محمد مصطفى علوش

لقطات من هذه الإستراتيجية
الضوء الأميركي في إقصاء الإسلاميين
مبررات إستراتيجية الإقصاء والجذب

مع التراجع التدريجي للإيديولوجيات الماركسية والاشتراكية والقومية المتزامن مع انهيار الاتحاد السوفياتي في التسعينيات من القرن المنصرم، شهد العالم العربي والإسلامي صعودا للحركات الإسلامية السياسية في مصر والجزائر والأردن ولبنان والكويت وغيرها.

وبدا اللاعب الأكثر نفوذا في الشارع العربي هو الإيديولوجيات الإسلامية من حركات إسلامية معتدلة إلى حركات راديكالية وأخرى تكفيرية تنتهج العنف في تنفيذ برامجها السياسية.

هذا التغيير السريع على المسرح الدولي أظهر إرباكا في إستراتيجيات الأنظمة العربية وتباينا فيما بينها في كيفية استيعاب وتدجين الإسلاميين لديها.

ففي الوقت الذي كان النظام الأردني يعمل على تليين وتعديل في مواقف الإخوان المسلمين عبر إفساح المجال لهم في مجلسي النواب والوزراء، كان النظام المصري يمارس العنف والإقصاء في حق الإخوان متذرعاً بعدم التفريق بين الجماعة الإسلامية والإخوان وأنهما وجهان لعملة واحدة.

واستمر الأمر على حاله بين الحركات الإسلامية والأنظمة في مد وجزر بحسب التغيرات الإقليمية والدولية، إلاُ أنه لوحظ في السنتين الماضيتين أن الانفتاح الطفيف الذي سمح للإسلاميين المعتدلين بالوصول إلى البرلمان في عدد من الدول العربية لا سيما في مصر وفلسطين، انحسر لصالح إستراتجية جديدة لم تكن معهودة من قبل وهي تقريب الحركات الإسلامية الموصوفة بالتشدد والراديكالية وغياب الرؤية والبرامج السياسية.

إضافة للجمعيات الدينية الرسمية المؤيدة للنظام والتي لا يمكن صراحة فصل توجهاتها السياسية عن السياسة الرسمية، فضلاً عن التنظيمات الإسلامية التي لا علاقة لها بالسياسة ولا تحبذ العمل بها وترى العمل السياسي بدعة ضالة، في مقابل إقصاء الحركات الإسلامية المعتدلة التي لها برامج سياسية واضحة كحركة الإخوان المسلمين.

لقطات من هذه الإستراتيجية

"
في الوقت الذي تفرج فيه السلطات المصرية عن العشرات من تنظيم الجماعة الإسلامية بعد المراجعات التي تقدم بها كوادرها، يزج بكوادر الإخوان المسلمين ومناصريهم في السجون ويشدد الخناق عليهم ويمنعون من الترشح للانتخابات بأساليب بوليسية, والأمر عينه يكاد يتكرر في الأردن 
"
من يراقب سير العملية الديمقراطية في عدد كبير من الدول العربية بمن فيهم دول محور الاعتدال، مصر والأردن يجد أن إستراتيجية واحدة وجديدة تطبق في التعامل مع الحركات الإسلامية بعد تصنيفها إلى فئتين.

فئة خطيرة تتمثل في الحركات ذات البرامج السياسية الواضحة كالإخوان وحزب التحرير، وفئة أخرى تتكون من تيارات وتنظيمات عدة تتفاوت فيما بينها في ممارسة العمل السياسي وتسهل السيطرة عليها واستدراجها وهي التيارات السلفية وجماعة الدعوة والتبليغ، وسوف نسلط الضوء على عدد من الدول العربية حتى تتضح لدينا الصورة أكثر.

فمثلاً في مصر بعد أن تم إقرار التعديلات الدستورية والتعجيل بالاستفتاء الشعبي عليها رغم ما تحويه من تراجع واضح عن النهج الديمقراطي وخصوصا لجهة المادتين 88 التي تنص على إلغاء الإشراف القضائي الكامل على الانتخابات العامة و179 التي تعطي أجهزة الأمن الحق في تفتيش منازل المشتبه فيهم في قضايا الإرهاب والتنصت على هواتفهم ومراقبة مراسلاتهم، فقد تمت محاربة الإخوان المسلمين من خلال حظر إنشاء أحزاب على أسس دينية.

ثم في الوقت الذي تفرج فيه السلطات المصرية عن العشرات من تنظيم الجماعة الإسلامية بعد المراجعات التي تقدم بها كوادرها من داخل السجون، يزج بكوادر الإخوان المسلمين ومناصريهم في السجون ويشدد الخناق عليهم ويمارس في حقهم التنكيل ويمنعون من الترشح للانتخابات بأساليب بوليسية ترهيبية مقصودة.

الأمر عينه يكاد يتكرر في الأردن حيث إن العلاقة بين جبهة العمل الإسلامي التي تتبنى فكر الإخوان المسلمين والنظام الأردني في أسوء أحوالها اليوم، في الوقت الذي يلاحظ فيه تنام للفكر السلفي وتقريب له.

فقد تم مؤخراً تمرير مشروع قانون الأحزاب السياسية الجديد الذي رفضته الأحزاب السياسية الأردنية، حيث اعتبرته "مقيدا للعمل الحزبي ومخالفا دستوريا"، وقد تمثل التضييق على جبهة العمل الإسلامي بالأردن في إغلاق جمعية المركز الإسلامي الخيرية والتحقيق مع معظم موظفيها دون تقديم أي شبهة فساد.

وكان حمزة منصور رئيس ‏مجلس شورى حزب جبهة العمل ‏الإسلامي في الأردن كشف عن "ترتيبات تعد ‏حاليًا لمحاصرة جمعية المحافظة ‏على القرآن الكريم (التي ‏يسيطر عليها الإسلاميون)، ‏والحد من نشاطها بإلحاقها ‏بوزارة الأوقاف، التي دأبت منذ ‏سنوات على تأميم المساجد؛ ‏بهدف فرض الرؤية الرسمية ‏على الخطباء والوعاظ، خلافًا ‏للترخيص الذي تأسست الجمعية ‏على أساسه كجمعية ثقافية تابعة ‏لوزارة الثقافة".

الضوء الأميركي في إقصاء الإسلاميين
بعد الفشل الذي لحق بالولايات المتحدة الأميركية في العراق وانهزام إسرائيل في لبنان على يد المقاومة الإسلامية وما حصل من استيلاء حماس على غزة مؤخراً، تشجع كثير من الدول العربية في ممارسة المزيد من القمع والتهميش السياسي وإقصاء الديمقراطية عن الحياة السياسية وبدعم مباشر من قبل مروجي الديمقراطية في أوروبا وأميركا كما هو حاصل الآن في غزة.

ولعل المصالح المتقاطعة بين الغرب اليوم والأنظمة العربية القائمة تتلخص في نقطتين هما:

• الحد من النفوذ الإيراني المتصاعد في العالم العربي وعموم منطقة الشرق الأوسط لا سيما قطع الدعم الإيراني للحركات الإسلامية المعادية للأنظمة وللغرب على السواء، فضلاً عن طموح إيران النووي غير المرغوب فيه في المنطقة، والذي ترى فيه الولايات المتحدة تهديدا إستراتيجيا على المدى البعيد لمصالحها الحيوية في الشرق الأوسط.

• الإجماع على خطر تهديد الإسلام السياسي، وإن كان هناك تفاوت واختلاف في وجهات النظر بين هذه الدول في تعريف وتصنيف الحركات الإسلامية المعادية وفق معايير الخطورة التي تتبناها.

"
غالبية الدول العربية سواء كانت صديقة للولايات المتحدة أو لا، تحاول جاهدة استثمار خسارة الولايات المتحدة في العراق حتى يتاح لها التحرك بحرية أكثر في ترسيخ نظمها السياسية، حتى ولو اضطر النظام لممارسة الغش والتزوير علناً في العملية الانتخابية
"
مما لا شك فيه أن غالبية الدول العربية سواء كانت صديقة للولايات المتحدة أو لا، تحاول جاهدة استثمار خسارة الولايات المتحدة في العراق حتى يتاح لها التحرك بحرية أكثر في ترسيخ نظمها السياسية على قاعدة "أهل مكة أدرى بشعابها" حتى ولو اضطر النظام لممارسة الغش والتزوير علناً في العملية الانتخابية كما حصل في مصر مؤخراًُ.

وربما كان ذلك تحصيل حاصل للقوة التي أكتسبها النظام المصري حين رد بقوة على تصريحات وزيرة الخارجية الأميركية رايس التي قالت في تعليق خجول لها على التعديلات الدستورية في مصر "الديمقراطية أفضل حاجز ضد الإرهاب في الشرق الأوسط"، حيث رفض الرئيس مبارك "أي ضغوط أو إملاءات أو مشروطيات" من شانها المساس "بمصالح مصر أو استقلال إرادتها"، مبيناً أن سبب التعديلات هو وقاية المنطقة مما وقعت في شركه الولايات المتحدة في العراق حيث اعتبر التعديلات تحاصر الإرهاب وتقطع الطريق "على المتاجرين بالدين الذين يمارسون العمل السياسي خارج الشرعية مع مراعاة التوازن الدقيق بين حماية استقرار الوطن وحماية الحريات العامة".

على الرغم من أن هذه الإستراتجية بدأت تطبق في كثير من الدول العربية فإنه لا يزال بين الدول العربية من يمارس سياسة الإقصاء مع جميع الحركات والتيارات الإسلامية، تونس مثلاً يروج لها في الولايات المتحدة الأميركية ودول الإتحاد الأوروبي بأنها دولة ديمقراطية في حين أنها تمارس أشد أنواع الاضطهاد والديكتاتورية وقد ازداد قمعها للحريات بشكل ملحوظ جدا في الآونة الأخيرة، ولم يعد مقصوراً على الحركات الإسلامية المتشددة بل طال كل متدين أو مشتبه في انتمائه لأي حركة إسلامية.

فقد كان آخر ما قامت به الدولة حملات اعتقال ضد جماعة التبليغ والدعوة، وذلك منذ المواجهات المسلحة التي شهدتها تونس نهاية عام 2006 وبداية 2007 واتهمت فيها مجموعة تابعة لتيار "السلفية الجهادية" على الرغم من أن جماعة التبليغ والدعوة تعمل منذ ثمانينيات القرن الماضي في تونس، حتى قال عبد الرؤوف العيادي المحامي المتخصص في الدفاع عن الموقوفين من أبناء التيارات الإسلامية، إن دائرة القمع توسعت "بحيث إن المجتمع كله أصبح مستهدفا وليس طرفا بعينه فقط".

وقد كان تصريح وزير الخارجية الجزائري محمد بجاوي بأن الجزائر والولايات المتحدة "تتقاسمان العديد من الانشغالات لا سيما في مجال الأمن ومكافحة الإرهاب، خصوصا في منطقة المتوسط والساحل وأفريقيا"، مضيفا "أننا نتوخى اليقظة في مواجهة التهديد الإرهابي، والجزائر تعرب عن ارتياحها للقرار الأميركي إقامة قيادة عسكرية أميركية موحدة في أفريقيا"، مبرراً كافياً للحكومة الجزائرية لتحصل على الغطاء الأميركي قبيل الانتخابات النيابية في منع قياديي وأعضاء الجبهة الإسلامية للإنقاذ من المشاركة في الانتخابات التشريعية.

إضافة لمنع الإسلامي علي بلحاج من الترشح للانتخابات والتضييق عليه بحرمانه من الحصول على جواز سفر، الأمر الذي يوضح لنا التضييق المتزايد الذي يتعرض له الإسلاميون في الجزائر بحجة تعرض البلاد لموجات إرهابية جديدة.

مبررات إستراتيجية الإقصاء والجذب

"
الأنظمة العربية تدرك العمق الديني المتجذر في عقلية الشعوب التي تحكمها وبالتالي لا بد من اتباع سياسة التمويه والخداع في تقريب الشعوب، ومن خلال دعمها للحركات الإسلامية ذات الطابع التربوي والدعوي وغض النظر عن المتشدد منها تستطيع تحقيق العديد من الأهداف
"
قد يقول قائل إذا كانت الأنظمة العربية قادرة على السيطرة على شعوبها وفق ما تريد وبغير حسيب أو رقيب فما هو الداعي لتقريب بعض الحركات الإسلامية وإقصاء غيرها طالما أن الأنظمة لا تحبذ أيا من الحركات الإسلامية، ولماذا تقصي الحركات المعتدلة وتقرب الحركات الموصوفة بالتشدد أو ذات الطابع الدعوي؟.

الجواب بكل بساطة أن الأنظمة العربية تدرك العمق الديني المتجذر في عقلية الشعوب التي تحكمها وبالتالي لا بد من اتباع سياسة التمويه والخداع في تقريب الشعوب، ومن خلال دعمها للحركات الإسلامية ذات الطابع التربوي والدعوي وغض النظر عن المتشدد منها تستطيع تحقيق أهداف عدة:

• إيهام الناس وإقناعهم بأن الإسلام الصحيح هو ما تنتهجه هذه الحركات التي يقتصر دورها على الدعوة والإرشاد، وأن الإسلام لا دخل له في السياسة وما نراه من أحزاب سياسية ذات مرجعية دينية إنما هو خداع لكسب المؤيدين تحت شعار الإسلام. وهذا ما عبر عنه قادة في مصر والأردن وفلسطين وتونس والجزائر وغيرها.

• أن الخطر الحقيقي على الأنظمة العربية ليس الحركات الإسلامية التي تنتهج العنف رغم خطورتها لأنه من السهل استدراج هؤلاء إلى العنف لتصفيتهم والتنكيل بهم، خصوصا أن معظم قادات هذا التيار ممن يملكون ثقافة سياسية ضحلة ومن السهل اختراقهم وتوجيههم لما يُؤثر عنهم من حماسة وافرة.

وإنما الخطر الحقيقي على الأنظمة هو الحركات الإسلامية الوسطية التي لها برامج سياسية واضحة وقادرة على ممارسة الديمقراطية والتحرك وفقها.

• أن بقاء بعض الخلايا المتشددة تسرح وتمرح بعد رصدها كاف لتبرير إبقاء العمل بقوانين الطوارئ وتعذر ممارسة الديمقراطية بشكل أفضل.

• وجود الحركات الإسلامية المتشددة وظهورها من فترة لأخرى سياسة مدروسة للأنظمة الفاشلة في تبرير فشل سياساتها الاقتصادية والاجتماعية.

• أن التعامل مع الإسلاميين المتشددين والراديكاليين أسهل بكثير من التعامل مع الحركات ذات البرامج السياسية الواضحة.
ــــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة