عبد الوهاب المسيري

عبد الوهاب المسيري

الأستاذ الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله، مفكر عربي إسلامي


يدّعي بعض دارسي المجتمع الأميركي أنه يتسم بالتعددية والتنوع والانفتاح، إلا أن واقع الولايات المتحدة يبيّن أنه مجتمع تسود فيه النمطية بشكل مذهل، مما يؤدي في نهاية الأمر إلى طمس المعالم الخاصة لكل الهويات المختلفة ودمجها في هوية علمانية واحدة.

فهذا المجتمع تسوده أسطورة علمانية واحدة، ومعيار قبول اجتماعي علماني عقلاني مادي واحد، وهو معيار يسمح للجميع بالانتماء شريطة أن يتخلوا عن خصوصيتهم الدينية والإثنية، أي عن القسط الأكبر من هويتهم لتحل محلها هوية واحدة.

وكلما ازداد تخليهم عن هويتهم ازدادت أمامهم فرص الحراك الاجتماعي، فما يسود المجتمع ليس تنوعا حقيقاًَ وإنما هو وحدة عقلانية علمانية عميقة وتنوع إثني سطحي، وهذا هو جوهر "الأمركة".

"
المجتمع الأميركي تسوده أسطورة علمانية واحدة ومعيار قبول اجتماعي علماني عقلاني مادي واحد، وهو معيار يسمح للجميع بالانتماء شريطة أن يتخلوا عن خصوصيتهم الدينية والإثنية، أي عن القسط الأكبر من هويتهم لتحل محلها هوية واحدة
"
وتبدّت هذه الرؤيا في فكرة بوتقة الصهر (melting pot) التي يقفز فيها المهاجرون ثم يخرجون منها وقد نسوا تاريخهم وتراثهم وهويتهم ويتم دمجهم والقضاء على ما قد يكون قد بقي فيهم من رواسب تاريخية أو تراثية قديمة، فيصبحون مواطنين أميركيين كاملين، عقولهم صفحة جديدة بيضاء مثل صفحة لوك الشمعية.

ولكن لوحظ أنه منذ أواخر الستينيات ظهر احتفاء بالإثنيات في الولايات المتحدة. ويمكن تفسير هذا التحول بالإشارة إلى أن المؤسسة الحاكمة أدركت أن صفحة العقل لم تكن بيضاء تماما، وأن بوتقة الصهر تفترض مركزية الواسب (Wasp) وهو اختصار عبارة (وايت أنجلو ساكسون بروتستانت)، أي بروتستانتي أبيض من أصل أنجلو ساكسوني يتحدث الإنكليزية.

وهي فكرة سادت في المجتمع الأميركي حتى منتصف الستينيات، إذ كان يفترض أن يتأقلم المهاجر تماما وينسى هويته ليصبح أميركيا قلبا وإن أمكن قالبا.

ومن هنا ظهرت مشكلة السود الذين لم يكن بوسعهم تغيير لون جلدهم وثقافتهم الأفريقية الأميركية، التي كانت مختلفة بشكل جوهري عن ثقافة الواسب.

كما أن الصهاينة بدؤوا يتحدثون عن الهوية اليهودية، ثم تدفق مهاجرون من كوريا والصين وأميركا اللاتينية وبدؤوا هم أيضا يتحدثون عن إثنيتهم، فانحسرت أسطورة بوتقة الصهر وظهرت استحالة تنفيذها، فحلت محلها أسطورة أكثر تركيبا وإن كانت لا تقل عنها أحادية.

إذ إنه أصبح من الممكن الاحتفاظ بالميراث الإثني أو حتى الديني القديم في الحياة الخاصة طالما أن هذا لا يتعارض مع مقدرة الشخص على الأداء الكفء في الحياة العامة أو مع المنطلقات العامة للجميع، بل ويمكن الاحتفاظ بالهويات الإثنية والدينية في الحياة العامة طالما أن ذلك لا يتعارض مع الولاء الأساسي للدولة (ذلك المطلق الذي يلتف حوله العلمانيون الشاملون).

وهذا يعني أن الدين والإثنية ينكمشان ولا يتناقضان بأية حال مع مرجعية المجتمع النهائية. فيمكن للعربي أن يرقص الدبكة ويأكل الكبة أو الملوخية، ويمكن أن يؤدي الصلاة في المسجد طالما أنه يدور فى إطار المرجعية المادية النهائية للمجتمع المبني على التنافس، والتي لا ترى الإنسان إلا باعتباره إنساناً اقتصادياً جسمانياً، يدخل حلبة الصراع اليومية.

 أمّا الأبعاد الإثنية والدينية فيتم تهميشها وتصبح زخارف مسلية يمكن الاحتفاظ بها، لأنها لا تنطوي على أي تحدٍّ للقيم السائدة. وقد أدى هذا الوضع إلى زيادة الإنتاجية، إذ تم ضبط حياة الإنسان الأميركي الخاصة، فهو تحكمه معايير أخلاقية دينية أو إثنية، وتنظمه، ثم ينطلق في رقعة الحياة العامة المنفصلة عن القيمة ليقاتل ويتنافس ويتصارع حسب القوانين الداروينية.

وهذه خلطة فريدة تسببت في نجاح المجتمع الأميركي، وإن كان من الملاحظ أن أبناء الجيل الثاني والثالث من المهاجرين يتخلون تدريجيا عن المنظومات الإثنية والأخلاقية التي أتى بها آباؤهم من العالم القديم. كما أن رقعة الحياة الخاصة آخذة في التآكل هي الأخرى، إذ يغزوها الإعلام والمؤسسات التعليمية المختلفة التي تدافع عن حداثة منفصلة عن القيمة فينخرط الجميع في الحياة الاستهلاكية الأميركية والتمركز حول الذات.

"
يمكن للعربي أن يرقص الدبكة ويأكل الكبة أو الملوخية ويمكن أن يؤدي الصلاة في المسجد طالما أنه يدور فى إطار المرجعية المادية النهائية للمجتمع المبني على التنافس والتي لا ترى الإنسان إلا باعتباره إنساناً اقتصادياً جسمانياً يدخل حلبة الصراع اليومية
"

ومع هذا يأتي فوج جديد من المهاجرين ينتمون إلى النمط القديم ويدفعون بعجلة الإنتاج الأميركية. وتظل المرجعية النهائية هي العلمانية الشاملة بإنكارها أي تركيبة إنسانية وباختزالها الإنسان إلى بعض العناصر المادية.

وهكذا تعامل الإثنية ذاتها معاملة الدين، أي يتم الاعتراف بها ما دامت لا تتناقض مع منطلقات المجتمع وقيمه الأساسية ولا تكون إطار لسلوك الإنسان في الحياة العامة.

وثمة أسباب سياسية واجتماعية واقتصادية جعلت الولايات المتحدة مرشحة لأن تكون أول حضارة علمانية شاملة:

1- رقعة الحياة العامة في الولايات المتحدة اتسعت بشكل هائل، وهي حياة تهيمن عليها الحكومة والاحتكارات ووسائل الإعلام وقطاع الاستهلاك الذي يشيع قيما مادية نفعية صارمة لا تتسامح البتة مع أي مطلقات إنسانية أو أخلاقية أو دينية. وهي مؤسسات من القوة بحيث أنها تصل إلى الفرد في حياته الخاصة وفي عالم أحلامه ورغباته.

2-يوجد في الولايات المتحدة دولة قومية مركزية قوية قادرة على الوصول إلى كل أرجاء الرقعة التي تحكمها. ويقال إن طبيعة أميركا الشمالية المنبسطة، وعدم وجود حواجز طبيعية (جبال أو غيرها)، سهلت عملية المركزية هذه.

3- أصبحت الدولة المركزية دولة متغولة، يتبعها نظام تعليمي قوي قادر على صياغة المواطنين وعلى ترشيدهم وتلقينهم القيم العلمانية. فالكتب المدرسية لا يمكن لها أن تشير إلى أي قيم دينية لأن ذلك مخالف للدستور، لكنها تشيع القيم النسبية. وأخيرا بدأت كتب المطالعة تتحدث عن الشذوذ الجنسي (أو الجنسمثلية) باعتباره شكلا من أشكال الاتصال المشروع.

وتعتمد هذه الكتب النظرية الداروينية في أصل الأنواع باعتبارها نظرية علمية لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، ولذا لا تمكن الإشارة إلى نظرية الخلق الإلهي.

وحينما حاولت بعض الجماعات الدينية أن تذكر الكتب الدراسية نظرية أخرى في أصل الأنواع وهي نظرية التصميم الذكي (intelligent design) التي تستند إلى أساس علمي لا يقل مصداقية عن الأدلة التي يأتي بها الداروينيون، رفضت المحكمة العليا هذا الطلب!

4- ثمة أسباب اقتصادية متداخلة مع الأسباب التاريخية، فالولايات المتحدة لا تعرف في تاريخها القصير إلا نمطاً اقتصادياً واحداً هو الرأسمالية المبنية على التنافس والفردية والقيم البراغماتية والداروينية والنيتشوية.

فهي لا تعرف نظاما إقطاعيا سابقا على قمته طبقة أرستقراطية تدين بالولاء لبعض المقولات غير المادية، مثل المكانة والفروسية والأريحية والجماعية والاهتمام بالزراعة باعتبارها عملا نبيلا، واحتقار التجارة والبزنس.

5- وإذا كان السوق هو الإطار الأساسي للحضارة في الولايات المتحدة فإن المصنع هو الجانب الآخر، خصوصا بعد تطوير خط التجميع.

فالمصنع يقوم بعلمنة العمل والإيقاع الإنساني تماما ولا يعترف بأي خصوصيات. ويذهب ماكس فيبر إلى أن الترشيد الكامل هو تحويل العالم إلى حالة السوق والمصنع، وقد وصلت الولايات المتحدة إلى هذه المرحلة بطريقة نماذجية تقريبا.

"
لم تسيطر الرموز المسيحية على الولايات المتحدة، ولم تختلط بالرموز القومية إلا لفترة قصيرة من تاريخها. وتمت علمنة الرموز تماما حتى وصلنا إلى مرحلة أصبح من المستحيل على المسيحيين أن يبنوا تماثيل صغيرة تبين منظر مولد المسيح في الحدائق العامة باعتبار أنها ملكية عامة
"

6- وتشجع الخلفية البروتستانتية للحضارة الأميركية (التي لا يسبقها تراث كاثوليكي) على الفردية وعلى الخلاص الشخصي وإنكار أهمية الجماعة، وعلى تمجيد قيم المنافسة ومراكمة الثروة. ولكننا بهذا نكون قد تحركنا من المجال الاقتصادي إلى المجال الديني والثقافي.

7- يمكن القول إن الأسباب الثقافية والسياسية والتاريخية متداخلة لدرجة لا يمكن الفصل بينها إلا كضرورة تحليلية.

ينص إعلان استقلال أميركا على فصل الدولة عن الكنيسة، وقد هُمّش الدين تماما حتى أصبح شأنا من شؤون الضمير. وفي عام 1840 اعترض المواطنون في ولاية نورث كارولينا على إشارة حاكم الولاية للثالوث المسيحي في دعاء عيد الشكر، وتم استبعاد أي إشارات دينية من الحياة العامة.

ولم تسيطر الرموز المسيحية على الولايات المتحدة، ولم تختلط بالرموز القومية إلا لفترة قصيرة من تاريخها. وتمت علمنة الرموز تماما حتى وصلنا إلى مرحلة أصبح من المستحيل على المسيحيين أن يبنوا تماثيل صغيرة تبين منظر مولد المسيح في الحدائق العامة باعتبار أنها ملكية عامة، ولذا فهي خاضعة للدستور الأميركي الذي يفصل الدين عن الدولة.

وتم فصل أي مطلقات أخلاقية في الولايات المتحدة منذ البداية عن كثير من نشاطات الإنسان، إذ ساد تماما الاقتصاد الرأسمالي الحر الذي يستند إلى آليات السوق والبيع والشراء وسادت الفلسفة البراغماتية التي ترفض التجاوز ثم سادت معها الفلسفة الداروينية الاجتماعية.

كل هذه العوامل أدت إلى ظهور مجتمع علماني نماذجي أو شبه نماذجي وظهور فكر علماني شامل صرف. ومن هنا ظهور الداروينية الاجتماعية والبرغماتية وهيمنتهما على المجتمع الأميركي.

وهي فلسفات علمانية شاملة شرسة جوهرها إنكار أي قيم متجاوزة ثابتة، إذ يصبح العالم حلبة صراع بين بشر نيتشويين (سوبرمان وفوق البشر) يبطشون بالآخرين (ويفرضون إرادتهم على الواقع وعلى الآخرين) من جهة، ومن جهة أخرى بشر خانعين (سبمن Submen دون البشر) عليهم التكيف مع الأمر الواقع (الذي خلقته إرادة الأقوياء) من دون أي تجاوز، أي أن ما يظهر هنا هو نماذج بشرية تجسد الواحدية المادية.

وكان من الممكن حصار هذا الاتجاه المتطرف نحو العلمنة الشاملة وتحييده لو كانت توجد تقاليد حضارية وتاريخية سابقة تولد ضربا من التركيب وتفرض قدرا من الثنائية.

لكن الولايات المتحدة كانت بالفعل "صفحة بيضاء" بلا ذاكرة تاريخية، من السهل أن يتبلور فيها النموذج العلماني الشامل بواحديته المادية ليقترب من اللحظة النماذجية (لحظة الصفر العلمانية) من دون مقاومة تذكر من أي تقاليد أخلاقية أو حضارية أخرى، ومن دون أي عوائق فكرية تقف في طريقه.

وقد يُقال إن ما يهيمن على الولايات المتحدة الأميركية ويحركها فى الوقت الحاضر ليس العلمانية الشاملة أو الحداثة الداروينية، وإنما حسّ ديني وإن النخبة الحاكمة تأخذ هذا في الاعتبار حين تتخذ قرارا ما. وأنا لا أوافق على هذا القول.

فما يحكم الولايات المتحدة في الوقت الحاضر تحالف بين الشركات الكبرى مثل إنرون وهاليبرتون وشركات البترول، وهو تحالف قريب جدا من النخبة الحاكمة، بل يصعب التمييز بين المجموعتين.

ويعبر المحافظون الجدد عن فكر ومصالح هذا التحالف. كل المحافظين الجدد من العلمانيين، ورغم أن معظمهم يهود فأغلبهم مما يطلق عليه يهود إثنيون أو علمانيون أو ملحدون، وهؤلاء ينظرون لليهودية باعتبارها شكلا من أشكال الفلكلور.

هذه المجموعة تدرك أهمية العنصر الديني في تحريك الجماهير. لذا قامت بتوظيف الصحوة الدينية المسيحية هناك فيما يسمى الصهيونية المسيحية، وهي شكل من أشكال الاحتجاج على التدهور الأخلاقي في المجتمع الأميركي الذي أصبح حسب وصف أحد المحللين "مجتمع الانفلات".

"
الصحوة الدينية لا تتسم بذكاء شديد في أميركا، فالصهاينة المسيحيون يدافعون عن الأسرة والتماسك الاجتماعي ويتصدون للشذوذ الجنسي، ولكنهم لا يرون أي علاقة بين القيم التي يدافعون عنها وبين سياسة أميركا الخارجية العدوانية
"

ولكن هذه الصحوة الدينية لا تتسم بذكاء شديد. فالصهاينة المسيحيون يدافعون عن الأسرة والتماسك الاجتماعي ويتصدون للشذوذ الجنسي ويصوتون ضد الاعتراف بالزواج المثلي، ولكنهم بسبب سذاجتهم وضحالة ثقافتهم السياسية لا يرون أي علاقة بين القيم التي يدافعون عنها وبين سياسة أميركا الخارجية العدوانية.

كما أنهم لا يدركون أن اعتمادات ميزانيات الدفاع الضخمة وإخفاق الدولة الأميركية في مواجهة إعصار كاترينا وتخفيض المعونات الصحية وتدهور نظام الرعاية الصحية هو نتيجة رؤية النخبة الحاكمة الإمبريالية التي تكلف الميزانية الأميركية مئات البلايين من الدولارات بسبب مغامراتها العسكرية الفاشلة الهادفة إلى خدمة مصالح أصحاب الشركات الكبرى.

وهم يدافعون عن سياسة السوق الحرة والليبرالية الاقتصادية وآليات العرض والطلب والمنافسة، ولا يرون علاقة هذا بالنسبية الأخلاقية المتفشية والإباحية المتزايدة في وسائل الإعلام، وبالحداثة الداروينية ككل.

كما أن جماهير الصهيونية المسيحية يأتون من الكنائس الشعبوية التي ينتمي إليها أعضاء الطبقات المتوسطة الدنيا، وهؤلاء ثقافتهم مستمدة من التليفزيون، خاصة الفضائيات الإنجيلية، ومن الصحف المحلية التي لا تعرف شيئا عن العالم.

وبسبب جهلهم يسقطون في التفسيرات الحرفية التي يمكن توظيفها بسهولة في خدمة أي هدف أو غرض، ومن هنا تأييدهم للدولة الصهيونية الأمر الذي تشجعه بطبيعة الحال النخبة الحاكمة. والله أعلم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك