الطيب بوعزة

كاتب مغربي

قيمة حراك الوعي الديني
النهضة والإصلاح الديني

للدين موقع مكين في النفس البشرية، ومكانة محورية في نظامها الثقافي، ونفوذ ملحوظ يتخلل البنية المجتمعية في كليتها وتعدد مجالاتها. وقد أكدت أنثروبولوجيا الأديان أن المعتقد الديني هو من بين أكثر مكونات الثقافة تمظهرا في حياة الكائن الإنساني واقتدارا على فعل الهيمنة والتأثير.

كما أثبتت التجربة التاريخية أن مختلف الأنساق والنظم المجتمعية التي استهدفت علمنة الحياة بنفي الدين واستبعاده كليا من كيانها، انتهت إلى الفشل والإفلاس.

كما أكدت صيرورة تاريخ الفكر الإنساني أنه ليس ثمة دين انتهى واندثر بفعل تشكيكات العقل، إنما لا يهزم الدين إلا دين مثله، يحل محله. فكأن الكائن الإنساني لا يستطيع العيش دونما اعتقاد ديني، ومن ثم فلا يغير دينا إلا دين بديل يرى فيه إمكانية التعويض وسد احتياجه إلى العقْدِ والإيمان.

"
الخطاب العلماني الجذري النازع منزع الإلحاد الذي أخذ يتداول في بعض هوامش واقعنا الثقافي المعاصر يقوم على أغاليط وفهم قاصر لمعنى الدين ووظيفته النفسية والقيمية
"
ومن ثم يصح أن أقول إن الخطاب العلماني الجذري النازع منزع الإلحاد، الذي أخذ يتداول في بعض هوامش واقعنا الثقافي المعاصر، يقوم على أغاليط وفهم قاصر لمعنى الدين ووظيفته النفسية والقيمية.

فالنقد العلماني الإلحادي للدين، ذاك النقد الذي يحسب أنه سيزيله بمجرد علامات استفهام شكاكة نزقة يبثها هنا وهناك، هو تجسيد لذلك المثال الشهير لعلاقة الوعي الإلحادي بالميتافيزيقا، حيث شُبِّهَ ذلك الوعي بثور هائج لا يتوقف عن النطح بقرنيه على باب من حديد (باب الاعتقاد الديني)، فتتكسر القرون ويبقى الباب ماثلا متحديا غير آبه بتلك الضربات، التي لم تؤلم أحدا سوى صاحبها النزق الهائج.

إن حقل الدين يرتبط في الوعي البشري بالمقدس الذي لا يجوز المساس به أو خرق سياجات محرماته. والمحرمات هنا ليست مجرد موضوع لمسلكيات فعلية واقعية، بل ثمة منها ما يحوط حتى مسلكيات ذهنية كفعل التشكيك في مقولات الدين ومفاهيمه المؤسسة.

قيمة حراك الوعي الديني
وبسبب قوة ونفوذ المعنى الديني في حياة الإنسان من الطبيعي إذن أن يكون الحراك الثقافي والمجتمعي مشروطا بعوامل من أهمها حراك الوعي الديني نفسه، إما بتجديد في المقولات والمفاهيم، أو تغيير في مدلولاتها بفعل تجديد في منهج القراءة والتأويل.

وإذا ما حصل هذا التجديد الديني فهو في الغالب يشير إلى وقوع تحولات أكثر جذرية تمس بنية الحياة في كليتها، لأنه كلما شهدت ثقافة في لحظة تاريخية حركة إصلاح ديني ذات عمق وشمول، كان ذلك مؤشرا على حدوث تحولات مجتمعية عميقة تمس بنى الوعي والاجتماع على حد سواء، لأن حقل الدين هو حقل المقدس، ومن ثم فهو أبعد ما يكون عن احتمال التجديد والتغيير والتبديل بسهولة.

فإذا ما طال التجديد حقل الدين فمعنى ذلك أن ثمة تحولات كبرى تعتمل داخل الواقع، وثمة استعداد لإنجاز تحولات تقلب عوائد التفكير والسلوك وأنظمة الحياة قلبا جذريا.

وهذه الدلالة التاريخية التي أراها للإصلاح الديني لا تصدق فقط على لحظة تاريخية خاصة، بل أعتقد أن التحولات الكبرى التي شهدها التاريخ الإنساني كانت دوما مرتبطة بإنجاز تحول ما في الرؤية والمفاهيم العقدية.

وليس تسمية عصر بعصر الإصلاح الديني هو ما يؤكد وجود مراجعة للرؤية الدينية فيه وانتفائها من غيره، بل إن اللحظات الكبرى للتحول التاريخي، كيفما كانت تسميتها، تستند، في نظري، على تحول في الرؤية الدينية أي أنها ترتكز على حركة تغيير في الرؤى والمفاهيم العقدية، سواء سميت تلك اللحظة التاريخية بكونها "عصر الإصلاح الديني"، أو تم الاصطلاح عليها بمسميات أخرى.

"
إذا ما طال التجديد حقل الدين فمعنى ذلك أن ثمة تحولات كبرى تعتمل داخل الواقع، وثمة استعدادا لإنجاز تحولات تقلب عوائد التفكير والسلوك وأنظمة الحياة قلبا جذريا
"
فلو نظرنا إلى تاريخ الثقافة الأوروبية لن نجد التجديد في الرؤية الدينية حاصلا فقط في عصر الإصلاح الديني، بل إن اللحظات المفصلية لهذا التاريخ كانت موسومة بمراجعات فكرية تتناول تلك الرؤية وتجدد في محتوياتها ومضامينها الدلالية:

فالتحول الثقافي والمجتمعي الذي حدث في القرن الثامن عشر -الذي يعد عند المؤرخين أبعد ما يكون عن استحضار الدين والارتكاز عليه- هو في تقديري لحظة تحول في الرؤية الدينية نفسها والتحول ما بعد الحداثي الذي بدأت إرهاصاته في النصف الثاني من القرن التاسع عشر هو أيضا تحول في التصورات العقدية، وإعادة بناء الرؤية إلى العالم.

إذن فالتحولات التاريخية الكبرى التي ظهرت في المسار الثقافي البشري كانت متزامنة مع حدوث مراجعات على مستوى النسق الديني الاعتقادي السائد.

فليس من مصادفات التاريخ أن يكون مبتدأ النهضة الأوروبية هو عصر الإصلاح الديني، كما أنه ليس صدفة أن تكون التحولات الكبرى التي شهدها تاريخنا العربي تستند على تجديد الرؤية الدينية.

فالنقلة الجذرية التي حدثت بنزول الإسلام هي انتقال في الوعي الديني من التفكير بمنطق التعددية الوثنية إلى التفكير بمنطق الوحدانية القرآنية، تلك الوحدانية التي ستنعكس حتى على المستوى السياسي، فينتقل العرب لأول مرة في تاريخهم من جغرافية الشتات القبلي إلى دولة ذات سلطة مركزية واحدة.

كما أن التحولات التي حدثت أثناء صيرورة تاريخنا الإسلامي اللاحق للفترة النبوية الزاهرة كانت تقوم على تغييرات تأويلية مست المفاهيم الدينية المؤسسة للرؤية إلى العالم.

النهضة والإصلاح الديني
هل يمكن أن يتحقق لنا نهوض دون تجديد في وعينا الديني؟.. نعتقد أن ثمة أولوية لهذا النمط من الإصلاح، لا بد من تقديرها والوعي بمستلزماتها لتأسيس نهوضنا المأمول.

وقولنا بأولوية تجديد الوعي الديني وإصلاحه لا يعني أننا نفكر بذات الترتيب الذي ميز الصيرورة التاريخية التي شهدتها أوروبا، فنتحدث قياسا على ما حصل في تاريخ نهضتها، حيث زامنَ بدءُ لحظة نهوضها حركة الإصلاح التي تسمى بالبروتستانتية.

"
يكاد يجمع دارسو النسق الثقافي العربي في سياق مقارنة حضور الدين فيه بحضوره في النسق الحضاري الأوروبي على أن الدين كان عنصرا خارجيا مكتسبا, أما في الخبرة العربية فيلاحظ أن الدين كان عامل إنشاء لهذا الكيان
"
لا نقول بما سبق من باب تكرار المسار التطوري الأوروبي، بل كما أوضحنا من قبل، إن ثمة محورية للفكرة الدينية في أنساق الثقافة عامة، ما يستوجب استحضارها في كل إعادة بناء مجتمعي.

بمعنى أن منطلقنا المنهجي هو تصور للفكرة الدينية بوصفها أسا مركزيا في النسق الثقافي، ومن ثم جاز لها أن تحتل مرتبة الأولية في أي تفكير يريد إنجاز حراك نهضوي، بما يعنيه من نقلة حضارية شاملة.

وإذا كنا نعتقد بأن الفكرة الدينية أس مركزي في الأنساق الثقافية عامة فإنها فيما يخص نسقنا الثقافي العربي أكثر مركزية وحضورا. وفي هذا السياق يرى العديد من الباحثين أن لواقعنا الحضاري خصوصية يمتاز بها عن غيره، راجعة إلى عمق التجربة الدينية فيه، وقوة نفوذها وتغلغلها في وعي وشعور الإنسان العربي.

بل يكاد يجمع دارسو النسق الثقافي العربي في سياق مقارنة حضور الدين فيه بحضوره في النسق الحضاري الأوروبي وغيره من الأنساق المجتمعية والحضارية، على أن "الدين في تلك الأنساق –يقول نصر محمد عارف- كان عنصرا خارجيا مكتسبا أضيف إلى وجود المجتمع في إحدى مراحل تطوره".

أما في الخبرة العربية فيلاحظ أن الدين كان عامل إنشاء لهذا الكيان، إذ ارتبطت نشأة الكيان الحضاري العربي بدعوة دينية.

من ناحية الملاحظة التاريخية نستطيع القول إن كلام هذا الباحث، وكذا غيره من الدارسين المؤكدين على خصوصية موقع الدين في النسق الثقافي العربي له مصداقية كرؤية واصفة لصيرورة بناء المجتمعات العربية، لكن من الناحية الأنثروبولوجية والنفسية فإن تأسيس حكم جاهز -بناء على هذا الوصف التاريخي- يكون الدين بموجبه مجرد مظهر خارجي في التجربة الحضارية الأوروبية أو غيرها من الأنساق المجتمعية التي جاءها مذهب ديني من خارجها، فاعتنقته وامتثلت له، قول يحتاج إلى تصويب، لأن الدين مهما كان مصدره فإنه عندما يتم تبنيه من قبل مجتمع ما يسمو إلى مرتبة المقدس، ومن ثم يتغلغل في صميم كينونته الثقافية ويصبح ناظما مؤثرا في رؤيته للعالم.

لكن لا يعني هذا أننا لا نعتقد بخصوصية المنطقة العربية وطبيعة وضع الدين في التشكيلة النفسية والثقافية للإنسان العربي، إنما نخالف من يستنتج من خارجية الدين هامشيةَ دوره بينما عمق الدور موجود سواء كان الدين معارا أم ناشئا من الداخل، هذا مع اعترافنا بإمكان تفاوت مقدار الدور وقوة التأثير، لكن مع ذلك نتفق معه في وجود خصوصية تميز العالم العربي آتية من عمق ونفوذ الدين في حياة إنسانه.

وتأسيسا على ذلك نرى من الطبيعي أن يكون حل الإشكالات والأزمات الكبرى التي يشهدها العالم العربي والإسلامي مشروطا بتوسل المفهوم الديني بتجديده وتوظيفه على نحو إيجابي.

"
اختزال الإسلام في فهم إمام أو أئمة سابقين هو عائق من عوائق نهوضنا، لأنه يدفع إلى تكريس نموذج في التفكير والعيش, حتى وإن كان مناسبا للحظة تاريخية سابقة، فهو ليس بالضرورة صالحا للحظتنا اليوم
"
وبذلك نعتقد أن سؤال النهضة في الواقع الثقافي العربي المعاصر الذي لا يزال من بين الأسئلة العالقة التي تحتاج إلى مزيد من إعمال النظر لتفكيكه وصياغة الجواب عليه وتوجيه الفعل الواقعي لإنجاز مطلوبه يحتاج ضمن ما يحتاجه إلى بحث الوعي الديني وتجديد في مفاهيمه ورؤاه.

هذا من حيث عمق الفكرة الدينية ومحوريتها في البناء النفسي والتاريخي للشخصية والاجتماع العربيين، ما يؤكد وجوب الاهتمام بتلك الفكرة في كل عملية تجديد وإقلاع حضاريين.

أما ثاني الأسباب التي تدفعنا إلى الاعتقاد بأن نهضتنا الفكرية والحضارية مشروطة بتجديد وعينا الديني فراجع إلى طبيعة ديننا نفسه.

فالإسلام وحي سماوي فيه من المبادئ والمقومات ما هو كفيل بتأسيس وعي وفعل ناهضين، لكن يجب التمييز بين الإسلام بوصفه وحيا والإسلام كما تم تمثله في أفهام الفقهاء وتجسد في النماذج المجتمعية التاريخية، فالإسلام -كوحي- هو نص مطلق لكن فهم السلف هو فهم نسبي مشروط بلحظته التاريخية.

ومن هنا وجب تجديد منهج الفهم بسبب تجديد شرطي الفكر والواقع في لحظتنا المعاصرة، لأن فهم السلف هو بحكم بشريته غير ملزم للخلف، ومن ثم لا بد من انطلاق وعينا ليتواصل مع الإسلام الرباني متخففا من قيد الفهم التراثي.

فاختزال الإسلام في فهم إمام أو أئمة سابقين هو عائق من عوائق نهوضنا، لأنه يدفع إلى تكريس نموذج في التفكير والعيش حتى إن كان مناسبا للحظة تاريخية سابقة، فهو ليس بالضرورة صالحا للحظتنا اليوم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك