منصف المرزوقي

منصف المرزوقي

رئيس تونس السابق

"الحركة من أجل الانقراض الطوعي للجنس البشري" حركة مناضلة جديدة أسسها في أميركا سنة 1996 شخص يدعى لس كنايت، وهي ليست جمعية يمكن طرق بابها للانخراط فيها، وإنما هي جمهور مبهم يلتزم أو يتعاطف مع مشروع، قطب الرحى فيه وضع حد للجنس البشري.

"
الأفكار الغريبة لا تبرز في مجتمع بالصدفة، وإنما كمؤشر على تغييرات جذرية على الصعيد الفكري والمعنوي، بحيث تبدأ في جيوب هامشية لتتوسع بسرعة متفاوتة
"
يخطئ من يتصور أننا أمام ظاهرة فلكلورية، بل على العكس نحن أمام مجموعة تعمل بنشاط وتواصل في الحقل الفكري والدعوي، وقد لفتت في السنوات الأخيرة انتباه الرأي العام الأميركي، وخصصت لها الإذاعات والتلفزيونات المشهورة حصصا، كما أن لها موقعا يزوره الآلاف يوميا من كل العالم وهو (ww.vhemt.org)

إضافة إلى هذا فإن الحركة جزء من شبكة واسعة من الجمعيات والمواقع التي تصب في نفس الاتجاه.

سبب "الدعوة" حسب النبي الجديد معطيات لا جدال فيها. وهي أن تكاثرنا السرطاني، إضافة إلى ما نفرزه من بلاستيك ومعادن وزيوت وإشعاعات وغازات يؤدي إلى كارثتين.

الأولى نشر الغصن الذي نجلس فوقه بإرهاق الطبيعة واستنفاد الموارد، مما يعني تفاقم المجاعات والأوبئة والحروب، وإضافة مآس لإنسانية شبعت من المآسي.

والثانية أننا نتسبب في انقراض متسارع لما لا يحصى من الأجناس الحية، وأن وجودنا يهدد وجود أغلبيتها، وبانقراضنا إذن نرتاح ونريح. نتخلص من ألم الوجود ونفسح المجال لزخم الحياة وتواصلها على الكوكب.

كيف يكون ذلك؟ هنا يلاحظ كنايت أنه حتى لو ضربت القوى الذرية بعضها البعض بكل القنابل الموجودة، فإنه سيبقى في بعض الأدغال البرازيلية أو الأحراش الأفريقية بعض المتوحشين القادرين على إعادة المسلسل. ونفس الشيء يكون لو اخترع عالم أخطر فيروس، حيث لن يقضي إلا على 99% من البشر ليتوالد 1% الناجي بعد اكتساب مناعة جديدة تزيد من خطرهم.

لكل هذه الأسباب لا يبقى إلا التوجه إلى ضمير الأجيال الشابة. والمطلوب منهم فقط هو الكف عن التوالد عملا بمقولة المعري: هذا جناه أبي علي وما جنيت على أحد (وعلى العالم).

لنؤكد أن الحركة تنبذ الإكراه ولا تدعو إلى اختطاف الرضع ولا تعقيم التلميذات في المدارس بالقوة ولا إلى صب الأدوية المانعة للخصوبة في مياه الشرب.

كلا، فالالتحاق بالبرنامج اختياري محض، حيث يعول مفكرو الحركة على الحس الأخلاقي الرفيع للشباب ورفضه تعريض أبرياء لما تعرضوا هم له، ناهيك عن التوجه إلى شعورهم بالمسؤولية تجاه الحيوانات والنباتات.

وعندما يتناقص البشر تدريجيا فإن الضغط على الموارد سيقل، فتتحسن معيشة الجميع وتختفي ظاهرة أطفال الشوارع وسخرتهم. كما يصبح العدل ممكنا والتنافس الشرس بين الأمم بلا معنى، فتتراجع الحروب وآفاتها. هكذا سينعم الباقون بآخر سنواتهم، والآدمية تنطفئ كالنار التي توقف رمي الحطب عليها.

القاعدة أن الأفكار الغريبة لا تبرز في مجتمع بالصدفة، وإنما كمؤشر على تغييرات جذرية على الصعيد الفكري والمعنوي، بحيث تبدأ في جيوب هامشية لتتوسع بسرعة متفاوتة.

من الناحية الفكرية، يشكل ظهور المجموعة انقلابا كاملا على ثلاثة مفاهيم مركزية شكلت أهم أسس الفكر الغربي في شقه العلماني وهو المهيمن منذ النهضة.

1- مقولة الفيلسوف اليوناني بروطاقوراس "الإنسان مقياس كل شيء" التي أشاع أنه لا خطاب عن العالم ولا مشروع فيه إلا والإنسان مصدره ومركزه. تقابلها في فكرنا مقولة "الإنسان خليفة الله" على الأرض. بما للخليفة من شرعية التصرف المطلق في ما استخلفه الله فيه.

2- مقولة التقدم (الذي سيرفع تدريجيا وحتميا من قدرات الآدمي العلمية والتكنولوجية والأخلاقية، ليجعل منه إنسانا مكتمل الأوصاف)، كما نظر لها في العلم بايكن، وفي التربية والأخلاق والسياسة كوندورس وروسو وفولتير وهيغل وماركس.

ومن نافلة القول إن كل تاريخنا المعاصر تكذيب صارخ للمفهوم، حيث ظهرت كل الجوانب السلبية للعلم والتكنولوجيا التي لم يحسب لها حساب. أما عن التقدم الأخلاقي والسياسي بالعلم والتربية والديمقراطية، فانظر نشرة الأخبار أو كتب التاريخ، خاصة الحقبة التي تبعت ظهور هذه النظرية الوردية.

3- مقولة النشوء و"الارتقاء": لا توجد نظرية علمية أسيء فهمها قدر نظرية داروين، حيث كان هم الرجل فهم الآليات التي تمكن الأجناس الحية من التأقلم مع محيط متقلب عبر التغير المستمر. لكنه لم يقصد أبدا –وهو الخلط الذي عاش عليه الفكر الغربي– أن تغير الأجناس يعني "الارتقاء" أو أن أرقى الأجناس هو الجنس الآدمي.

"
كيف لم يتحول مزاجنا نحن العرب إلى المطالبة بانقراضنا والسعي الحثيث إليه رحمة بأنفسنا وبأطفالنا، ونحن لا نعد لهم إلا مكانة دنيا بين الأمم؟ إذ لا ننتج علما ولا فنا ولا فكرا يضيف شيئا للتراث الثقافي البشري الذي نريد التميز به عن بقية الكائنات
"

وسوء الفهم ناجم عن تسمية النظرية بنظرية "التطور"، الذي زايدت عليه الترجمة العربية عندما سمتها النشوء و"الارتقاء". لأنه من وجهة نظر الطبيعة، قمة "الارتقاء" ليست ظهور الفكر والقيم والفن، وإنما القدرة على البقاء.

ومن هذا المنظور، يحق للانقراضيين القول إن كل الأجناس التي قاومت وتأقلمت، أجناس راقية بنفس الكيفية، بل إن العصافير أرقى من الإنسان، لأنها موجودة قبله بملايين السنين، أو أن النمل هو سيد الارتقاء، حيث تشير الدلائل إلى أنه الجنس الحي الذي سيخلف خليفة الله، لأنه الأقدر على تحمل التلوث الحالي.

زد على هذا، اكتشاف علم البيولوجيا المعاصرة للتعقيد الهائل لأبسط الكائنات، وأنها معجزات طورت في مختلف الاتجاهات طاقات وقدرات لا توجد عند الإنسان. انتهت إذن أفضلية مزعومة اعتمدت على العلم، بعد انتهاء صلاحية الأفضلية المزعومة دينيا.

بجانب هذا التحول الفكري الهائل، يعكس ظهور تلك الحركة تحولا جذريا في الروح المعنوية. وهل ثمة يأس أعمق من الذي تنضح به هذه الحركة؟

لكن الغريب هو أن يظهر هذا اليأس في أكثر الأمم تمتعا بمنافع العلم والتكنولوجيا والديمقراطية وأكثرها –حتى زمن قريب- تفاؤلا وإيمانا بالمستقبل.

إن كان لأمة أن تنشأ فيها جماعة مثل هذه، فهي أمتنا. وهي كغصن جاف يحمل شوكا وثمارا مرة، على شجرة لها أكثر من غصن وارف.

نعم كيف لم يتحول مزاجنا نحن العرب إلى المطالبة بانقراضنا والسعي الحثيث إليه رحمة بأنفسنا وبأطفالنا، ونحن لا نعد لهم إلا مكانة دنيا بين الأمم؟ ونحن لا ننتج علما ولا فنا ولا فكرا يضيف شيئا للتراث الثقافي البشري الذي نريد التميز به عن بقية الكائنات، ونحن نتوجس خيفة من المرور من استبداد الحليقين إلى استبداد الملتحين، ومن دكتاتورية العصابات إلى دكتاتورية الجماعات؟

تقولون كشفنا أمرك: تريد فتح فرع للمنظمة المشبوهة في عالمنا العربي الإسلامي المجاهد، متسائلين هل وراءها يهود وكم دفعوا لك. خطأ. ما أدعو له هو بالعكس بعث "حركة مناهضة لانقراض البشر عموما وانقراض العرب تحديدا" تاركا زعامتها لمن يريد. ذلك لإيماني بأن حركة الانقراضيين مبنية على أسس فكرية خاطئة.

ثمة من احتج عليهم بأسفاره وآياته المقدسة وأن إله آبائه وأجداده وأن الله خلق آدم على شاكلته وولاه الأرض ومن عليها، ومن ثمة لا شرعية حركتهم بل وكفرها المبين.

وآخرون احتجوا بغريزة البقاء وحب الأطفال ومن ثمة استحالة ما يدعون له. وبالطبع يهز الانقراضيون أكتافهم أمام هذه الحجج باعتبارها دليلا آخر على صغر عقل الآدميين وهوسهم.

لا ننسى أننا أمام بشر يفكرون كالفرنسيين الشرفاء الذين وقفوا إبان حرب الجزائر مع الوطنيين ضد سياسة بلدهم، أو كالإسرائيليين المنادين بالسلام العادل مع الفلسطينيين، أو كالأميركان المجندين ضد حرب العراق. ذلك لوضعهم انتمائهم للبشرية فوق وفائهم لحكومة ووطن. كذلك الانقراضيون الذين يتحدثون من منظومة أن مصلحة الحياة التي نهددها فوق مصلحة الإنسانية. يكون النقاش معهم من داخل هذا الخيار وإلا كان حوار طرش.

من حسن الحظ إمكانية إفحامهم بحجة اكتشفتها صدفة في كتاب (العالم بدوننا) للصحفي الأميركي آلان فايسمان. إذ يمكن تلخيص بحثه في عواقب اختفاء الإنسان بين عشية وضحاها كالآتي: إذا كان وجود البشر على سطح الأرض مصيبة، فانقراضهم مصيبة أعظم.

مثال بسيط. هناك اليوم على سطح الأرض 441 محطة نووية، وكلها قائمة على الصيانة المتواصلة التي بغيابها يتبخر الماء المبرد للمفاعل الذري، مما يؤدي إلى انفجاره ولكارثة مثل تشرنوبيل.

"
علينا المساهمة مع كل الأمم في إصلاح ما أفسدناه جميعا. وإدراك أن مهمتنا هي تعهد حديقة الله لا استنزافها. وأن لنا واجبات تجاه الإنسانية التي هي أم الأمم وتجاه الكوكب الذي هو وطن الأوطان
"
تصوروا أكثر من أربعمائة تشرنوبيل تنفث سحبا متواصلة من الإشعاعات السامة لقرون عديدة، واسألوا الانقراضيين عن مصير الأجناس الحية العزيزة عليهم.

وبالمناسبة ذكروهم بأن وضعهم -هم الآدميون إلى إشعار آخر- مصلحة العدد فوق مصلحة الواحد، وإيمانهم بأن الأجناس متساوية في الإعجاز وفي الحقوق دليل ساطع على أن البشر ليسوا بالبشاعة التي تستأهل انقراضهم، حتى ولو كانوا بعيدين كل البعد عن الصور المنمقة التي نسجوها لأنفسهم على مر العصور، وبالتالي فإن لهم حقوقا منها الوجود.

تقولون، أو بعضكم المصابون مثلي بالحزن والغضب أمام ما يحدث في بغداد وبيروت وغزة، "لكن نحن العرب لا مفاعلات نووية لنا. وبالتالي يمكننا الانقراض مما سيخفف العبء على الأرض دون أن يهدد ذلك وجود الكائنات أو البشرية".

خطأ -فللأسف أو لحسن الحظ- لنا حقول شاسعة من الغاز والبترول هي الأخرى بحاجة إلى نفس الصيانة. وبدونها ستستعر حرائق هائلة لقرون طويلة تهدد الحياة بكيفية لا تقل خطورة عن تهديد الإشعاعات.

الخلاصة هي ضرورة بقاء الجنس البشري وحتى بقاء العرب، رغم صعوبة قبول الفكرة على الأقل هذه الأيام، لا لشيء إلا لمنع كوارث الاختفاء ومحاولة تدارك كوارث البقاء. كيف؟

ويكون ذلك برفض متابعة الرقاص من الإيمان بمركزية الإنسان العربي ومكانته الخاصة عند الله وتقدمه الحتمي بفضل رجوعه للإسلام "الحقيقي". إلى اليأس منه نهائيا وهجرتنا كلنا إلى ضواحي أوروبا وأميركا حيث لا زعماء مزمنين ولا عصابات فساد ولا مخبرين ولا جلادين.

ثمة بالضرورة نقطة توازن نصل إليها، هي حالة ذهنية نرسخها في عقولنا وفي قلوبنا، وخاصة في عقول أطفالنا وقلوبهم. أن علينا المساهمة مع كل الأمم في إصلاح ما أفسدناه جميعا. أن مهمتنا هي تعهد حديقة الله لا استنزافها. أن لنا واجبات تجاه الإنسانية التي هي أم الأمم وتجاه الكوكب الذي هو وطن الأوطان. أن علينا الخروج من الأطر الفكرية التي حبسنا فيها أنفسنا ببغاوات تقلد نفسها منذ أربعة عشر قرنا وتقلد الآخرين منذ أكثر من قرن. أن علينا وضع نظام سياسي سليم لأنه للمجتمع كالجهاز العصبي للجسم. أن علينا إطلاق قوى الخلق والإبداع المكبوتة داخلنا، لا لنثأر لعقدنا وإنما لشرف المساهمة في مغامرة البشرية. أن هذا سيكون عندما نجعل الحرية أولى القيم والشعور بالمسؤولية ثانيها.

نعم ما رأيكم –بجانب تكثيف النضال على السطح ضد الاستبداد القديم والاستعمار الجديد وعودة حروب داحس والغبراء– في الانخراط في حركة صامتة سرية غير مؤطرة بزعيم ولا مكتب سياسي، مداها عشرات، وحتى مئات السنين المقبلة، يكون اسمها المحفور في قلوبنا وعقولنا جيلا بعد جيل "حركة تواصل البشرية عموما، وأمتنا الجريحة على وجه التحديد"؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك