مصطفى المرابط

لا يمكن لأحد أن يدعي امتلاك العدة الكافية لقراءة التحولات المتنوعة التي تعصف بالمنطقة العربية والإسلامية؛ فكثافتها حجما ونوعا وتداخلها أفقيا وعموديا يزيدان من تعقدها وحجب رؤية مفاصلها وتفاصيلها. ولعل هذا ما يستوجب الحيطة والحذر في مقاربة هذه التحولات والتواضعَ والتأني في استصدار الخلاصات والأحكام.

لم تَستثن هذه التحولات بلدا من بلدان العالمين: العربي والإسلامي؛ فقد عمت آثارها مشرق هذه المنطقة ومغربها (مثل التفجيرات المروعة الأخيرة في كل من الدار البيضاء والجزائر).

وما يلفت الانتباه ويشد الأنظار هو تنامي الفوضى وانفجار العنف بكل أشكاله، بحيث زُجَّ بالمنطقة بأسرها في حالة عدم استقرار تنذر بكوارث غير مسبوقة.

"
التفجيرات التي عرفها مؤخرا كل من المغرب والجزائر، كغيرها من التفجيرات التي تمزق البلاد العربية والإسلامية، تقف شاهدا على إفلاس أطرنا المعرفية ومناهج مقارباتنا في التوصل إلى قراءة قادرة على استشكال الظاهرة وتفسير هذه الأحداث
"
فما الذي يجعل من العنف سمة بارزة لمجتمعات هذه المنطقة؟ وكيف يمكن أن نفسر تطور هذا العنف إلى أن بلغ درجاته القصوى؟ ولماذا تحول "تفجير الأجساد" في مجتمعاتنا من حالة شاذة واستثنائية إلى "ظاهرة" تتنامى بشكل مقلق؟

لا شك أن مثل هذا البحث والتفكير يستوجب إقامة مسافة كافية مع الموضوع المبحوث، واعتماد أسلوب القراءة المزدوجة التي تقرأ "الظاهرة" من داخلها ومن خارجها، بهدف القطع مع الفكر الذي يتوسل بالتفسيرات البسيطة والحلول الجاهزة والمتسرعة من جهة، والتحرر من أسر المقاربات التي تنظر إلى "الخصوصية" كجوهر قار، فتٌرجِع كل ما تعرفه المنطقة من أحداث إلى طبيعة خاصة مركوزة في شعوب هذه المنطقة دون سواها من جهة أخرى.

إن التفجيرات التي عرفها مؤخرا كل من المغرب والجزائر كغيرها من التفجيرات التي تمزق البلاد العربية والإسلامية، تقف شاهدا على إفلاس أطرنا المعرفية ومناهج مقارباتنا في التوصل إلى قراءة قادرة على استشكال "الظاهرة" وتفسير هذه الأحداث.

واللافت للنظر فيما ينشر من تحليلات هو شيوع وهيمنة مقاربات تُغلِّب العوامل الثقافية والدينية والتربوية لتفسير "الظاهرة" بعدما كانت تسود سابقا المقاربات التي تُرجِع مثل هذه الأحداث إلى أسباب اقتصادية واجتماعية وسياسية.

ولا يمكن أن ندعي أنه بالإمكان تقديم قراءة تتعالى على السائد وتتجاوزه، إنما حسبنا أن نثير مجموعة من الملاحظات قد تساهم في لملمة أطراف هذه الأحداث لبناء صورة لهذه "الظاهرة" تقترب ما أمكن من الواقع:

1- تستعصي هذه التفجيرات على التصنيف وبالتالي يصعب وصفها وفق ما هو سائد من النماذج الجاهزة. فلا يمكن وصفها مثلا بعملية انتحارية لأن الانتحار وسيلة لوضع حد لحياة الذات دون قتل الغير؛ ولا وصفها بعملية إرهابية لأن الإرهاب وسيلة لقتل وترويع الغير دون قتل وترويع النفس؛ كما لا يمكن وصفها بعملية استشهادية لأن الاستشهاد هو تضحية بالنفس في سبيل إنقاذ حياة الغير على حد تعبير طه عبد الرحمن.

والتساهل في استعمال هذا الوصف أو ذاك لا يسهم فقط في تضبيب الرؤية وإبعادنا عن فهم "الظاهرة" بل يجعل من النموذج الذهني أصلا يُفصَّل عليه الواقع بحيث لا نرى منه إلا ما يسمح به النموذج!! من هنا وجب التشديد على أهمية الالتصاق بالواقع حتى وإن عدمنا نموذجا يقربنا من توصيفه.

2- تثير طبيعة التفجيرات (أماكن الانفجار، الجمهور المستهدف) تساؤلات تجعل من الصعب الاستكانة إلى الروايات السائدة حول أسبابها وهوية منفذيها.

فهذا العنف المتفجر هو في الواقع ملتقى إرادات تتقاطع فيه قوى متعددة، مما يدفعنا إلى القول إن هذه التفجيرات حتى وإن صدرت عن مواقف سياسية أو أيديولوجية، كما هو الحال عندنا، فإنها تندرج من حيث لا تدري في إستراتيجية واسعة.

وقد يوحي مثل هذا الكلام بأن هناك تواطؤا أو تحالفا من نوع ما، إلا أن مرادنا هو عكس هذا الانطباع تماما، ذلك أننا نهدف بهذه الملاحظة إلى توسيع دائرة القراءة وأخذ موازين القوى في عالم اليوم بعين الاعتبار، كما سنرى لاحقا.

"
العنف بشكل عام شكل من أشكال التعبير الذي عُرِفت به المجتمعات الإنسانية، إلا أن طبيعة العنف الذي يخيم على المجتمعات العربية والإسلامية يتجاوز بكثير الأشكال التقليدية المتعارف عليها
"
3- إن العنف، بشكل عام، هو شكل من أشكال التعبير الذي عُرِفت به المجتمعات الإنسانية، إلا أن طبيعة العنف الذي يخيم على المجتمعات العربية والإسلامية يتجاوز بكثير الأشكال التقليدية المتعارف عليها.

 لذلك، فإن تضافر عناصر متعددة داخل هذه المجتمعات -منها العوامل الخارجية والتحولات العالمية والأوضاع الداخلية والتطور التاريخي والميراث الثقافي والثقافة الدينية- يمكن أن تكون جميعها أحد المداخل المهمة لإبداع أدوات إدراكية أصلية.

وعليه، فإن تداخل هذه العناصر يشكل وضعا مُركَّبا ومعقدا يجعل اختزال موضوع العنف في عامل أو عاملين فقط -كرده إلى الظروف الاقتصادية والاجتماعية أو إلى العوامل الثقافية والتربوية- مبتسرا ومضلِّلا، ناهيك عن فقدانه المصداقية.

4- أصبحت أعمال العنف هذه تندرج فيما يسمى اليوم "الإرهاب". فبغض النظر عن مصداقية هذا المفهوم وإجرائيته (ذلك أن المشتغلين في مختلف حقول العلوم الاجتماعية يعرفون عدم نجاعته ويعترفون بها) فإنه أصبح عنوانا كونيا غير محايد يؤدي وظيفة سياسية وأيديولوجية بعدما تم شحنه بحمولة عاطفية ورمزية.

وإذا كان "الإرهاب" هو أحد أمرين، إما أنه فعل أو رد فعل -حسب زاوية القراءة والتفسير- فإن الأهم -في نظرنا- لا ينحصر لا في الفعل ولا في رد الفعل وإنما يكمن فيما وراءهما، ذلك أننا ننظر إليه كأداة تندرج في إستراتيجية واسعة تتوخى تحقيق أهداف وبلوغ غايات.

5- تطرح هذه التفجيرات التي تتم باسم الدين وعلى أرضيته جملة تساؤلات؛ ذلك أن تاريخنا لم يسبق له أن عرف تَحوُّل مثل هذه "الظاهرة" إلى قاعدة تستقطب جموعا من الشباب لا تزيدها الأحداث إلا تناميا.

فما الذي تغير حتى غدا الدين -حسب بعضهم- مصدر إنتاج هذه "الظاهرة"؟ فالدين بمكانته ودوره كان دائما حاضرا بدرجة أو بأخرى، وبالتالي لا يمكن تفسير هذا التحول بربطه بالدين كما لا يمكن إرجاعه إلى قراءة أو تأويل جديد للدين فحسب، إنما لابد أن نأخذ بعين الاعتبار الصيرورة التاريخية لهذه المجتمعات التي ظلت منذ مرحلة الاستعمار مختبرا للتجارب؛ إذ تعرضت لعمليات "تحديث" قسرية ومباغتة انهارت معها كل المؤسسات التقليدية التي كانت تحمي الفرد والجماعة، وتهاوت معالم الاهتداء التي كانت تمنح الانتماء والمعنى، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، لابد من الانتباه إلى طبيعة الاستفزازات والضغوطات المادية والرمزية التي تُمارَس على هذه المجتمعات (قهر الخارج وظلم الداخل) والتي بلغت درجاتها القصوى منذ سقوط المعسكر الاشتراكي.

والحقيقة أن الدين يجيبنا حسب الأسئلة التي نقرأها به، وبحسب النفسية والذهنية التي نُقبِلُ بها عليه. فالمشكلة إذن ليست في الارتباط بالدين بقدر ما هي في الفضاء الذي يولد تلك الأسئلة.

6- يُعتبر الدين في هذه المجتمعات "مستودع المعنى" يلجأ إليه الناس لتحقيق كينونتهم ومنحهم معنى لوجودهم، وتقوم "مؤسسة العلماء" على حراسته وترشيد استعماله.

"
حين تنهار المؤسسة الحارسة للدين ويستقيل أو يقال العلماء من مهامهم، يصبح هذا "المستودع" مشاعا عاما في متناول كل من هب ودب، وبالتالي فإن اللجوء إليه والحالة هذه ثم استعمال ما فيه دون دراية وتجرب سيُخلِّفان حالة فوضى عارمة ووضعا لا يمكن توقع مآلاته
"
فحين تنهار هذه المؤسسة ويستقيل أو يقال العلماء من مهامهم، يصبح هذا "المستودع" مشاعا عاما في متناول "كل من هب ودب". فأكيد أن اللجوء إليه والحالة هذه ثم استعمال ما فيه دون دراية وتجربة، سيُخلِّفان حالة فوضى عارمة ووضعا لا يمكن توقع مآلاته.

فكيف الحال إذا انضاف إلى كل هذا انسداد آفاق الحياة الكريمة في هذه المجتمعات وتواتر الإخفاقات والهزائم وتعاظم ضغوطات الخارج؟

مجمل الملاحظات المثارة أعلاه تؤكد على أهمية موضعة العنف في سياق ولادة ما أصبح يعرف بـ "النظام العالمي الجديد" بمعنى أن تفسير هذه "الظاهرة" يجد جذوره في طبيعة هذا النظام وغائيته، وليس خارجه أو بمعزل عنه.

لاشك أن انهيار المعسكر الاشتراكي وانفراد الولايات المتحدة بقيادة العالم كانا بمثابة نقطة تفصل بين مرحلتين؛ فالمرحلة الجديدة اقتضت ترتيبات وقواعد جديدة تبلورت تدريجيا في خطاب رافق ولادة مشروع الإمبراطورية (فهي تقدم نفسها على أنها روما الجديدة).

لكن هذه المرحلة هذه لم تقطع مع سابقتها إلا في الأساليب والوسائل، أما على مستوى الأهداف الكبرى فهي استمرار وتكريس لها حيث إن هاجس مشروع الإمبراطورية يتمحور حول كيفية ترسيخ القطبية الواحدة وقيادة العالم.

إن السيطرة والهيمنة ثابت من ثوابت هذه الحضارة، لم يتغير مع تغير القوى التي تداولت على قيادتها بل كان ديدن الزعامات المتوالية هو كيفية الحفاظ على هذا الثابت، حتى إننا لولا خشية السقوط في الاختزال والتبسيط لاختصرنا تاريخ هذه الحضارة في البحث عن وسائل تطبيق ذلك الثابت وضمان استمراريته.

فإذا تميزت الحقبة الاستعمارية بكون الهيمنة والسيطرة تمت فيها تحت غطاء "التحديث" أو "التحضير" (من الحضارة) فإن الحقبة الحالية يتم فيها تنفيذ هذا الثابت تحت غطاء جديد اسمه "محاربة الإرهاب".

والواقع أن لفظة "الإرهاب" تختزن بمفردها إستراتيجية الإمبراطورية، فهي مفصلة على الصورة التي شكلتها هذه الإمبراطورية عن نفسها وعن العالم.

إننا ندرك أن مثل هذا الحديث قد يغري أولئك الذين تعودوا على إشهار "نظرية المؤامرة" بمجرد سماعهم حسيس مسؤولية "الخارج" عن أوضاعنا وأوضاع العالم لكن هذا لا يغير من واقع الأمر شيئا، ذلك لأن مثل هذه المواقف لا يعرقل الحوار والتواصل فقط بل إنه يحول دون تعدد القراءات ودون فهم سَوِيّ لإشكالاتنا.

فالذهنية المهووسة بالتصنيف تَضمُرُ لديها ملكةُ الإنصات، في حين تتضخم الحساسية عندها تجاه مفاهيم وأفكار ما أن يتم "التقاطها" حتى تتحرك آلة الفرز والإقصاء عبر استدعاء قوالب جاهزة تُحنِّط كل إمكانية للتفكير.

إننا هنا لسنا بصدد توزيع الاتهامات لمحاكمة طرف دون آخر، إنما نسعى إلى ترتيب العوامل المتداخلة (انظر الملاحظة 3) حسب قراءتنا للأحداث للوقوف على الأسباب الكامنة وراء صورة واقعنا وواقع العالم.

إن العوامل الخارجية -حسب هذه الرؤية- تكون مركزية في صناعة تاريخ هذه المنطقة، أما العوامل الداخلية فقد أصبحت ثانوية منذ أن فقدت هذه المجتمعات زمام المبادرة التاريخية.

صحيح أن الظروف الداخلية هيأت التربة المناسبة لاستنبات هذه الأزمات ومهدت الطريق لتصبح المنطقة كلها مسرحا للأحداث العالمية، ولكنها غير قادرة لوحدها على إنتاج هذه الأحداث الجسام وغير كافية بمفردها لتفسير تكثيف العنف وتركيزه فيها.

"
الإمبراطورية في مساعيها لإعادة تفصيل العالم على مقاس إستراتيجيتها محتاجة إلى استكشاف دقيق للعالم؛ وفي هذا الإطار تندرج صناعة "الإرهاب" الذي أصبح علامة مسجلة للإمبراطورية الجديدة "
فأكثر أشكال العنف التي تنفجر في هذه المنطقة هي نتيجة وليست سببا، وتأتي كرد فعل على عمليات الاستفزاز. فالعنف من هذا النوع -بعيدا عن تبريره- هو شكل من أشكال التعبير يحمل رسائل مخصوصة. وإذا كان هذا الأمر كذلك، لزم أن يكون هذا العنف استجابة لتحريضٍ يعكس نوع الفعل وحجمه.

فالإمبراطورية في مساعيها لإعادة تفصيل العالم على مقاس إستراتيجيتها محتاجة إلى استكشاف دقيق للعالم؛ وفي هذا الإطار تندرج صناعة "الإرهاب" الذي أصبح علامة مسجلة للإمبراطورية الجديدة (ماركة مسجلة).

وإذا كانت الحرب عبارة عن استمرارٍ للسياسة بوسائل مختلفة، فإن "الإرهاب" عبارة عن استمرارٍ للهيمنة بأدوات مختلفة (وقد أطلق عليه ريتشارد بيرل عبارة "الحرب الشاملة").

وتتمثل هذه الأدوات في وسيلتين متكاملتين هما: الخوف والفوضى، تربطهما علاقة جدلية حيث إن وجود إحداهما يقتضي بالضرورة وجود الأخرى.

فـ "الإرهاب" بهذا المعنى هو عملة بوجهين لا يمكن فصل إحداهما عن الأخرى. ذلك أن الإمبراطورية لا يمكن أن تضمن استمرار هيمنتها على الخارج إلا إذا عبأت الداخل وأدرجته في معركتها، كما أنها لا يمكن أن تستنفر الداخل إلا إذا نجحت في ربط استقرار الداخل ورفاهيته بالسيطرة على الخارج.

فـ "الإرهاب" الذي تعتمده الإمبراطورية كإستراتيجية يقتضي -من جهة- زرع الفوضى في الخارج بتكثيف العنف فيه وخلخلة بنيات عمرانه، ومن جهة أخرى إشاعةَ الخوف في الداخل بزرع الرعب في كل مفاصل الحياة.

ليس الخوف جديدا في التجربة الإنسانية، فهو ملتصق بالطبيعة البشرية (الخوف الغريزي). لكن الخوف الذي نتحدث عنه، وهو البعد الثاني لـ "لإرهاب"، هو ذلك الخوف الذي تحوَّل إلى هوس جمعي، به يُحكَم الناس وباسمه تُسَن التشريعات وتُعلَن حالة الطوارئ وتُبرَّر الميزانيات.

فقد أصبح هذا الخوف سلطة مكنت الإمبراطورية من خلق حالة إجماع سمحت لها بتعبئة الداخل من أجل اكتساح الخارج. كما أن ربط استقرار الداخل وضمان استمرار رفاهيته (لاحظ الشعارات التي رفعتها الإمبراطورية: لماذا يكرهوننا؟ - إنهم يستهدفون نمط حياتنا...) بشن حروب على "مصادر التهديد" -وهو جوهر سياسة الخوف- مَهّدا الطريق للإطاحة بمكتسبات الحضارة من حريات وحقوق، مما سمح بتعزيز دولة الأمن والضبط (أقرب ما تكون إلى سياسة "الأخ الأكبر" (Big Brother) حسب جورج أورويل).

من طبيعة الخوف أن يعمل على شل القدرات الذهنية ويُطلقَ عمل غريزة البقاء، "فيجعل الأشياء تبدو أمامه غامضة وغير واضحة المعالم، كما أنه يضخم من العواطف ويكثفها ويجعل منها أداة طيعة في أيدي السياسيين الديماغوجيين الذين يمكنهم استخدامها من أجل حشد الرأي العام وراء السياسات التي يريدون اتباعها "(زبيجنيو بريجينسكي، جريدة الشرق القطرية 16/04/2007).

"
الخوف أصبح سلطة مكنت الإمبراطورية من خلق حالة إجماع سمحت لها بتعبئة الداخل من أجل اكتساح الخارج, كما أن ربط استقرار الداخل وضمان استمرار رفاهيته مَهّدا الطريق للإطاحة بمكتسبات الحضارة من حريات وحقوق
"
لم يكن بالإمكان أن يتحكم الخوف من حياة الناس لولا تضافر جهود مؤسسات ثلاث: المؤسسة السياسية العسكرية والمؤسسة الاقتصادية والمؤسسة الإعلامية والفنية.

أما المؤسسة السياسية العسكرية، فيكفي أنها جعلت من الخوف برنامجها الأساس لخوض الانتخابات -أي انتخابات كانت- منذ الحادي عشر من سبتمبر/أيلول في الغرب عموما والولايات المتحدة خصوصا.

أما بالنسبة للمؤسسة الاقتصادية وبفضل "فتوحات" العولمة، فقد استطاعت أن "تخصخص" هذا الخوف وتحوله إلى استثمار يدر الربح العميم على الشركات متعدية الجنسيات، حتى غدت مفاهيم من قبيل المتاجرة بالخوف (Fear mongering) رائجة في مجال الأعمال والتجارة.

أما المؤسسة الإعلامية والفنية فهي وبدون شك الأخطر على الإطلاق، ذلك أنها تستهدف وعي الإنسان ومتخيله؛ فقد نجحت بفضل الصورة والصوت في توطين الخوف داخل الإنسان بعدما تم تدجين الذهن وترويض الإرادة.

وقد جعل تضخمُ ثقافة الصورة وتكثيفها الأدوار متبادلة بين الواقع الحقيقي والواقع الافتراضي (الأفلام، الألعاب الإلكترونية) إلى درجة لم نعد نعرف فيها الحدود الفاصلة بينهما.

فالتعليقات على الأحداث الواقعية (كأحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، أو الحرب على العراق...) بالقول "كأنه فيلم هوليوودي" أو "هذا الحدث يشبه فيلما رأيته في السينما" أو "لم أفرق بين هذا القصف وبين لعبتي الإلكترونية" وغيرها كثير، يعكس انقلابا خطيرا لصالح الصورة بحيث أصبح الواقع الافتراضي هو الأصل الذي يقاس عليه الواقع الحقيقي، وذلك ما أراد جان بودريار الإشارة إليه عندما قال "كدنا أن نقول إن الحقيقة أصبحت غيورة من الخيال وأصبح الواقع غيورا من الصورة" وهكذا، بعدما سقطت الحقيقة رهينة بين يدي الخيال وبعدما اعتقلت الصورةُ الواقعَ. لم تعد الصورة "شاشة" تنعكس عليها الأحداث -كما كان الأمر سابقا- بل أصبحت هي التي تصنع هذه الأحداث وتفصلها لتحولها، بفضل "القصف" الإعلامي والتمويه إلى واقع.

إذا كان العالم قرية كونية كما يقال، فليس هناك ما يجمع بين مكونات هذه القرية مثل الخوف. إنه القاسم المشترك أو لنقل "قسمة العولمة العادلة".

أما البعد الثاني للإرهاب، وهو مفهوم "الفوضى الخلاقة" الذي تمت استعارته من علوم الفيزياء (الفوضى والنظام) فإنه يختصر بمفرده إستراتيجية الإمبراطورية، وإلا كيف يمكن الجمع بين متناقضين "الفوضى" من جهة و "الخلق" من جهة أخرى، لولا أن هذه الفوضى تؤدي نهاية المطاف إلى "النظام".

ذلك أن الفوضى التي تَغرَق فيها أجزاء من الخارج خاصة المجتمعات العربية والإسلامية، ليست إلا عمليات قيصرية يعاد من خلالها تركيب وترتيب أطراف الخارطة لتتناسب وطموحات الإمبراطورية. فما يبدو فوضى على المستوى المحلي أو الإقليمي هو ليس كذلك على المستوى العالمي؛ فزرع الفوضى (والعنف أقوى تجلياتها) محليا أو إقليميا هدفه جني "النظام" عالميا.

إن العنف نوعان اثنان، عنف كفعل إثارة (stimulus) وعنف كرد فعل أو جواب عن الإثارة، وتدافعهما وتجاذبهما هو الذي يوَلِّد الفوضى. فإذا كان النوع الثاني هو الذي يسلَّط عليه الضوء ويوسم بـ "الإرهاب" فإن النوع الأول يتم توريته وتغطيته مع أنه هو الأصل.

وإذا كان النوع الثاني لا يَعرف من صيغ التعبير إلا الشكل الكثيف أو المادي (وهنا تكمن محدوديته) فإن النوع الأول يتجلى من خلال شكلين من أشكال التعبير، الشكل المادي أو الصلب والشكل الرمزي أو الناعم (وهنا تكمن خطورته وتفوقه).

"
نحن أمام ديناميتين هما "دينامية الإمبراطورية"، "دينامية الأطراف". ويبدو أن الأولى أعم وأشمل مما يسمح لها بدمج الثانية في سياقها, وبالتالي  فالإمبراطورية هي مصدر إنتاج الإرهاب، أما الأطراف فهي مجال الاستهلاك, وشتان بين من ينتج ومن يستهلك "
وتأتي أعمال العنف التي يُتحدث عنها (النوع الثاني) كرد فعل على سياسة التحريض المعتمدة (النوع الأول). هذه السياسة التي تهدف إلى معرفة طبيعة الاستجابة وقياس نوع التفاعل ودرجاته، بمعنى أن التحريض كفعل عنف هو أداة لتحديد مناطق التوتر وقياس درجاته؛ وعلى ضوء ما يمكن تسميته بـ "سُلَّم التوتر" تتم هندسة الفعل.

لذلك جاء تنبيهنا أعلاه (ملاحظة 4) إلى أن فهم هذه "الفوضى" لن يتم من خلال التركيز على تمظهرات هذا العنف بنوعيه، إنما يجب أن تتجه جهود البحث والتفكير إلى ما وراء العنف بحثا عن مقاصد إستراتيجية "الفوضى".

فنحن إذن أمام ديناميتين تؤكد كل المؤشرات على أنهما متصادمتان هما "دينامية الإمبراطورية"، "دينامية الأطراف". فإذا كانت هذه الأخيرة دفاعية بواقع الحال، فإن الأولى هي التي تمسك بخيوط المشهد وتفرض قواعد اللعبة. فيبدو أن "دينامية الإمبراطورية" أعم وأشمل، مما يسمح لها بدمج "دينامية الأطراف" في سياقها لتندرج ضمن قوانين اللعبة وتنخرط في اتجاه اشتغالها.

وقد تظهر آثار "دينامية الأطراف" مؤذية للخصم ومؤلمة له متى حصرناها في الزمان والمكان، ولكن سرعان ما تتبخر هذه الآثار عندما ننتقل من الموضعي إلى الشمولي ومن العاجل إلى الآجل.

إن الأمر أشبه ما يكون بقطار ينطلق في اتجاه معين، فهل يمكن اعتبار من يمشي داخله وفي الاتجاه المعاكس أنه يغير بذلك وجهة سفره ومقصد رحلته؟ لا يمكن للأمرين أن يتحققا إلا إذا تمت مغادرة القطار وتغييره.

فإذن الإمبراطورية هي مصدر إنتاج "الإرهاب"، أما الأطراف فهي مجال الاستهلاك. وشتان بين من ينتج ومن يستهلك، وتلك هي المسألة!
ــــــــــــــ
كاتب مغربي 

المصدر : الجزيرة