أكرم البني

بداية يجب الاعتراف، ومهما تكن درجة العداء لأميركا بأنه صار شرطاً لازماً أن تؤخذ مواقفها السياسية في الحسبان وفي تقويم مسار الأزمات الإقليمية والصراعات الوطنية ورصد احتمالات تطورها، ليس بصفتها عنصراً مؤثراً بل أكثر من ذلك، بصفتها عاملاً حاسماً أحياناً.

ولا يعود ذلك فقط إلى القوة المتميزة والمتعاظمة عسكرياً واقتصادياً للولايات المتحدة أو لسبب التحول الذي عرفه العالم بعد تفكك الاتحاد السوفياتي وانهيار قواعد الحرب الباردة، وإنما أيضاً لأن ثمة تحولاً ذاتياً طرأ على الإستراتيجية الأميركية نفسها تعزز بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001, وجعلها سياسة تدخلية نشطة في كل بقعة من بقاع المعمورة، وفق رؤية تربط بشكل مذهل بين استقرار الوضع الداخلي الأميركي وقدرة السياسة الخارجية على تغيير العالم وتبديله على صورتها ومثالها.

"
يبدو المنحى الرئيس للسياسة الأميركية ليس العودة لتثبيت الأنظمة المركزية شديدة الهيمنة بل الاستمرار في تشجيع تكوينات المجتمع للتعبير عن نفسها، على أمل خلق صورة جديدة من التوازنات تعيد انتظام العقد الاجتماعي في إطار سياسي جديد
"
اتخذ تنفيذها على الأرض أشكالاً وصوراً متنوعة ووجدت البيئة الخصبة لتطبيقها في منطقة الشرق الأوسط، حيث يتغذى احتمال نجاحها من حالة الإحباط ومشاعر القلق والرغبة في التغيير التي تتنامى شعبياً، في مواجهة سلطات شمولية وأنظمة مغلقة، لما تزل تعيث فساداً وقمعاً وتخريباً.

وإذ يقال إن فكرة صناعة الشرق الأوسط الجديد أو الموسع الذي تسعى إليه الولايات المتحدة من خلال الحرب وآليات كسر الجمود من الخارج أو عبر أسلوب الفوضى الخلاقة أو البناءة قد انحسرت بصورة ملموسة في ضوء ما أفضت إليه التجربة العراقية.

لكن يبدو أن الرغبة الأميركية في التغيير وفي تحريك اللااستقرار في المنطقة لم تنحسر، وإن تبدلت الأساليب والأدوات، كان آخرها الانتقال إلى دبلوماسية التحول وفسرتها كوندوليزا رايس بأنها ‏عملية تعاون مع مواطني الدول لمساعدتهم على بناء دول ديمقراطية في ظل نظام حكم رشيد يستجيب لاحتياجات شعوبها وتوجيه أنفسهم نحو انتهاج سلوك مسؤول في إطار النظام الدولي.

مما سبق يبدو المنحى الرئيس للسياسة الأميركية ليس العودة لتثبيت الأنظمة المركزية شديدة الهيمنة بل الاستمرار في تشجيع تكوينات المجتمع للتعبير عن نفسها، على أمل خلق صورة جديدة من التوازنات تعيد انتظام العقد الاجتماعي في إطار سياسي جديد، بما يفضي إلى تغيير البنى وخلق مجتمعات جديدة تستند إلى علاقات ونمط حياة يتوافق مع قيم النموذج الليبرالي الأميركي ومعاييره.

وكذلك الرهان على هذه التغيرات في إنجاح حملة واشنطن ضد الإرهاب والأصولية الإسلامية وفق اعتبار يقول إن توسيع هامش الديمقراطية يساعد على تجفيف منابع الإرهاب وسحب البساط من تحت أقدام قوى التعصب والتطرف، وأن تنمية المنطقة اقتصادياً وتعليمياً ودعم بعض الحريات فيها يمكن أن يخفف إلى حد كبير من عداء المجتمعات العربية لأميركا ومن نمو ردود أفعال حادة وعنيفة ضدها، فضلاً عن الرهان على دور المناخ الجديد في تأكيد التفوق الأميركي عالمياً.

فالانفتاح والتعددية السياسية يوفران شرطاً مناسباً يسمح للتوازنات الاقتصادية والتكنولوجية والمعرفية والتي تميل لصالح واشنطن كي تقول كلمتها ويخلق آليات واضحة لمحاسبة مختلف الحكومات عن ما تقوم به من أعمال أمام شعوبها فيقيد حركتها إلى حد كبير ويلجم طموحاتها واندفاعاتها الخارجية.

"
يغدو البحث عن الاستقرار وصيغ السلام الدائم لضمان استمرار الهيمنة الأميركية والذي سعت إليه الإمبراطوريات القديمة أشبه بهم ثانوي، إن لم نقل إن هذا الاستقرار يشكل اليوم ربما أحد أهم العوائق أمام تقدم المصالح الأميركية ومقومات سيطرتها
"
ومع تقدم سياسة التغيير كأحد وجوه الإستراتيجية الأميركية وتدخلها في آليات الهدم والبناء في عدد من بلدان المنطقة عبر وسائط مدعومة بضغط اقتصادي وإعلامي عالمي، ومع تقدم الحاجة لتحريك الطاقة الكامنة في مجتمعات بدأت تبدي حيوية أكبر من ذي قبل للتعبير عن نفسها، وبدأت تتثاءب وتفيق في مواجهة سلطات غدت مواقفها رجعية وانكشفت عن خواء سياسي.

فظهرت روابط ومنظمات غير حكومية، وظهرت شرائح مهمة من المثقفين ورجال الأعمال تدعو إلى التغيير وتحاول أن تدفع إلى الأمام مشاريع التحرر السياسي من قبضة الدولة عبر تنشيط المحركات المدنية والسياسية والاقتصادية وشن حملة ضد أشكال الاستبداد على أساس الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون، بما في ذلك سد أي مخرج يمكن أن يرشح يساعد هذه الأنظمة على الإفلات من التغيير أو النجاة.

مع تقدم العوامل السابقة يغدو البحث عن الاستقرار وصيغ السلام الدائم لضمان استمرار الهيمنة الأميركية والذي سعت إليه الإمبراطوريات القديمة أشبه بهم ثانوي، إن لم نقل إن هذا الاستقرار يشكل اليوم ربما أحد أهم العوائق أمام تقدم المصالح الأميركية ومقومات سيطرتها، بمعنى أن استنقاع الأوضاع الراهنة قد يضّيع من يد الولايات المتحدة فرصة ثمينة لإعادة صياغة المنطقة واستيلادها نحو أفق للسيطرة بعيدة المدى.

وبالتالي خلافاً لما يشاع فإن مشاريع التغيير الأميركية ليست رد فعل أو رغبة آنية، ويبدو أنه لن يلغيها أو يبدلها بعض ظواهر الفشل هنا والتراجع هناك، بقدر ما هي رؤية متبصرة لمستقبل الهيمنة الأميركية وآلية واجبة التطبيق في مختلف المواقع ومناطق الأزمات، وفق غرض ثابت هو إزاحة آليات الضبط والسيطرة القديمة وتبديل الأوضاع ربما من أجل إعادة رسم خرائط منطقة الشرق الأوسط بكاملها وتجاوز تقسيمات سايكس بيكو الشهيرة.

أو بالحد الأدنى قهر نموذج الدول الأمنية والسعي لبناء علاقات سيطرة إستراتيجية على بلدان المنطقة تتجاوز ما درجت عليه العادة من تدابير سياسية ظرفية أو تفاهمات مؤقتة مع الحكام دون النظر إلى نوعهم وإلى شكل الحكم القائم ونمط المجتمع الذي يحكم.

ولا يخفى على أحد أن ما أغرى البيت الأبيض لدعم عمليات التغيير هو التحولات السلسة التي جرت في أوروبا الشرقية وتالياً الزخم المعنوي للثورات الشعبية، إن صحت التسمية، في جورجيا وأوكرانيا وغيرهما، لكن الأمر كان مأساوياً في منطقة الشرق الأوسط، بسبب رئيس هو إهمال خصوصية مجتمعاتنا بالمقارنة مع بلدان أوروبا الشرقية، هذه الخصوصية لا تقتصر فقط على درجة التخلف الاقتصادي والاجتماعي والمعرفي أو على هشاشة اللحمة الوطنية التي لا تزال تعضدها علاقات متخلفة دون المستوى السياسي.

بل يصح ما ذهب إليه البعض في إرجاعها إلى ماضٍ عريق عرف سيادة مزمنة لنمط الإنتاج الآسيوي وما يعنيه ذلك من تكريس ثقافة اتكالية اعتادت التسليم بدور واسع للدولة والسلطات الحاكمة في إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية وفي تقرير مصير الناس، وأيضاً إلى جذور تاريخية، روحية ودينية، تشد الناس بقوة إلى خصوصية مجتمعاتهم، عمقتها السنين وغدت مؤثرة ليس فقط في تحديد هوية المواطن وانتمائه، وإنما أيضاً في رسم رؤيته للغد وتحديد معالم مستقبله.

"
يتفق الجميع أن التغيير الديمقراطي في مجتمعاتنا هو مطلب عتيق وقديم قدم ما نعانيه من أمراض فساد وتخلف وقهر قبل أن تطرح أميركا مشاريعها عن الحريات والتنمية والإصلاح، بل ويشكل هذا التغيير مطلبا وطنيا وقوميا في مواجهة مطامع أميركا ومخططاتها
"
وإذا أضفنا تأثير الحضور الصهيوني على لوحة الصراع وعلى الاصطفافات والخيارات، نقف أمام أهم العوامل التي لم تستطع السياسة الأميركية رؤيتها جيداً حين اختارت أسلوب التغيير المنفلت من كل حساب، والذي بدا في نتائجه الحالية كأنه الأرض الأنسب لخلق مساحة أكبر من التفكك والاندفاعات المتخلفة والإرهاب.

إن التطلع الأميركي للتغيير في الظرف الراهن إذ يشكل، شئنا أم أبينا، دعماً موضوعياً لمناخ عمل القوى الديمقراطية في العالم فإنه وفي خصوصية منطقتنا العربية وطابع السياسات الأميركية فيها يزيد من شروط نضال الديمقراطيين العرب صعوبة وتعقيداً بل ربما يضعهم في مأزق لا يحسدون عليه بسبب الشعور العربي الراسخ بالغبن والظلم جراء احتلال العراق وانحياز الإدارة الأميركية السافر والمزمن للكيان الصهيوني.

وبسبب وضوح المسافة بين حقيقة السياسات الأميركية وبين ما ترفعه من شعارات وبينهما وبين ما تطمح إليه الشعوب وقواها الحية في معركتها ضد الاستبداد بغية بناء مجتمع ديمقراطي يحقق لها حريتها وكرامتها ويكسبها فرصتها الحقيقية في دفع عملية التنمية والتحرر الاجتماعي والاقتصادي إلى الأمام.

يتفق الجميع أن التغيير الديمقراطي في مجتمعاتنا هو مطلب عتيق وقديم قدم ما نعانيه من أمراض فساد وتخلف وقهر قبل أن تطرح أميركا مشاريعها عن الحريات والتنمية والإصلاح، بل ويشكل هذا التغيير في حد ذاته، عند الكثيرين، مطلبا وطنيا وقوميا في مواجهة مطامع أميركا ومخططاتها.

لكن الإقرار بهذه المقدمة لا يعني أبداً طمس دور العامل الخارجي المحفز، فلولا العامل الخارجي ما كنا لنحلم أن تفكر السلطات والشعوب في آن معاً مجرد تفكير بالإصلاح والتغيير، فالخارج هو ما كشف أزمات مجتمعاتنا وسخن مسارات التحول فيها، بدءاً من دور النتائج التي خلفها "الخارج" السوفياتي وانهيار المنظومة الاشتراكية ومناخات الحرب الباردة، انتهاء بالدعوات الخارجية لنشر الديمقراطية في المنطقة.

الاعتراف بالحقيقة السابقة ليس دعوة للاستقواء بأحد، بل محاولة للوقوف على أرض معرفية موضوعية وإعادة بناء وتصحيح بعض المفاهيم الخاطئة التي حكمت آليات عملنا وتفكيرنا لسنين طويلة.

فالتحدي اليوم لمن يرغب حقاً في اعتراض المصالح الغربية وسياساتها ليس في توظيفها كعدو مفترض وكيل اللعنات عليها أو على دعاة الحرية وحقوق الإنسان بل في تركيز كل الجهود لإطلاق حركة الإصلاح السياسي على مداها.

ففي تنمية الإمكانيات والقوى الداعمة لمشروع التغيير الديمقراطي خير رد على التحديات الخارجية، ولا يعيبنا أبداً الاعتراف بأن ما تطرحه قوى الخارج من مهام ديمقراطية هو مطلب مجتمعاتنا أيضاً وأولاً وحاجة حيوية لمعالجة أزماتها، وأن الشروع في الإصلاح السياسي وتحقيق نتائج مهمة على طريق بناء المواطنة وضمان الحريات وتوسيع فرص التعددية وحقوق الإنسان لا يسبب أية خسارة على صعيد مواجهة شروط الخارج، بل على العكس لن تستقيم هذه المواجهة طالما يقهر الإنسان ويفقد إحساسه بأنه يبذل ويضحي من أجل وطن حر كريم لا من أجل دوام حال الفساد والقهر والتمييز.

مثلما يفيد تبيان إن أهم عامل يزيد من فرص نجاح التغيير غير الآمن والانجرار إلى الفوضى هو استمرار ممانعة النظم للإصلاح وخاصة تلك الفاقدة لأي شرعية شعبية وتخشبت أمام الحاجة للانفتاح على شعوبها وقواها الحية، وتجاهد للتمسك بنموذج الدولة الأمنية وبرقابة حكومية شديدة وبخنق الفضاء المدني والثقافي والسياسي.

"
التحدي اليوم لمن يرغب حقاً في اعتراض المصالح الغربية وسياساتها ليس في توظيفها كعدو مفترض وكيل اللعنات عليها أو على دعاة الحرية وحقوق الإنسان بل في تركيز كل الجهود لإطلاق حركة الإصلاح السياسي على مداها
"
وأيضاُ باختلاق كل السبل المتخلفة والبائدة لضمان سلطانها وامتيازاتها عبر مزيد من القمع والقهر ومزيد من تغول الأجهزة البيروقراطية الفاسدة، وحتى عبر اللجوء إلى تأليب فئات المجتمع بعضها على الأخر عبر تنشيط الصراعات المتخلفة وإنعاش المصالح الإثنية والطائفية والمذهبية.

وأن يرفض كل منصف سياسة التغيير عبر زرع الفوضى وانفلات قوى المجتمع من عقالها على غير هدى، لكنه لن يكون منصفاً إذا استكان للاستنقاع القائم الذي ينذر بمزيد من التفسخ والانحطاط، وإذا لم يسع إلى تشديد الضغط كي تذعن الأنظمة وتقدم تنازلات جدية في صالح حراك المجتمع وتعزيز دوره، تنازلات تفضي إلى تحرير الطاقات الكامنة بصورة صحية وتمهد الطريق لانتصار مناخ ديمقراطي حقيقي، يساعد الناس قولاً وفعلاً على ممارسة دورهم وتقرير شؤونهم.

صحيح أن السلوك الأميركي المقترن بقوة مفرطة وبأساليب متنوعة لإعادة صياغة المجتمعات هو سمة الصراع العالمي اليوم، إلا أن ما يطلق جبروته ويمكنه من تحقيق أهدافه، هو استمرار ضعفنا وتغييب إرادة شعوبنا، وبالتالي ما تعيشه اليوم منطقتنا ليس قدرها بل واقع طارئ صنعته ولا تزال مناخات الاستبداد والقهر وأطماع الفاسدين وترعاه توازنات قوى لم نسع بإنساننا الحر إلى تعديلها أو تغييرها.

ربما ثمة بقايا أمل تنتظره مجتمعاتنا التي تتوق للتغيير والخلاص من هذا الركود والموات البطيء، في أن تتحلى الأنظمة بالشجاعة والجرأة الضروريتين لتبادر إلى الانفتاح على الشعوب وقواها السياسية الحية وتتقدم نحو إنجاز المهام الديمقراطية المستحقة بوصفها الخيار القادر على مواجهة مختلف التحديات الداخلية والخارجية، ولأنها تشكل الرد الوحيد الآمن لتفويت الفرصة على سياسة التغيير الأميركية وما يحتمل أن يرافقها من فوضى واضطراب.
ـــــــــــ
كاتب سوري

المصدر : الجزيرة