نبيل شبيب

نبيل شبيب

كاتب وباحث إسلامي


- المناخ العالمي.. مشكلة الأحفاد
- 60 مليارا أم 3 مليارات؟
- الدرع الصاروخي بين الأصدقاء الأعداء

القضايا التي يجري النظر فيها والاتفاق عليها أو الاختلاف خارج نطاق مجموعة الثماني لم تجد في لقاء القمة وبيانها الختامي موقفا جديدا، بل تأكيدا يكرر ما هو معروف من الاتفاق على القلق من البرنامج النووي في كل من إيران وكوريا الشمالية، أو يكرر ما هو معروف من خلاف على الحاجة إلى مزيد من المفاوضات حول مستقبل كوسوفا.

وتقويم حصيلة القمة تبعا لذلك يفضي إلى القول إنه لم تكن توجد حاجة إلى عقدها، ولكن ماذا عن القضايا التي أحيطت بالاهتمام الأكبر وطغت على ما سواها، سلبا وإيجابا، وهي المناخ العالمي، ودعم أفريقيا والنزاع حول الدرع الصاروخي الأميركي؟.. هل تحقق ما يفترض تحقيقه من اجتماع ثماني دول تسيطر على القسط الأعظم من ثروات الأرض وتحتكر صناعة القرار في معظم قضايا البشرية؟

"
لا تعني حصيلة قمة الثماني واقعيا سوى التسويف في مواجهة الكوارث المناخية، كما لا يعني التسويف سوى الاستمرار في أساليب إنتاجية صناعية وتقنية تزيد من المشكلة التي سيعاني منها الأولاد والأحفاد أكثر من صانعي القرار الدولي اليوم
"
المناخ العالمي.. مشكلة الأحفاد
ألمانيا التي ترأس مجموعة الثماني خلال العام 2007 بذلت جهدا غير عادي لتحقيق أقصى ما يمكن تحقيقه في مواجهة الكوارث المنتظرة على صعيد المناخ العالمي.

وكانت المؤتمرات الدولية التخصصية التي انعقدت خلال الشهور الماضية قد أعلنت نتائج أعطت ميركل أرضية صلبة للتحرك، خاصة أن ما كان العلماء يرددونه على سبيل الترجيح يقولون به الآن مدعوما بحجج البحث العلمي، وفي مقدمته ثلاثة محاور أساسية.

1- أن ارتفاع وسطي حرارة الأرض من هنا إلى غاية 2050 بمعدل يتراوح بين 1.5 و2.5 درجة مئوية أمر متوقع وفق المعطيات الحالية، ومن شأنه أن يسبب أخطارا جسيمة في أنحاء الأرض، نتيجة ذوبان الثلوج في القطبين، وارتفاع مستوى مياه المحيطات، وغرق عدد كبير من الجزر والأراضي الواطئة على السواحل، وغير ذلك من الكوارث.

وكثيرا ما كان يقول الساسة ورجال المال والأعمال قبل تلك المؤتمرات إنها تنبؤات مبالغ فيها.

2- المحور الثاني أن التبدل المناخي الحاصل الذي عبر عن نفسه في العقدين الماضيين من خلال ارتفاع نسبة كوارث الفيضانات والأعاصير والبراكين، وازدياد حجم أضرارها البشرية والمادية، هو تبدل يقع في الدرجة الأولى نتيجة ما تصنعه اليد البشرية على حساب البيئة الطبيعية، رغم كل ما يقال إنكارا لذلك.

وفي مقدمة الأسباب انبعاث ثاني أوكسيد الفحم وسواه من الغازات السامة إلى الطبقات الجوية العليا، وهذا ما تتحمل الدول الثماني المسؤولية عنه بنسبة تزيد عن 50%، وتتصدرها الولايات المتحدة الأميركية بنصف تلك النسبة، وصحيح أن الصين والهند بدأتا تلحقان بالدول الثماني، ولكنهما كالبرازيل في مؤخرة الركب عندما تجري المقارنة على أساس نسبة انبعاث الغازات السامة إلى عدد السكان. وفي الحالتين تحتل أميركا مرتبة الصدارة في إطلاق السموم.

3- المحور الثالث هو ما أعلن عنه آخر المؤتمرات الدولية التخصصية، وملخصه أن في الإمكان تفادي الكوارث المناخية قبل وقوعها، بسلسلة من الإجراءات، أبرزها ما يجب صنعه على صعيد تخفيض تلويث البيئة عن طريق المنشآت الصناعية، ودعم الاعتماد على ما يسمى مصادر الطاقة النظيفة، شريطة الشروع في تلك الإجراءات الآن دون انتظار طويل، مع تأكيد أن البلدان الصناعية بالذات هي القادرة على ذلك.

ما الذي توصلت إليه القمة واعتبره ممثلو ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا "خطوة" نحو الأمام، واعتبرته منظمة السلام الأخضر إخفاقا ذريعا، واعتبرته جهات أخرى من المجتمع المدني ومن المتخصصين "خداعا"؟.

لم يكن يتوقع من أصحاب القمة سوى الإشادة بحل وسط توصلوا إليه، والواقع أنه حل وسط في "صياغة" البيان وليس على صعيد المضمون، فالنص الذي تمت الموافقة عليه لا يتضمن التزاما وإنما مجرد الاستعداد للنظر في متطلبات حماية المناخ، كما أنه لم يحدد موعدا زمنيا وإن تردد في أوساط المؤتمر أن المشاركين فيه سيسعون للوصول إلى اتفاق مكمل أو بديل عن اتفاقية كيوتو بين العامين 2009 و2012م، ويكون اتفاقا دوليا تابعا للأمم المتحدة.

وكانت الحجة الرئيسية الأميركية هي ضرورة دفع دول أخرى، وتحديدا الصين والهند والبرازيل إلى التزامات محددة قبل أن تلزم الدول الصناعية -والمقصود هنا الولايات المتحدة الأميركية- نفسها بخطوات واضحة المعالم.

لا يعني ذلك واقعيا سوى التسويف في مواجهة الكوارث المناخية، ويعني التسويف الاستمرار على أساليب إنتاجية صناعية وتقنية تزيد من أوارها، الذي سيعاني منه الأولاد والأحفاد، أكثر من صانعي القرار الدولي اليوم.

وأي مفاوضات إضافية -والمفاوضات جارية منذ 20 عاما تقريبا- ستواجه عقبات كبرى، من بينها أن الدول الثلاث المذكورة ترفض حمل المسؤولية عما سبق أن سببته الدول الصناعية الغربية على امتداد قرنين منذ الثورة الصناعية الأولى، كما ترفض أن تعطي الأولوية لحماية المناخ بدل التنمية الاقتصادية وبالتالي الصناعية التي تحرص عليها، لأنها وحدها المدخل للحصول على موقع على خريطة نظام دولي قادم.

"
لم يعد مجهولا أن دعم مسيرة الديمقراطية يعني دعم وصول الأحزاب أو الأفراد الموالين للغرب عبر صناديق الاقتراع أو دونها، وأن "الإصلاح الاقتصادي" عنوان لإجراءات مالية على حساب الفئات الأضعف، وعنوان لدعم شركات ومراكز  مرتبطة ارتباطا مباشرا بالشركات وقوى المال الغربية
"
60 مليارا أم 3 مليارات؟
بدا الرئيس الأميركي جورج بوش سخيا عندما قال في القمة إن بلاده ستتحمل في إطار المشروع الذي كان قد أعلن عنه قبل أسبوعين، ما يعادل 30 مليار دولار، أي نصف المبلغ المقترح في المشروع، لدعم الدول الأفريقية، لا سيما في مكافحة الأوبئة القاتلة، كنقص المناعة والملاريا.

وسرعان ما يتبخر هذا السخاء بعد انفضاض القمم، كما تبخر عقب قمة الثماني 1999 في ألمانيا، وكانت هي البداية لإدراج مكافحة الفقر في أفريقيا على جدول أعمالها، وكان الرقم المذكور آنذاك 48 مليارا واضمحل بعد سنوات إلى 12 مليارا، وكما تبخر الوعد بعد قمة الثماني 2005 في أيرلندا.

وهنا اجتهدت منظمات المجتمع المدني الناشطة في ميدان التنمية فيما يسمى العالم الثالث، فأظهرت أن مبلغ 60 مليارا إذا حسم منه ما سبق أن تعهدت به الدول الصناعية قبل عامين لغاية العام 2009 ولم تصرفه، لا يبقى سوى 3 مليارات إضافية على ما تقرر قبل عامين.

وخلال هذين العامين تراكم من الأعباء المالية نتيجة الخلل في العلاقات التجارية والاستثمارية، ومن الفوائد (الربوية) على الديون أضعاف أضعاف هذا المبلغ.

على أن الغاية من السخاء المالي أبعد مدى من التأثير على الإعلام والرأي العام، فكل اتفاقية تعقد، وكل قرض يقدم، وكل إعفاء من دين قديم أصبح سداده ميئوسا منه، مرتبطا بعدد من الشروط، تجملها قمة "الاستغلال العالمي" تحت عنوانين "الديمقراطية والإصلاح الاقتصادي".

ولم يعد مجهولا في هذه الأثناء ما كان مجهولا في الماضي من أن دعم مسيرة الديمقراطية يعني دعم وصول الأحزاب أو الأفراد أو القوى السياسية الموالية للغرب عبر صناديق الاقتراع أو دونها، وأن كلمة "الإصلاح الاقتصادي"، إنما هي عنوان لإجراءات اجتماعية وضرائبية ومالية على حساب الفئات الأضعف والأفقر في البلد المستهدف، وإن بلغ الأمر درجة المجاعات، وعنوان لدعم شركات ومراكز قوى مالية محلية، لتحقق "نموا اقتصاديا" مرتبطا ارتباطا مباشرا بالشركات وقوى المال الدولية.. أي الغربية، استثمارا وإنتاجا وتصريفا للمصنوعات الاستهلاكية.

إن حصيلة قمة الثماني 2007 لا يمكن أن تكون أفضل من حصيلة ما سبقها، ويكفي لتقدير ذلك إجراء مقارنة بين العناصر الأساسية للأوضاع الاقتصادية العامة والمعيشية في البلدان النامية عموما والأفريقية خاصة، عند نشأة مجموعة الثماني عام 1975.

ويمكن تعداد الكثير في هذا المجال، وتكفي اختصارا الإشارة إلى ارتفاع حجم الديون وأعبائها الآن، وبعد ما لا يحصى من "مشاريع الدعم وبرامج التنمية" إلى أكثر من 5 أضعاف ما كانت عليه آنذاك، جنبا إلى جنب مع فتح الحدود في اتجاه واحد أمام المنتجات والاستثمارات الأجنبية، وبقاء القيود مفروضة على القليل الذي يمكن أن تصدره الدول النامية إلى أسواق الدول الصناعية.

الدرع الصاروخي بين الأصدقاء الأعداء
استطاع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين انتزاع الاهتمام السياسي والإعلامي الأكبر في هذه القمة التي تنعقد بعد عام واحد من استضافة بلاده للقمة السابقة، واكتمال انضمامها إلى مجموعة الثماني.

كلمة السر المكشوفة كانت الدرع الصاروخي الأميركي وقرار واشنطن بأن تنشر بعض منشآته في بولندا وتشيكيا بعد خمس سنوات.

ولا ريب أن موسكو تسعى من خلال هذه القضية وقضية كوسوفا ومحاولات العودة إلى مسرح القضايا العربية، من أجل استعادة ما كان لها من مكانة في حقبة الحرب الباردة والاستقطاب بين المعسكرين.

كما أنه لا ريب أيضا في أن منشأة الرادار الأميركية وبعض الصواريخ المضادة للصواريخ لا تسبب خللا حقيقيا إضافيا على ما خلفته الحرب الباردة، وزاد عليه انسحاب واشنطن من أهم المعاهدات الثنائية السابقة حول الحد من التسلح.

"
المطلوب من الدول هو تنفيذ المصالح لا المشاركة فيها، والإسهام في ترسيخ الهيمنة، والبقاء متفرقة لا تتكتل، متخلفة لا تتقدم، مستهلكة لا تنتج، مستوردة لا تصنع، ومصدرا لثروات الطاقة والمواد الخام لا ينضب
"
ولهذا كان التساؤل عن هدف بوتين من إطلاق التصريحات الساخنة والتهديدات المتوالية بحجة الدرع الصاروخي، أكثر من التساؤل عن مدى جدية ما هدد به، مثل برمجة الصواريخ الروسية مجددا لإصابة أهداف أوروبية، في الوقت الذي أصبحت فيه السياسات الأوروبية والروسية (وكذلك الصينية) متقاربة إلى حد كبير في اتجاه العمل لتعدد الأقطاب في نظام دولي قادم.

يحمل مشروع الدرع الصاروخي بحد ذاته قدرا كبيرا من سعي واشنطن للحفاظ على فارق كبير في التسلح بينها وبين حلفاء الأمس وحلفاء اليوم على امتداد شريط الشمال بين المحيط الأطلسي وسيبيريا.

ولكن قسما كبيرا من المشروع يستهدف بالفعل ما تصرح به واشنطن بأسلوب العجرفة المعروف، أي "الدول المارقة"، والمروق يعني هنا تحدي الإرادة السياسية الأميركية أو الهيمنة العالمية الأميركية.

هنا يتقلص حجم الخلاف بين الأميركيين والأوروبيين والروس وحتى الصين والهند. وهذا ما ينكشف للعيان عندما يطرح بوتين بصيغة "مفاجأة القمة" مشروعا آخر للتعاون الأميركي الروسي على رقابة تلك "الدول المارقة" ليتخذ مقره في أذربيجان، أي داخل ما تعتبره موسكو دائرة نفوذها، ليكون بديلا عن نشر المنشآت في بولندا وتشيكيا، وليس عن مشروع الدرع الصاروخي الأميركي عموما.

قد يحتاج الاقتراح الروسي إلى دراسة وتعديل، ولكنه يبين الحدود التي ينبغي أن يقدرها المتعاملون من منطقة "الجنوب" وتحديدا من البلدان الإسلامية، مع ما يرونه من تناقضات أو صراع نفوذ جديد أو اختلاف في المصالح بين القوى الدولية.

إن جميع هذه التناقضات تتركز على حجم ما ينتزعه كل من هذه القوى من مجال للمشاركة الفاعلة في صناعة القرار الدولي غدا، بعد أن تنتهي الحقبة المرحلية الراهنة بين حرب باردة انتهت مع نظامها الدولي القديم، وحقبة مستقرة قادمة مع نظام دولي جديد لم تثبت أركانه بعد.

وفيما عدا ذلك بلغت المصالح المادية والسياسية والأمنية بين قوى "الشمال" مدى بعيدا، تجاه منطقة تعتبر "عدوا مستقبليا"، ولا تدرك دولها ذلك، أو لا ترى عداء للقوى التي تعمل للتحالف معها بصورة أو بأخرى دون جدوى، لأن المطلوب منها هو تنفيذ المصالح لا المشاركة فيها، والإسهام في ترسيخ الهيمنة الأجنبية المشتركة أو الانفرادية، والبقاء متفرقة لا تتكتل، متخلفة لا تتقدم، مستهلكة لا تنتج، مستوردة لا تصنع، ومصدرا لثروات الطاقة والمواد الخام لا ينضب.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك