توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية

حتماً لم يطرأ على مجريات القضية الفلسطينية بعد اتفاقية أوسلو ما هو أخطر من هذا الانقسام الخطير الذي وقع على الساحة الفلسطينية, الذي لا يقتصر على حماس وفتح بل جرى نتيجة سلسلة أخطاء أو بفعل مخطط متعمد مبيت, جر قطاعات كبيرة من الشعب الفلسطيني من خارج السلطة وحماس إليه, وامتد إلى الشارع العربي في مناطق حساسة كالأردن ولبنان.

ومن بقي من الفلسطينيين والعرب خارج هذا الاستقطاب يشعر إما باليأس والإحباط أو بالغضب, لكونه يستحيل أن يقبل عاقل أن الاجتماع الذي عقد في شرم الشيخ يمكن أن يمثل بديلاً مقبولاً عن حماس أو رداً مقبولاً على ما قامت به!

"
تسمية الإعلام العربي الرسمي لاجتماع شرم الشيخ "بالقمة الرباعية" يتضمن نوعاً من التكريس لوجود شيء مشترك بين هذه الأطراف الأربعة, مع أن ثلاثة من المجتمعين على جانب والرابع هو الخصم إن لم نقل العدو
"
والأسوأ من ذلك تسمية الإعلام العربي الرسمي لهذا الاجتماع "بالقمة الرباعية", مما يتضمن نوعاً من التكريس لوجود شيء مشترك بين هذه الأطراف الأربعة, أو على الأقل أنها على ذات المسافة كل من الآخر, كما هو الحال مع "الرباعية" المشكلة من أميركا والاتحاد الأوروبي وروسيا الاتحادية والأمم المتحدة.

فالتسمية لا تصلح هنا لأن المفترض -عربياً وإسرائيليا ودولياً- أن ثلاثة من المجتمعين في شرم الشيخ على جانب والرابع هو "الخصم" إن لم نقل " العدو".

والأدهى أن هذه التسمية العددية (التي تطلق أيضاً على أي اجتماع مصغر ضمن إطار أكبر لذات الحلف أو التكتل الدولي أو الإقليمي) كانت عربيا, إلى عهد قريب جدا تعني مصر والسعودية والأردن والإمارات.

وبالتالي يصدم السامع إذ يعلم أن الرباعية الجديدة استبدلت فيها الإمارات بإسرائيل. وهذه التسميات ليست عشوائية, بل هي ذات دلالة بدليل أن أميركا أطلقت على اجتماع كوندوليزا رايس ومسؤول أمني أميركي كبير مع ستة من رؤساء المخابرات العرب اسم "اجتماع ستة + اثنان"!

وبغض النظر عن أي خطأ (نفترض أنه) جرى في تسمية الاجتماع فإن توقيته هو الكارثي بكل معنى الكلمة. فحتى لو كان الاجتماع مقرراً من قبل فإن الحصافة السياسة توجب إلغاءه أو تأجيله بعد التطورات الخطيرة التي جرت على الساحة الفلسطينية.

فمع أننا لا ندري ما الذي كان مقرراً بحثه في تلك القمة من قبل, فإننا واثقون من عنوان وطبيعة البند الوحيد الذي سيجري بحثه في تلك القمة الآن, وهو ما كتب فيه وحذر منه العديد من المعنيين العرب, من كتاب منتظمين أو سياسيين لا يكتبون إلا إذا طرأ شأن جلل. ودرجة الإجماع على ما ستفعله إسرائيل في قمة شرم الشيخ لتقطف ثمار ما جرى يؤشر على حقائق بينة نعجب كيف لم تستوقف المؤتمرين العرب هنا!

ولكن الأعجب يبقى أن السلطة الفلسطينية, وعلى لسان كبار مسؤوليها تقول الشيء ذاته الذي يقوله هؤلاء الكتاب السياسيون عن مخططات إقليمية ودولية وعن لاعبين من وراء ستار, ومع ذلك تهرع لشرم الشيخ.

فالسيد عزام الأحمد على سبيل المثال قال في يوم انعقاد قمة شرم الشيخ إن "إسرائيل ساعدت حماس للقيام بانقلابها".. فهل يجوز بعد هذا أن تعطى إسرائيل فرصة استثمار ما خططت له وساعدت فيه, في حين يتم رفض أي حوار مع حماس, وأن تقدم هذه الفرصة بهذه السرعة وقبل أن تهدأ نفوس الإخوة الذين يظلون كذلك وإن احتربوا. أو قبل أن ينجلي على الأقل غبار ودخان ما جرى ليتبين الفلسطينيون والعرب الحقائق عن كل من ساهم فيما جرى وبكم وكيف ولماذا، ليتم قطع الطريق على من هم أخطر من حماس!

"
دعوة مصر السلطة إلى قبول العودة للحوار مع حماس، التي جاءت منسجمة مع كافة الدعوات المخلصة في الشارع العربي ليست انحيازا لحماس التي لم يخف الرئيس المصري غضبه منها قبل أيام, بل لتجنب تكريس فصل غزة عن الضفة الغربية وهو مخطط صهيوني معروف
"
قمة شرم الشيخ تعيدنا إلى ما حذرنا منه عام 92 من هرولة عربية إلى مؤتمر مدريد, جرت بحجتين: غزو العراق للكويت وطيف الخلافات العربية بشأنه الذي جرى تصعيده ليصبح عداوات عربية بينية مدت لتشمل دونما صدفة  القضية الفلسطينية. ثم بحجة الضعف العربي بعد ضرب وحصار العراق الذي ثبت أنه إضعاف متعمد ضمن مخطط أميركي صهيوني شاركت في تنفيذه جهات عربية, بأكثر وأبعد من إرسال قواتها ضمن جيوش التحالف الثلاثيني, وصولاً للجرح العراقي المفتوح الذي فتح أبواب جهنم على المنطقة.. ولا ينبغي أن يغتر من لم تطلهم نارها بعد فالنار في النهاية تأكل الأخضر واليابس.

ولكن لحسن الحظ  هذه المرة سلمت الجرة.. ولكن ماذا لو أن حماس جرى تطويقها كما جرى تطويق العراق.. ماذا سيكسب العرب؟؟

بداية, دعوة مصر السلطة إلى قبول العودة للحوار مع حماس, التي جاءت منسجمة مع كافة الدعوات المخلصة في الشارع العربي ليس انحيازا لحماس التي لم يخف الرئيس المصري غضبه منها قبل أيام, بل لتجنب تكريس فصل غزة عن الضفة الغربية الذي هو مخطط صهيوني معروف.

فهذا الفصل القائم الآن ستبقيه إسرائيل إلى أن تحقق منه مقاصدها في ترتيب أوضاع الضفة, وبعد ذلك أو أثناءه تلحق غزة بمصر في وضع مختلق يمكن القفز عن سيئاته بذات اللامبالاة التي يجري القفز بها عن كل ما حل بالقطاع منذ احتلاله عام 67 وصولا لحالته الكارثية الراهنة.

أما توضيب أوضاع الضفة فسيتم ضمن تصفية ممنهجة للقضية الفلسطينية باتت معروفة (تناولها كتاب إسرائيليون بأكثر مما تناولناها نحن), وذلك على حساب الأردن الذي لن يعود لحجم ما قبل عام 67 -كما ستحاول إسرائيل أن توحي للبعض في البداية- بل سيلزم تغيير كل ما قام عليه الأردن منذ نشوء الإمارة.

فما هو مطلوب استيعابه هنا ليس فقط الحالة الديمغرافية الجديدة, التي الغلبة العددية فيها بلا أدنى شك للأصول الفلسطينية, بل إن الأخطر والأبعد أثرا هو نقل إرث أربعين عاماً من النضال والانتفاضات والحروب الإقليمية والاحترابات الداخلية والنزاعات الفصائلية والتضحيات والتوقعات وحتى الأحلام المختزنة لشعب مضطهد على امتداد أكثر من ثلاثة أجيال, بعضه فقط في الداخل المحتل, بينما جله في الشتات.

وإذا كان ذلك الجزء الذي في الشتات قد قبل على امتداد العقدين الأخيرين بالذات قرار منظمة التحرير بتحييده عن الشأن الداخلي لدول الشتات على وعد التحرير والدولة المستقلة, فإن تبدد حلم الاستقلال سيقلب موازين الأمور ويسقط مضاعفات جديدة على خلطة الداخل المتفجرة أساسا بما أدى للأحداث الأخيرة!

أمر خطير غير محسوب العواقب, ولكنه ليس غريبا لا على الصهيونية العالمية ولا على حلفائها الأميركان والإنجليز والأوروبيين, فهم قد اقترفوا أكثر وأقاموا دولا واختلقوا شعوبا وأزالوا شعوبا عريقة منذ الاستيطان الأوروبي في أميركا إلى إقامة دولة إسرائيل إلى اجتياح العراق وما جرى له أرضاً وشعباً وحكاماً!

أما حماس التي يجري الاستعداء عليها فقد سبقت إلى الاستعداء على ذاتها في ممارسات لا ندري أي من قياداتها أو قواعدها نسائل عنها, ولن تجدي المساءلة إن لم يبدأ الحوار, لأن حماس في ظل العزل والمقاطعة, ستنتج حماسين دونما حاجة لنصيحة أيمن الظواهري.

"
حين تجري محاصرة حماس وحشرها في زاوية غزة فإن القطاعات الهوجاء داخلها ستجد فرصتها في الانشقاق لتشكل جناحاً عسكرياً "قاعدي" التوجه
"
فمع اعتقادنا أن لا وجود للقاعدة في غزة (لاعتقادنا عدم وجود "تنظيم" بمقومات التنظيم المتعارف عليها وإنما بفكرة عامة تماهت مع طالبان وبعض التمويل السائب المشبوه المصادر, تجتذب جماعات صغيرة متباينة وتتبنى عمليات بعضها بأثر رجعي), فإن النفس "القاعدي" لدى بعض عناصر أو قواعد حماس (لا ندري من هم وكم حجمهم) تبدى في بعض تصرفات المسلحين وتصريحاتهم.

ونذكر على سبيل المثال قول أحدهم للفضائيات إن هذا الذي يقومون به في غزة هو جزء من "الحركة الإسلامية العالمية"!! فإضافة لأنه لا توجد حركة إسلامية عالمية بمقومات "الحركة", فإن هذا القول لم نقرأه في أدبيات حماس ولا سمعناه من قبل من أي من قيادييها.

أسوأ ما سمعناه كان تكرارا لبعض التدخل المعهود للأحزاب الإسلامية في المفاهيم العقائدية والاجتماعية للشعب الذي جرى في فترة الانتفاضة الأولى تحديداً, وهو ما أكد السيد خالد مشعل في خطاب له بعد أحداث غزة أنه ليس على أجندة حماس لا الآن ولا في المستقبل.

وقد يكون مشعل اضطر للتوضيح بسبب تصريحات المسلحين تلك, وعلى كل حال فإن أي عاقل (ومشعل وهنية عاقلان كما كان الشيخ ياسين والرنتيسي وغيرهما) يدرك أن آخر ما تحتاجه حماس هو أن تفتح جبهة على العالم باسم "حركة" أخرى يعرف قادة حماس ومؤسسوها أنها غير موجودة إلا في حلم شباب أهوج.. وحتماً ليس الأمر واردا وأمام حماس تحدي تحرير وطن من الاحتلال الإسرائيلي بالذات!

ولكن حين تجري محاصرة حماس وحشرها في زاوية غزة, فإن تلك القطاعات الهوجاء ستجد فرصتها في الانشقاق لتشكل جناحاً عسكرياً "قاعدي" التوجه.

والانشقاقات العسكرية مألوفة في الفصائل الفلسطينية, وتاريخياً ينظر إليها نظرة تقدير حين تعلن أنها تنأى بنفسها عن "السياسة" التي ينتهجها التنظيم الأم لتتفرغ للنضال المسلح بهدف التحرير.

وهذا هو ما دعت جهات عربية معتبرة عديدة جلها علمانية الفكر, حماس إلى العودة إليه بعد بدء محاصرتها إثر فوزها في الانتخابات التشريعية, وهي حتماً دعوة تلقى آذاناً من عدد من منتسبي حماس.

ولكن تعميق عزلة حماس لن يحمل لا الاستجابة المرجوة من تلك الدعوات ولا الانشقاق الذي يرضي أعداء حماس. فالانشقاق سينتج مجموعة أو مجموعات قاعدية التوجه, كما حصل مكررا في العراق, بل وفي دول عربية أخرى ليست تحت أي احتلال أجنبي مباشر.. أي أن ما يجري رعم التخوف منه هو ما سيحدث بالضبط!!

"
إذا كانت حماس قد انتشت بانتصارها العسكري في غزة لوهلة, وقد تكون النشوة عاودت بعضهم إثر فشل قمة شرم الشيخ, فإن نشوة مماثلة تبدت في موقف رجال السلطة الفلسطينية حين منوا بدعم خارجي
"
إذا كانت "حماس" قد انتشت بانتصارها العسكري في غزة لوهلة, وقد تكون النشوة عاودت بعضهم إثر فشل قمة شرم الشيخ في تحقيق ما بدأت به.. فإن نشوة مماثلة تبدت في موقف رجال السلطة الفلسطينية حين منوا بدعم خارجي.

 والنشوة (كالسكرة) أخطرها التي لا تزول سريعاً. ونشوة أبي مازن تبدو من تصريحاته في عمان التي لم يجهد في أن يخاطب بها عقل أي مستمع أو مشاهد, فقد همهم بأن "حماس قتلت وتقتل بعيداً عن الإعلام وتفعل أشياء كثيرة".

وهذا ليس اختصاراً لتصريح إعلامي لأسباب تتعلق بضيق الوقت, بل هو استخفاف بجمهور المستمعين يوحي بأنهم لم يعودوا المخزون الذي تستند إليه "شرعية" السلطة. فهنالك "أشياء كثيرة" لا تقل فظاعة عما قامت به حماس أو نسب لها.. أشياء ستتوالى في أفعال وأفعال مضادة بناء على ما يقوله رجل في موقع أبي مازن, ليس للإعلام بالضرورة, بل في غرف الاجتماعات المغلقة.

المهم الآن أن القمة فشلت ونجاحها في فشلها, وسقطت بالتالي كل الإنذارات النهائية على الطريقة الأميركية قبيل القصف والاجتياح.. والوقت متاح للطرفين لشرح "أشياء كثيرة" لجماهير الشعب الفلسطيني (والعربي) الذي منه فقط تستمد شرعية كل السلطات التي تتولى أموره.. والشعب الفلسطيني الذي نزل للشارع ليوقف الاقتتال بصدور نسائه ورجاله, يفهم ويتفهم أكثر من كل المقتتلين على عروشه قبل أن تقوم!

المصدر : الجزيرة

التعليقات