محمد بن المختار الشنقيطي

محمد بن المختار الشنقيطي

أستاذ الأخلاق السياسية بمركز التشريع الإسلامي والأخلاق في قطر


دروس الحرب الباردة
الاعتدال الحقيقي والزائف
العرب هم سر البلاء
لا تزني ولا تتصدقي

ازداد اهتمام المنظرين والساسة الأميركيين بالإسلام والمسلمين زيادة ملفتة للنظر منذ هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001. ودرجت مراكز التنظير الإستراتيجي في الولايات المتحدة على إصدار دراسات تقدم فيها مختلف أصناف الاجتهادات والتصورات التي يمكن أن تعين صانع القرار الأميركي على التحكم في نتائج المخاض الاجتماعي والسياسي الذي يعيشه العالم الإسلامي اليوم.

وهذه مناقشة وجيزة لآخر الاجتهادات الأميركية في مصير الأمة الإسلامية كما تضمنتها دراسة أصدرتها مؤسسة "راند" المقربة من سلاح الجو الأميركي، بعنوان "بناء شبكات مسلمة معتدلة".

صدرت الدراسة مؤخرا في 217 صفحة من تأليف شيريل بنار (زوجة السفير الأميركي السابق في كل من العراق وأفغانستان، زلماي خليل زاد) مع ثلاثة باحثين آخرين.

وهي تبدأ بالتأكيد على أن الصراع الدائر في العالم الإسلامي اليوم هو صراع أفكار بالأساس، وأن طرفي الصراع من المتطرفين والمعتدلين بالتعريف الأميركي يخوضان حربا غير متكافئة، حيث يملك المتطرفون الخبرة والتنسيق والموارد ولا يملك المعتدلون ذلك.

وبناء عليه تؤكد مقدمة الدراسة على أن المعتدلين يحتاجون إلى "محفز خارجي" يرجح كفتهم في الصراع، ولذلك "تستطيع الولايات المتحدة لعب دور حيوي في تمهيد أرض المعركة لصالح المعتدلين".

وتقترح الدراسة بناء شبكات عالمية من المسلمين المعتدلين وتمويلهم ونصب المنابر لهم بناء على أن الولايات المتحدة لا تستطيع التأثير المباشر على مسار الصراع، وإنما تستطيع لعب دور الداعم المالي والموجه السياسي من وراء ستار.

دروس الحرب الباردة

"
الدراسة توصي بأن المسار الصحيح الذي ينبغي أن تتبناه الولايات المتحدة هو بناء شبكات عالمية من المسلمين المعادين للإسلاميين شبيهة بالمنظمات المعادية للشيوعية التي بنتها أوروبا الغربية خلال الحرب الباردة
"
تنطلق الدراسة من مسلمة صريحة هي التشابه بين الصراع الغربي الشيوعي خلال الحرب الباردة والصراع الأميركي الإسلامي اليوم.

وتتوصل إلى أن المسار الصحيح الذي ينبغي أن تتبناه الولايات المتحدة هو "بناء شبكات عالمية من المسلمين المعادين للإسلاميين، شبيهة بالمنظمات المعادية للشيوعية التي بنتها أوروبا الغربية خلال الحرب الباردة" (ص 5).

وتوصي الدراسة باعتماد منهج "الدعاية والاختراق الثقافي" (ص 7) الذي اعتمدته الولايات والمتحدة وبريطانيا خلال الحرب الباردة. والأسوة التاريخية التي ينبغي الاقتداء بها هنا –حسب الدراسة- هو الرئيس الأميركي ترومان وأعضاء حكومته الذين أدركوا قيمة "الدعاية والحرب النفسية في هزيمة المخاطر السياسية الخارجية" (ص 10).

وتلخص الدراسة إستراتيجية ترومان التي ينبغي استنساخها في العالم الإسلامي اليوم في أنها "عمليات علنية يتم توجيهها بشكل سري" (ص 11).

وتكون البداية بناء شبكات "من العلمانيين والمسلمين الليبراليين والمعتدلين التقليديين بمن فيهم المتصوفة" (ص 70). ويوصي التقرير أن تمول الحكومة الأميركية هذه الشبكات المسلمة المعتدلة بشكل سري، تماما كما كانت وكالة المخابرات الأميركية (سي آي أيه) تمول منظمات عديدة مناهضة للشيوعية خلال الحرب الباردة، وكان تمويل السي آي أيه يتم بشكل سري حفاظا على مصداقية تلك المنظمات التي كانت تتلبس بلبوس أكاديمية وثقافية بريئة.

ومن أهم دواعي هذا التستر كما يقول كتّاب الدراسة هو أن "السياسيين الأميركيين أدركوا أنهم بقدر ما يحافظون على مسافة بين حكومتهم وبين المنظمة التي يمولونها بقدر ما تنجح المنظمة في نشاطاتها" (ص 26).

لذلك كانت الحكومة الأميركية تمول المنظمات المناهضة للشيوعية من وراء ستار و"عبر جمعيات أهلية حقيقية وخيالية" (ص 31). وكانت المنظمات التي تمولها واشنطن للعمل ضد الشيوعية "مسموحا لها بالتعبير عن مواقف سياسية مخالفة لمواقف الحكومة الأميركية، بل كان يتم تشجيعها على فعل ذلك" (ص 32) حفاظا على مصداقيتها التي كانت ستنهار حتما حالما تتكشف الحقيقة حول مموليها السريين.

الاعتدال الحقيقي والزائف
يعتبر مؤلفو الدراسة أن "التمييز بين المعتدلين الحقيقيين وبين المتطرفين المتقنعين بقناع الاعتدال من أهم الصعاب التي تواجه الجهود الغربية للتعاطي مع المجتمعات المسلمة" (ص 37)، ويفخر كتّاب الدراسة بأن من "الاكتشافات الرئيسة لهذا التقرير.. أن الحكومة الأميركية وحلفاءها لم ينجحوا حتى الآن في وضع معايير واضحة تعرِّف المعتدلين الحقيقيين.. ونحن نرجو أن تكون إحدى الإسهامات المهمة لهذا التقرير هي وضع جملة معايير لتعريف المعتدلين" (ص 37).

وحينما يتأمل الدارس هذه المعايير التي "اكتشفها" معدو التقرير لا يجد اكتشافا كبيرا، فمن هذه المعايير مثلا ما لا يختلف فيه كاتبو الدراسة مع التيار الإسلامي العام.

فمعايير القبول بالديمقراطية وحقوق الإنسان ورفض العنف غير الشرعي تنطبق على مجمل الحركات الإسلامية عبر العالم. لكن كتّاب الدراسة إدراكا منهم لهذا الأمر ابتكروا معايير جديدة، أو أعادوا تعريف المعايير القديمة.

"
معايير القبول بالديمقراطية وحقوق الإنسان ورفض العنف غير الشرعي تنطبق على مجمل الحركات الإسلامية عبر العالم. لكن كتّاب الدراسة إدراكا منهم لهذا الأمر ابتكروا معايير جديدة أو أعادوا تعريف المعايير القديمة
"
فكتبوا مثلا أن "القبول بالديمقراطية يتضمن رفض مفاهيم الدولة الإسلامية... فإعلان جماعة أنها ديمقراطية بمعنى قبولها التحاكم إلى الانتخابات في تداول السلطة –كما هو حال الإخوان المسلمين في مصر- لا يكفي" (ص 66).

 وقد انتقد كتاب الدراسة التعامل الإيجابي الذي تعاملت به الحكومة الأميركية مع "حزب العدالة والتنمية" المغربي، ومع "جبهة العمل الإسلامي" الأردنية لأن هذين الحزبين حسب المعايير المعتمدة في الدراسة يندرجان ضمن صنف الاعتدال الزائف لا الاعتدال الحقيقي.

أما الاعتدال الحقيقي في أذهان معدي الدراسة فيمكن فهم مغزاه فقط من خلال لائحة المسلمين المعتدلين الواردة في الدراسة. فممن وردت أسماؤهم في هذه اللائحة أيان هرسي علي الهولندية من أصل صومالي التي تصفها الدراسة بأنها "ملحدة مجاهرة بإلحادها" (ص 135) ومنهم الأستاذ الألماني من أصل سوري بسام الطيبي الذي تقتبس الدراسة قوله: "إن الشريعة هي النقيض لحقوق الإنسان، كما أن النار هي نقيض الماء" (ص 97)، والأستاذ الكويتي أحمد البغدادي التي أعجب كتّاب الدراسة بقوله إنه يفضل لابنه دراسة الموسيقى على دراسة القرآن الكريم (ص 134).

أما الوجوه الإسلامية المشهورة باعتدالها عالميا فقد تم التشهير ببعضها في الدراسة، فالشيخ يوسف القرضاوي مثلا تم وصفه بأنه "واعظ تلفزيون سلفي" (ص 93) والدكتور طارق رمضان تم إدراجه في سياق الراديكاليين (ص 99).

العرب هم سر البلاء
يعتقد كتاب الدراسة أن المسلمين من غير العرب –خصوصا الإندونيسيين والأتراك- أكثر تقبلا للخطاب الأميركي والنفوذ الأميركي من العرب. والعرب في العرف الأميركي -بالمناسبة- يشملون الإيرانيين والباكستانيين والأفغان (سمعت مرة أستاذا بجامعة أميركة، وهو عربي مسيحي من أصل لبناني، يتحدث عن رسالة وصلته بالبريد تهدد بالموت جميع الإيرانيين!).

وتتضمن هذه الدراسة -ودراسات أخرى لمؤسسة راند- تشهيرا واضحا بالعرب ورميهم بكل نقيصة، ومن ذلك القول في دراسة سابقة لمؤسسة راند إن مشكلة الأفغان هي أنهم متأثرون أكثر من اللازم بالثقافة العربية.

ومن الواضح أن هذا التحامل على العرب يعكس يأس المنظرين الأميركيين من النفاذ إلى قلوب المجتمعات العربية، أو تحقيق أي اختراق فكري أو سياسي يذكر في المنطقة العربية بأي وسيلة غير الوسائل الأمنية والعسكرية.

ولأن العالم العربي يصدر الآن الفكر الراديكالي إلى أقطار العالم الإسلامي أجمع حسبما ورد في الدراسة، فإن كتاب الدراسة ينصحون صانع القرار الأميركي بالعمل على تحويل التيار الفكري الحالي الذي يجعل العالم العربي منبع الفكر والفقه الإسلامي، ووضْع العالم العربي موضع المتلقي لأفكار الاعتدال من الدول المسلمة غير العربية خصوصا إندونيسيا وتركيا من خلال ترجمة الكتب الصادرة في هذه الدول إلى اللغة العربية وتوزيعها على نطاق واسع (ص 144).

"
كتّاب الدراسة يدعون إلى تركيز الجهود والموارد في المناطق غير العربية التي ترجو واشنطن تحقيق ثمرات أكبر واختراق أسهل فيها. أما في المنطقة العربية فغاية ما يطمح إليه منظرو راند هو ما دعوه المحافظة على المواقع وانتظار الفرص السانحة
"
كما يدعو كتّاب الدراسة إلى تركيز الجهود والموارد في المناطق غير العربية التي ترجو واشنطن تحقيق ثمرات أكبر واختراق أسهل فيها. أما في المنطقة العربية فغاية ما يطمح إليه منظرو راند في هذا التقرير هو ما دعوه المحافظة على المواقع وانتظار الفرص السانحة.

لكن المنظرين الأميركيين يتجاهلون هنا أن الفرق الجوهري بين الحالتين يرجع إلى السياسات الأميركية، لا إلى الثقافة العربية. فلو أن إسرائيل ولدت وترعرت على إحدى الجزر الإندونيسية، ولو أن أميركا حاصرت تركيا لمدة اثنتي عشرة سنة حتى مات نصف مليون من أطفالها جوعا ثم احتلتها بعد ذلك، ولو أن أغلب حكام الدول الآسيوية المسلمة كانوا قمعيين يعيشون تحت الحماية الأمنية والعسكرية الأميركية.. لكان للمنظرين الأميركيين قول آخر في شعوب تلك الدول.

لا تزني ولا تتصدقي
بعد هذا العرض لأهم أفكار هذه الدراسة المثيرة يحسن التعقيب ببعض الخواطر التي ارتسمت في ذهني وأنا أقرؤها:

أولا: من المنطقي أن يسعى الأميركيون لإيصال خطابهم إلى الشعوب المسلمة، وهذا أمر ينبغي أن يتلقاه المسلمون بالترحاب، فالولايات المتحدة ظاهرة تعددية مركبة، ومن واجب المسلمين بذل الجهد لفهمها، وعدم اختزالها فيما تفعله الحكومة الأميركية. لكن الحوار لا يكون من جانب واحد، فمن حق المسلمين كذلك أن يوصلوا خطابهم بكل ما يحمله من مرارات وشكوى إلى الشعب الأميركي.

ثانيا: إذا كان لكل حوار طرفان على الأقل فيحسن التساؤل هنا: لماذا منعت النخبة السياسة والمالية الأميركية شعبها من الاستماع إلى قناة الجزيرة الناطقة بالإنكليزية، وهي القناة الحرة الوحيدة التي تبث من الشرق الأوسط. أليس هذا دليلا على السعي إلى صياغة خطاب اختراقي من جانب واحد أكثر من السعي إلى حوار جدي بين طرفين لكل منهما مآخذه على الآخر.

ثالثا: إذا كان أول شروط الحوار الصادق هو النزاهة، فإن من النزاهة الاعتراف بأن تعريف مصالح الولايات المتحدة في الوقت الحاضر يجعلها في كفة استعباد الشعوب المسلمة لا في كفة حريتها، ومن دون إعادة تعريف المصالح الأميركية في المنطقة تعريفا جديدا، فإن العداء المستحكم بين الطرفين سيستمر إلى حين بكل أسف.

رابعا: إن الهوس بدروس الحرب الباردة وتطبيقاتها في العالم الإسلامي يخدم الدعاية القائلة بأن الإسلام هو العدو الذي حل محل الشيوعية، لكن هذا الهوس ينطلق من قياس مع الفارق، وهو أن الأوروبيين الشرقيين كانوا يسعون إلى التحرر من الاحتلال السوفياتي والدكتاتورية الموالية لموسكو، بينما الشعوب الإسلامية تريد التحرر من الاحتلال الأميركي والدكتاتورية الموالية لواشنطن وحلفائها.

"
الدراسة أخطأت من الألف إلى الياء حينما صاغت الخلاف بين أميركا والمجتمعات الإسلامية بلغة القيم لا بلغة السياسات، في حين أن الخلاف في جوهره خلاف على السياسات العملية لا على العقائد والقيم
"
خامسا: تستطيع واشنطن تضخيم صوت بعض من فقدوا ارتباطهم بدينهم وولائهم لأمتهم في الإعلام الناطق باللغة العربية وغيرها من اللغات الإسلامية، كالفارسية والتركية والبشتو والأوردية، وقد نجحت في ذلك بالفعل في الأعوام الأخيرة، لكنها ستفشل حتما في بناء مصداقية لهؤلاء المنبتين في نظر شعوبهم، كما فشلت في بناء مصداقية لنفسها. والسبب في غاية البساطة، وهو أن الأفعال أبلغ من الأقوال.

سادسا: إن القضية العادلة لا تحتاج زخرف القول، ومشكلة الولايات المتحدة في العالم الإسلامي هو عدم عدالة قضيتها، لا عجزها في مجال الدعاية الإعلامية والاختراق الثقافي والحرب النفسية. وقد نجحت جهود أميركا في الحرب الباردة ضد الشيوعية لأنها كانت تدافع عن قضية عادلة، وهي تحرير الشعوب الأوروبية الشرقية من الاحتلال والاستبداد، بينما تسعى الولايات المتحدة اليوم إلى التحكم في الشعوب المسلمة، لا إلى تحريرها.

سابعا: من الواضح أن الشعوب المسلمة لا تتوقع من واشنطن دعم التحول إلى الحرية في بلدانها، وكل ما تتمناه هذه الشعوب من الولايات المتحدة هو كف يدها، والوقوف على الحياد بين الاستبداد والديمقراطية، أما أن تكون واشنطن أعظم حليف للاستبداد وأكبر واعظ بالديمقراطية، فهذا يضعها في صف المرأة البغيِّ التي خاطبها الشاعر العربي القديم بقوله:

أمطعمةَ الأيتام من كدِّ فرجها *** لكِ الويلُ لا تزني ولا تتصدقي

أخيرا فإن ما تريده الولايات المتحدة من المسلمين ليس الاعتدال وإنما الولاء الأعمى والغض عن كل السياسات الأميركية مهما تكن مجحفة بهم.

وقد أخطأت هذه الدراسة من الألف إلى الياء حينما صاغت الخلاف بين أميركا والمجتمعات الإسلامية بلغة القيم لا بلغة السياسات، في حين أن الخلاف في جوهره خلاف على السياسات العملية لا على العقائد والقيم.. أتمنى للشعب الأميركي منظرين أعلم وسياسيين أحكم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك