الفتحاوية للانقلاب

"
يكاد يجمع الفتحاويون على أن الانقلاب والحسم العسكري من قبل حماس داخل قطاع غزة لم يكن ليتم بسبب قوة حماس فقط بل يعود بالدرجة الأولى إلى كون تنظيم فتح عانى في السنوات الأخيرة من التبعثر  وغياب المرجعيات وتعددها في ذات الوقت
"
أحدث الانقلاب الذي قامت به حماس في قطاع غزة حالة من التوحد الداخلي في صفوف فتح وقواعدها لم تشهده منذ سنوات، وتحديدا حول رفض الأسلوب الذي اتبعته حماس في الحسم العسكري، والاستيلاء على المقار والمكاتب وحرقها بعد سرقة محتوياتها، والإعدامات التي قامت بها.

فالغالبية العظمى في فتح ترى أن ما قامت به حماس في غزة هو عمل مدان ومستهجن وبعيد عن القيم والأخلاق والممارسات الثورية الفلسطينية، وغير مسوّغ تحت كل المعايير والحجج التي تطرحها حماس، وسابقة خطيرة تهدد النظام السياسي الفلسطيني والتداول السلمي للسلطة ومبادئ الديمقراطية والشراكة السياسية.

بل إن الانقلاب -من جهة أخرى- جاء ليؤكد موقف كثير من أبناء فتح الذين كانوا يقولون باستحالة التفاهم والمشاركة مع حماس كونها حركة دينية لا تؤمن بالقيم الديمقراطية والمشاركة والتعددية، وتحمل رؤيا شمولية، ويخضع أفرادها لتربية حزبية فئوية، وفيها يتم توظيف الدين لخدمة أهداف الحركة السياسية.

ويكاد يجمع الفتحاويون على أن الانقلاب والحسم العسكري من قبل حماس داخل قطاع غزة لم يكن ليتم بسبب قوة حماس فقط بل يعود بالدرجة الأولى إلى كون تنظيم فتح عانى في السنوات الأخيرة من التبعثر وغياب المرجعيات وتعددها في ذات الوقت، وإلى ضعف الأجهزة الأمنية التي أنهكها الاحتلال عبر ضرباته المتكررة بالإضافة إلى غياب المحاسبة الحقيقية لقادة هذه الأجهزة ومنتسبيها الذين دمغ بعضهم بممارسة الفساد والثراء غير المشروع.

وترى فتح أن حماس قامت بتنفيذ الانقلاب في غزة بتخطيط مسبق وعن سابق إصرار، وليس كما تدّعي بأنها اضطرت لعمل ذلك كونها كانت مهددة بالهجوم من قبل ما أسمته "تيار انقلابي" داخل فتح، ولكنها قامت بما قامت به إيمانا منها بنظرية الاستيلاء، وإيمانا منها بأن الوسيلة الفضلى لفرض الشروط عادة ما تكون عبر العمل العسكري الداخلي.

فقد استفادت حماس من كل جولات الاقتتال السابقة وترجمتها إلى شروط ومحددات سياسية، ولقيت قبولا وتجاوبا من الرئيس الفلسطيني محمود عباس بعد كل جولة، ولكن حماس في الانقلاب الأخير أخطأت خطأ كبيرا في الحسابات، فهي لم تقم بقراءة دقيقة للواقع الفلسطيني ولم تقم بقراءة حقيقية لما سيولّده الانقلاب من نتائج خطيرة سياسيا وأمنيا واجتماعيا وثقافيا.

حماس بحسب القراءة الفتحاوية كانت تعتقد أن الانقلاب سيولّد أزمة ستتبعها مفاوضات وحوار داخلي، وبالتالي فرض أجندتها في مسألة رؤيتها لمسألة الشراكة التي تفهم ضمن منطق المحاصصة وعدد الوزراء، والوكلاء والمدراء العامين وعدد الأفراد والعاملين الذين ينتمون لحماس في أجهزة السلطة ومؤسساتها، ولكنها لم تكن تحسب حساب النتائج بشكل دقيق.

