فاتح كريكار

ترددت منذ شهرين في كتابة هذا المقال، وبنفس العنوان! ليس جبنا بسبب ما أنا مقدم عليه في أمر المحاكم وما زلت اتهم بالانتماء إلى القاعدة وفرصتي الأخيرة في النرويج للدفاع عن قضية تسليمي إلى عراق الضياع والدم المهدور قد قربت! لا، فالجبن لن يكون رادا لقدر أنا مستسلم إليه يقينا.. ولن يكون حقا عندي مثل غيري حق وحكمة!

إذا غامرت في شـرف مروم فلا تقنـع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمـر حقير كطعم الموت في أمر عظيم
يرى الجبناء أن الجبن حق وتلك خديعـة الطبع اللئيـم

"
ما ظهر من قواعد القاعدة من الأخطاء في العراق كانت أبين وأخطر! لأنها مثلت زلة العالِم
"

ولا بخلا برأي اعتقدته جازما نصيحة صدق لمن لهم حق علينا، حق الإعداد والجهاد، وسبق ساحات الوغى.. وقد أخرجهم الله عز وجل للناس منارات السبيل ومعالم الطريق في زمن التيه..

ولا تكاسلا في عكس بريق إيماني ومن خلال "مرآتية" المؤمن لمن ما زال يحسن الظن فينا بثبات على العهد والطريق..

ترددت لما للعنوان من هيبة.. خوف أن لا أعطي التذكير بها حقه.. لأن الأستاذية من مراحل البلوغ وهي على اصطلاح سلفنا الصالح "منزلة الهمة" حيث تورث النزول عن العمل والثقة بالأمل.. والهمة وإن كانت مبدأ الإرادة ولكن خصوها بنهاية الإرادة! فالهم مبدؤها والهمة نهايتها..

ولأن القاعدة بايعت في الحر والقر من بايعوا تحت الشجرة وعَهِدَهم بحمل الراية في غربة الإسلام في زمن اليُتم.. وصِدقها المبرهَن أشهدَ خصومَها الكافرين المحاربين (مايكل شوير رئيس وحدة بن لادن في وكالة المخابرات الأميركية سابقا) على شاشة قناة الجزيرة على شهامة أميرها وهو يحمل في زمن عولمة الحرب الصليبية مسؤولية خلاقة تاهت في الصراعات الدولية حاسرة الرأس منذ قرن!

ولأن القاعدة مكرَّمة بجهاد أثقل حملا من جهاد غيرها، وثقله مزيد نعمة.. نعمة لا يعرفها إلا من ذاقها.. نعمة تبارك العمر وتزكيه وترفعه! ومعرفة النعمة هذه تصفو بنور العقل الذي يستوجب اليقظة والاعتبار بأهل البلاء..

ولذلك فإن ما ظهر من قواعد القاعدة من الأخطاء في العراق كانت أبين وأخطر! لأنها مثلت زلة العالم، لذلك أقول مذكرا أن أستاذية القاعدة في الجهاد لا تتطلب ترفعا على كثير مما في أيدي الجهاديين المبتدئين فحسب -باعتبار أن التنافس هذا يعيد النفس إلى رتب ارتقاها- بل ينبغي لها أنها قد وصلت إلى مشاهد من منازل في تزكية النفس الجماعية لولا الميدان الصاخب لما رأى حقا لها حتى على من آذاها! ولا شيء لها قِبَلَهُ، لأنها تريد أن تعطي المثال القرآني لمن رضي بعقد التبايع مع الله، وهو على يقين بأن أجره قد وجب على الله!

ألم يقل الفاروق للصديق بجمع الصحب الكرام لما عزم على تضمين أهل الردة ما أتلفوه من نفوس المسلمين "تلك دماء ذهبت في الله.. ولا دية للشهيد".. فما لأستاذية القاعدة تزاحم المبتدئين؟

ترددت أن أكتب ما لا يرتقي إلى عداد توجيه عامل أو تذكرة مجاهد أو نصح أمير يعين على اتخاذ موقف يثبِّت عقيدة أو يرسخ مفهوما أو يصبِّر مقداما أو يحرض قاعدا.. في وقت ارتفعت فيه شكاوى الفصائل إلى أصحاب الهمم العالية أن احذروا تنازعا لا يؤدي إلا إلى الفشل وذهاب الريح، في سويعات من عمر الأمم يلهث الاحتلال رهقا ويستغيث وقد نسي الشرق الأوسط الكبير والشرق الأوسط الصغير و"الزغيرونة"!! وهو يغور في بئر بترول وقد أشعلت المقاومة النيران فيها فاسودَّ وجهه الكالح كما اسود وجه السوفياتي القبيح في غول الحرب (فيلم أميركي عن احتلال السوفيات لأفغانستان) وهو يصرخ في العالمين يا ويلتى ليتني لم أتخذ رمسفيلد خليلا!

ترددت ولكن الشريط المنسوب إلى السيد مصطفى أبو اليزيد الذي بثته قناة الجزيرة أسرع في همة الكتابة.. لأنه دعا الفصائل الجهادية في العراق إلى الانضواء تحت راية دولة العراق الإسلامية، توحيدا للجهد قبل اندحار الاحتلال والإفادة من تجربة الساحة الأفغانية.

"
أستاذية القاعدة جاءت حيث جاهدوا دون اسم وناصروا دون إعلام، ولما صار الاسم لم يزد الرجال المبايعين إلا تواضعا! وقد بايعوا أميرا أعجميا لم يبلغ بعلمه أيا من علماء المثلث السني العراقي
"
لا أحد من العراقيين الشرفاء ينكر دور القاعدة وفارسها الزرقاوي رحمه الله في مشاغلة الاحتلال وجيشه الباغي إلى أن اشتدت سواعد الفصائل العراقية التي أنضجتها المسؤولية فغدوا فرسانا يحملون الراية الواضحة ويسيِّرون الكتائب إلى الهدف المنشود وقد أعلنه عرفاء القوم المعروفون..

ولكن في الوقت الذي كانوا فيه بحاجة إلى مزيد من نقل التجارب العملية إليهم ليستفيدوا منها لا ليستنسخوها، ليأخذوها لا لتفرض عليهم، لتكون تنشئتهم الجماعية هادئة متدرجة رغم صخب الحرب وتسارع أحداثها.. وكانت الأمة تأمل من القاعدة أستاذية مترفعة مرشدة لا جماعة إضافية أخرى مزاحمة! لم تكتف القاعدة بذلك وهو من حقها فأعلنت "دولة العراق الإسلامية"!

وهذا بنظري القصير أغرب خطوة أقدموا عليها! لأن الاسم الكبير لا يكبر المسمى.. كانت أفغانستان، والقاعدة فيها، دولة تحولت إلى إمارة، فكيف بفرع للقاعدة في العراق لا تحكم إلا أفرادها تتحول إلى دولة (وليست إمارة)! في بقعة لم يعد فيها أثر لدولة حديثة بنيت خلال ثمانين عاما دمرت بمؤسساتها كلها بيد احتلال ما زال جاثما يوقع عقود السنين الخمسين المقبلة؟

أليس هذا الانتقاد مساويا في مضمونه لانتقاد حماس في فلسطين لمشاركتها في إدارة دولة وهمية أو في تشكيل حكومة لا تملك معبرا لإدخال الصدقات إلى من يستظلون بظلها؟

إن أستاذية السياسة والجهاد وإعادة إخراج الأمة ليست أقل من إمامة مذاهبنا.. فالمنتسب إليها في العراق ينبغي أن يكون كأصحابها الأوائل يزري بالأعواض والدرجات وينحو عن النحوت نحو الذات، وإلا فيرى نفسه غير آبه بإشارات المرور فيصطدم ثم يعقل ويصطدم ثم يعقل حتى إذا ما اكتملت رؤيته الواقعية في زمن قد يطول خربت سيارته وخرجت عن مسارها! فيصبح في وحشة تجره إلى الغلو في التكفير فينفِّر ركَّابه، وتدفعه إلى الولوغ في الدم فيتبرأ منه المبتدئون.

وقد يضطر بعدها إلى جرِهم إلى الجهاد سوقا لا شوقا فيزيدهم الأمر تبرما فتبدأ النجوى أو ما تسميه تنظيمات العصر بالجيوب التنظيمية! وقد تجبره الحاجة إلى المناصرين على مزيد من الضغط على عمقه البشري الذي زاد هو أيضا تبرمه من ردمه خطوة خطوة وتضييقها عليه حتى صار العمق سطحا أنتج مجلس الأنبار لو استطعموه لأبوا أن يضيفوه وقد آووه من قبل وناصروه..

إن أستاذية القادة جاءت حيث جاهدوا دون اسم وناصروا دون إعلام، ولما صار الاسم لم يزد الرجال المبايعين إلا تواضعا! وقد بايعوا أميرا أعجميا لم يبلغ بعلمه أيا من علماء المثلث السني..

فلا ملا عمر على جلالة قدره يشبه الشيخ الجبوري، ولا عبد السلام ضعيف أفقه من الدكتور إبراهيم الشمري.. وكل ميسر لما خلق له..

فكيف رضي القوم في العراق تخطي الرقاب! رقاب من يملكون رؤية أوضح وعلما أغزر وعمقا أوسع.. ولهم نفس الراية والهدف؟!

إن أستاذية القادة الصامتة لم توقف حرب الكلمة الصليبية في أفغانستان (التي كانت تروج أن تدمير البلاد كان بسبب القاعدة وبن لادن!) فحسب، بل كسبت رجالات من أمثال حكمتيار إليها بعد تدمير البلاد وقد أعلن وباللغة العربية التي لم يكن يتقنها في السابق أنه لشرف له أن يقاتل تحت راية شيخي القاعدة!

"
الاسم الكبير لا يكبّر المسمى.. كانت أفغانستان، والقاعدة فيها، دولة تحولت إلى إمارة، فكيف بفرع للقاعدة في العراق (دولة العراق الإسلامية) لا تحكم إلا أفرادها تتحول إلى دولة (وليست إمارة)! في بقعة لم يعد فيها أثر لدولة
"
هذا الاختصاص نعمة إلهية و ليس رتبة تنظيمية تعطى.. استحقها الشيخان بعد نوال أنواط المدح حتى من بعض شانئيهم بعد أكثر من عشرين عاما من الجهاد في بلاد الأفغان.. فكيف يريد الفرع الكريم الناشئ البيعة وهو لم ينل بعد نوطا من صاحب الدار وهم عرب مثله؟

إن الأستاذية منحة ربانية.. نعمة من تكريم.. ومن كملت عليه نعمة الله واختصه منها بما لم يختص به غيره في إعطائه منها ما حرم غيره منه، فقد جعله في منزلة الولي الحبيب واقتضت حاله كما يقول الإمام ابن القيم من حفظ مرتبة الولاية والقرب والاختصاص بأن يراعي مرتبته من أدنى مشوش أو قاطع.

فلشدة الاعتناء به واتخاذه لنفسه واصطفائه على غيره تكون حقوقه أتم! فالمطلوب منه فوق المطلوب من غيره، لأنه إذا غفل وأخلََّ بمقتضى مرتبته نبِّهَ بما لم ينبه عليه البعيد البراني.. وعبرة الإيمان بالعمل.

وقد قال الإمام ابن تيمية رحمه الله في بعض الآثار الإلهية "إني لا أنظر إلى كلام الحكيم، وإنما أنظر إلى همته"! فكلام الحكيم دروس قيادة نظرية وهمته تبرهنها جدارة الأستاذية..

يعرف الشيخان فساد ما ترتب على مقتلة بعض شورى النظار الذين كانوا مع أحمد شاه مسعود في بدخشان أواخر عهد الاحتلال السوفياتي على كل خطوة تقارب جدي جُرَّ إليها الحزب الإسلامي (حكمتيار) والجمعية الإسلامية (رباني)، وكيف أن قتل هؤلاء وأد كثيرا من آمال الحكم الإسلامي مبكرا..

والطرفان هناك لم يطلب أحدهما من الآخر إلغاء نفسه والانضمام إليه مثلما تطلب دولة العراق الإسلامية من كل الفصائل الجهادية العراقية التخلي عن رؤيتها وبرامجها والانضمام إليها!

إن تاريخ الاختلافات بين انتماءات القوم الواحد يؤكد أن تاريخ اختلافات القبائل العربية كانت أخطر على كل كيان قام في التاريخ! قبيلة كانت أم إمارات ودول.. من داحس والغبراء إلى مَقاتل الخلفاء الراشدين وما نجم عنها من فتن استمرت عقودا.. إلى نبش قبور خلفاء بني أمية من قبل العباسيين.. إلى اختلافات القبائل اليمنية التي وصلت إلى الأندلس فجعلت حضارة ستمائة عام مناطح لملوك الطوائف، فصار في كل زقاق خليفة ومنبر.. وضاع الحكم والحضارة..

إن اختلاف انتماء العرب في المثلث السني لا يفهمه إلا الملم بتاريخ القبائل، وإن الترابط العقائدي المتأصل حديثا بحاجة إلى زمن وتبيان كي يغلب الانتماء القبلي. وإذا لم تعر الفصائل الجهادية في العراق وفي مقدمتهم دولة العراق الإسلامية الاهتمام البالغ لهذا فستصبح لا سمح الله أسلاك التفجير تنقل الشرارة في الخفاء.. والله اعلم
__________________________
مؤسس أنصار الإسلام في كردستان العراق

المصدر : الجزيرة