لم تكن تدرك أن وقوع غزة بيدها يعني أنها أصبحت مسؤولة عن مليون ونصف مليون فلسطيني أخلاقيا وواقعيا في ظل سياسة الانقلاب وفرض الأمر الواقع، ولم تكن تدرك أن أحدا لن يعطي شرعية لانقلاب داخل إقليم متحرك يعيش حراكا ساخنا قد نعيش دلالاته الصيف الحالي وما قد ينجم عن هذه الدلالات من أوضاع صعبة وتغيرات كبرى قد تمس الإقليم والمنطقة.

"
تقديرات حماس الخاطئة يجب أن تدفعها باتجاه إعادة النظر بكل الخطوات التي أقدمت عليها، والقبول بالمحددات التي وضعها المجلس المركزي الفلسطيني, وفي المقابل يجدر بفتح الاعتذار عن كافة الممارسات الخاطئة التي قام بها عدد من عناصرها وكوادرها
"
وحماس من وجهة نظر فتح أخطأت في تقدير الموقف من الرئيس أبو مازن الذي كان يواجه نقدا فتحاوياً داخلياً على مواقفه المرنة مع حماس، وتساهله في كثير من الأمور أثناء المفاوضات معها وبخاصة فيما يتعلق بإيمانه بمبدأ الشراكة السياسية معها، وقبوله بالواقع الجديد الذي أوجدته نتائج انتخابات المجلس التشريعي الأخيرة التي دعا إليها شخصياً ورعاها ووفّر لها الغطاء المحلي والإقليمي والدولي.

ويرى الفتحاويون أن حماس خسرت الرئيس أبو مازن الذي كانت تتحدث عنه بإيجابية كبيرة طيلة فترة الانتخابات وما بعدها، في الوقت الذي كان يتعرض لانتقاد كبير من قبل أبناء فتح حيث تعامل معها بمنتهى الوضوح والمصداقية، ولكن موقف الرئيس من الانقلاب كان صارما، وقد يكون مفاجئاً لحماس لأن المسألة تجاوزت المناكفات السياسية لتطال القضية والشرعية الفلسطينية برمتها.

ويعتقد الفتحاويون أنّ تقديرات حماس الخاطئة هذه يجب أن تدفعها باتجاه إعادة النظر بكل الخطوات التي أقدمت عليها، والقبول بالمحددات التي وضعها المجلس المركزي الفلسطيني في دورته الأخيرة، وطرحها من قبل الرئيس أبو مازن للحوار والتي اشترط فيها الاعتذار وعودة الأمور لما كانت عليه قبل الانقلاب، وإلا فإن الأمور ستكون مرشحة لمزيد من الانقسام والفصل والتراجع على كل المستويات.

وفي المقابل يجدر بفتح الاعتذار عن كافة الممارسات الخاطئة التي قام بها عدد من عناصرها وكوادرها، وأن تلتزم بتصحيح المسار في كافة مناطق الضفة والقطاع.

التناقضات الداخلية
فتح ومنذ اليوم الأول لانطلاقتها وحتى الآن تعيش تناقضات داخلية لم تتوقف، ويبدو أنها تعاني أكثر ما تعاني من أزمة قيادة وبرنامج، وهذه الأزمة هي أزمة حقيقية تعيشها فتح: فعدم عقد مؤتمر الحركة العام لأكثر من ثمانية عشر عاماً أفقد فتح وحدة البرنامج السياسي الذي يتلاءم والتطورات السياسية التي عصفت بالمنطقة، وأفقدها بروز قيادات تنظيمية ذات تأثير وحضور تجمع بين النضال والكفاح والعمل السياسي.

وأما بخصوص ما يطرح من أن هناك تناقضات بدأت تبرز على السطح بخصوص ما أدلى به عضو اللجنة المركزية لفتح هاني الحسن في حواره مع أحمد منصور في قناة الجزيرة، فقد تم توجيه نقد شديد من بعض المؤسسات الحركية للحسن على مواقفه التحليلية التي كانت خروجاً عن مواقف الحركة التقليدية.

حيث إنه لم يوجّه أي نقد لحماس على تصرفاتها، وكان الأجدر به أن يطرح مواقفه هذه داخل مؤسسات الحركة التي هو عضو في لجنتها المركزية.

كما لم يرق لأبناء فتح الرد الذي قام به بعضهم في وسائل الإعلام والتهجم الشخصي الذي قاموا به ضد الحسن، حيث كان أبناء الحركة يرون في ذلك استمراراً لنشر الغسيل الفتحاوي على حبال الآخرين بدلاً من معالجة هذه القضايا داخل البيت وبشكل ديمقراطي.

"
فتح تعيش تناقضات داخلية لم تتوقف، ويبدو أنها تعاني أكثر ما تعاني من أزمة قيادة وبرنامج، فعدم عقد مؤتمر الحركة العام لأكثر من ثمانية عشر عاماً أفقد فتح وحدة البرنامج السياسي وبروز قيادات تنظيمية
"
إنّ فتح تقف على مفترق طرق حقيقي، وعليها أن تكون قادرة على مواجهة التحديات التي تواجهها وهي كثيرة، وسنستعرض تحديين اثنين:

التحدي السياسي: حيث تواجه فتح خطراً مباشراً على مستقبلها إن هي لم تقم بتوضيح موقفها من الأمور السياسية الراهنة، وتقوم بطرح البرنامج الوطني الذي يلتف حوله الشعب الفلسطيني، والعمل على خدمة الشعب والتواضع أمامه، وصياغة الوحدة الوطنية الفلسطينية على أسس وطنية تضمن الاستمرار في التصدي للمشروع الإسرائيلي الهادف إلى إدامة احتلاله لأرضنا وتكريس التجزئة، فالمطلوب في هذا المجال أن تعود فتح لعمقها الجماهيري كقائدة للمشروع الوطني الفلسطيني.

أما التحدي الثاني: فيتمثل في الفلتان الأمني ومدى قدرة فتح على ضبط عناصرها المسلحة، وتوفير الحماية المناسبة لهم، ووقف استهدافهم من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي حتى تستطيع أن تفرض النظام والقانون على المواطنين جميعاً.

الخلاصة
إنّ أحداث غزة تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أننا أمام مأزق داخلي حقيقي، وانقسام أفقي وعمودي أثرّ في مسار النضال الوطني الفلسطيني بما لا يخدم مصلحة الشعب الفلسطيني، بل إنه أعاد القضية إلى الوراء سنوات كثيرة وأفقدها قدسيتها وتعاطف العالم معها، وأدخل اليأس والإحباط في نفوس الفلسطينيين بشكل لم يسبق له مثيل.

وهذا يستوجب البحث عن حلول عملية للخروج من ذلك المأزق بعيداً عن الحسابات التنظيمية الضيقة ومعايير الكسب والخسارة، وقد نحتاج لإعادة تأهيل فلسطيني شاملة في كل مجالات الحياة الفلسطينية وخاصة إعادة التربية الحزبية والتنظيمية على أسس وطنية تحرّم سفك الدم الفلسطيني على أيد فلسطينية وتعيد الاعتبار للنضال الفلسطيني.

إنّ الضرورة الوطنية تملي على حركتي حماس وفتح حماية المشروع الوطني الفلسطيني من خلال توفير أجواء مناسبة لحوار جدي يفضي إلى مصالحة وطنية شاملة، وعدم التمادي في الذهاب نحو الحسابات الفئوية الضيقة.

وأخص هنا حماس التي ارتكبت خطأ جسيماً بالانقلاب العسكري الذي أدانته كل الفصائل السياسية والوطنية الفلسطينية بما فيها حركة الجهاد الإسلامي.

وبالتالي فإنّ الدعوة للحوار من حيث انتهت حماس في غزة هي دعوات غير واقعية، ولا تؤسس لحوار وطني جدي، الأمر الذي يتطلب إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل 14/6/2007، ووقف كل الحملات الإعلامية والتحريض السياسي، كمقدمة لتهيئة أجواء صحية لحوار وطني يفضي إلى المصالحة، وإعادة الوضع الفلسطيني إلى سياقه الصحيح المتمثل بتوحيد الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي باعتباره التناقض الرئيس، والذي يجب أن يحظى بالأولوية لدى كل الفصائل والأحزاب الوطنية الفلسطينية، والتوافق على إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة