محمد مصطفى علوش

مصر وشرم الشيخ
السعودية وتسجيل أميركا أكثر من هدف
سوريا وإيران كل على طريقته
سوريا ولغز مغازلة رايس

انتهى مؤتمر شرم الشيخ كما انتهى قبله الكثير من المؤتمرات التي لا تضيف جديداً لأرض الواقع سوى مزيد من التنظير والتوصيات، علاوة على الصور الحديثة لأصحاب الابتسامات الفاترة من المؤتمرين والتي تحمل في طياتها الكثير من الرسائل غير المريحة لشعوب هذه المنطقة.

المصاب جلل وحروب عديدة تدار في آن واحد في بلد مزقته النزعات كالعراق وهو يغرق أمام أعين البشرية في دوامة العنف التي لا ترحم، إلا أن المصيبة التي دفعت مؤتمر شرم الشيخ إلى الانعقاد عادت بفوائد عديدة لا على العراق الجريح وإنما على الدول التي تآمرت عليه أو لم تتآمر تطبيقاً للحكمة "مصائب قوم عند قوم فوائد".

وعلى الرغم من أننا لم نلحظ جديداًً في هذا المؤتمر إلا أنه كان ترجمة فعلية أو تطبيقا أمثل لـ "سياسة انتهاز الفرص".

فمحور"دول الشر" ومحور"دول الاعتدال العربي" إضافة لـ "لشيطان الأكبر" فضلاً عن الدب الروسي القادم من القطب البارد والمتحمس لقطعة لحم طازجة في المؤتمر، جميعهم لعبوا "سياسة انتهاز الفرص" .

مصر وشرم الشيخ

"
كان انعقاد مؤتمر شرم الشيخ مناسبة للنظام المصري في تتويج جمال مبارك كمشروع رئاسي لمصر تتمة لحقبة والده محمد حسني مبارك
"
وإذا كانت مصر الدولة المضيفة للمؤتمر حاولت أن تسترجع بعض ما فقدته من إرثها في تزعم الدول العربية، فقد عملت جاهدة على استثمار كل محطة في المؤتمر وخصوصا أن المؤتمر يشبه إلى حد بعيد المؤتمرات التي كانت ولا تزال تعقد في الدول الملكية حين تحتفل بتتويج ملوكها حيث تدعى الملوك والزعماء من أنحاء العالم احتفاء بتتويج الملك الجديد.

فقد كان انعقاد مؤتمر شرم الشيخ في مصر مناسبة للنظام المصري في تتويج جمال مبارك كمشروع رئاسي لمصر تتمة لحقبة والده محمد حسني مبارك.

فقد نظّم نجل الرئيس المصري حفلاً في شرم الشيخ بمناسبة زفافه في نفس اليوم الذي أتم والده عامه التاسع والسبعين! وذلك بالتزامن مع انعقاد مؤتمر شرم الشيخ.

وإذا كانت المعارضة المصرية لا تزال تردد أن هناك مشروعا سريا لتحويل مصر إلى ملكية عبر توريث جمال مبارك الحكم، فقد قرأت صحيفة لوفيغارو الفرنسية في الحدث محاولة من الرئيس المصري لتفويت الفرصة على المؤسسة العسكرية المصرية التي تكاد لا ترغب بوصول رئيس لمصر من خارج مؤسستها، وذلك من خلال طرح نجله "جمال" كأمر واقع أمام أعين وزراء خارجية دول المنطقة إضافة للاعبين الكبار عالمياً عبر هذا الاحتفال الذي كان نقطة ارتكازه نجله "جمال".

السعودية وتسجيل أميركا أكثر من هدف
وإذا كانت السعودية سجلت أكثر من نقطة في هذا الحدث والذي سبقته بامتناع الملك عبد الله عن لقاء رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، في إشارة منها إلى توجيه رسالة للحكومة العراقية من جهة بأنها حكومة طائفية غير مرغوب فيها ومن جهة أخرى تكشف عن الامتعاض السعودي من سياسة الولايات المتحدة الأميركية التي أقصت السنة خلال احتلالها للعراق وتركت الأبواب العراقية مشرعة للنفوذ الإيراني القادم من الشرق.

الولايات المتحدة بكل الأحوال تتقاطع رؤيتها مع رؤية السعوديين حول "المالكي" وإن أظهرت دعماً لحكومته فإن في الحقيقة لا يهمها من يكون على رأس الحكومة العراقية، ما يهمها هو وجود حكومة عراقية ضعيفة وغير مستقلة عنها لأن خلاف ذلك من شأنه أن يدفع الحكومة لبناء علاقة قوية ومتينة وربما تحالف أمني مع إيران لا سيما أن الغالبية الشيعية في العراق والتي يسيطر عليها أحزاب تربطهم بإيران علاقات وثيقة سوف تدفع بهذا الاتجاه.

يقول نعوم تشومسكي في صحيفة لا فانغوارديا الإسبانية بتاريخ 14/4/2005 "السيادة في العراق يمكن أن تقود إلى تحالف شيعي مستقل عن الولايات المتحدة ربما يسيطر على غالبية الموارد النفطية العالمية، مما يقوض أحد الأهداف الأولى للسياسة الخارجية الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية".

من جهة أخرى فإن أي خطوة باتجاه الديمقراطية قد تدفع الأكراد للمطالبة باستقلالهم، وبالتالي سيؤثر ذلك على علاقة بين الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها من دول الجوار العراقي لا سيما تركيا.

"
الولايات المتحدة حاولت انتهاز الفرصة بشكل رائع جدا حين خرج المؤتمر بدعم حقيقي لجورج بوش المتهالك داخلياً حيث جاءت التوصيات تتطابق مع رؤية الإدارة الأميركية
"
فقد حاولت الولايات المتحدة انتهاز الفرصة بشكل رائع جدا حين خرج المؤتمر بدعم حقيقي لجورج بوش المتهالك داخلياً حين جاءت التوصيات تتطابق مع رؤية الإدارة الأميركية حول شرعية وجوده وعدم رغبته في جدولة انسحابه من العراق، حيث انتهى المؤتمر بإسقاط بعض ديون العراق المستحقة فضلاً عن الزج بالدول العربية في لعبة إنقاذ الولايات المتحدة من الغرق في المستنقع العراقي فضلاً عن أن البيان الختامي للمؤتمر تفادى الإشارة إلى جدولة الانسحاب الأميركي.

فالولايات المتحدة حاولت حصد أكبر حزمة من الفرص المتاحة في المؤتمر وعلى أكثر من صعيد فالوزيرة "رايس" حاولت تعويم "أولمرت" وحكومته في إسرائيل من خلال مسعاها لعقد اجتماع يضم الرباعيتين العربية والدولية بقصد توريط السعودية بعلاقة مباشرة ومعلنة مع إسرائيل، وخلق حالة مشهدية خادعة حول السعي لتحريك المسار الفلسطيني مقابل فك طوق العزلة عن إسرائيل ولجم تداعيات هزيمتها في لبنان وما تثيره من انهيارات متسارعة في البنية الحكومية والحزبية وعلى صعيد المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.

وقد يعود السبب في غرام الولايات المتحدة الأميركية بالسيد "أولمرت" على الرغم من تدني مستوى شعبيته في إسرائيل إلى ما دون 7% أنه "رجل المرحلة" لا سيما أنه السياسي الوحيد حالياً القادر على تسويق المبادرة العربية في إسرائيل، والسد الأخير أمام قدوم رئيس الوزراء السابق "بنيامين نتنياهو" على رئاسة الوزراء الرافض جملة وتفصيلاً للمبادرة.

بل وصل استغلال الولايات المتحدة للحدث بطرحها خطة أمنية قدمت إلى السلطة الفلسطينية وإسرائيل تخفف القيود المفروضة على حركة تنقل الفلسطينيين مقابل وقف إطلاق الصواريخ على إسرائيل، الأمر الذي خلق امتعاضا شديدا لرئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) خالد مشعل الذي قال "أعلن رسميا رفضنا في حركة حماس لهذه الوثيقة ولأي مشروع أميركي أو أوروبي أو إسرائيلي ولو حتى عربي يقزم القضية الفلسطينية بهذا الشكل".

سوريا وإيران كل على طريقته
وزير خارجية إيران منوشهر متكي على الرغم من إعلان دعم بلاده لحكومة المالكي كما ترغب الولايات المتحدة، فإنه لم يلتق وزيرة الخارجية الأميركية رايس ولم يحضر عشاء كانت تشارك فيه.

وإذا كان المنظّمين للمؤتمر قصدوا تطرية الأجواء أو نفذوا رغبة أميركية معينة من خلال وضع كرسيه مقابل كرسي رايس على نفس الطاولة، فإن متكي وبعيد دخوله بقليل غادر العشاء الذي نظمه وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط معرباً عن استيائه من زي غير محتشم لعازفة كمان روسية كانت تعزف أثناء العشاء.

وكانت صحيفة تايمز البريطانية تساءلت متهكمة في عددها الصادر 6/5/2007 في مقالها المعنون "لباس عازفة الكمان يبقي العدوين بعيدين عن بعضهما" تقول "هل عازفة كمان روسية في زي سهرة خفيف أحمر أهدرت فرصة مهمة لإصلاح العلاقات بين البلدين بعد 30 عاما من العداوة."

إيران التي تعلم جيداً حاجة الولايات المتحدة لها في السيطرة على شيعة العراق وتتباها بذلك، لا تستطيع إخفاء حاجتها للولايات المتحدة في جميع ملفاتها العالقة وخصوصا ملفها النووي وضرورة الاعتراف بها كدولة إقليمية قوية في الشرق الأوسط.

"
إيران حاولت أن تسجل نقطة أخرى على الولايات المتحدة هذه المرة لكن عبر ثوب العازفة الروسية لتقول للأميركان وللعرب من خلفهم إنها دولة صاحبة مبادئ وقيم إنسانية عليا وليست دولة ذرائعية براغماتية
"
وقد حاولت أن تسجل نقطة أخرى على الولايات المتحدة هذه المرة، لكن من خلال ثوب العازفة الروسية لتقول للأميركان وللعرب من خلفهم إنها دولة صاحبة مبادئ وقيم إنسانية عليا وليست دولة ذرائعية براغماتية كما هو حال الولايات المتحدة الأميركية ومن حالفها من دول المنطقة.

وعلى الرغم من ادعاء متكي أنه لم يلتق رايس لأن لقاءات وزراء الخارجية تحتاج للتحضير وليست للاستعراض، فإن اجتماعات عديدة عقدت بين الأميركان والإيرانيين ليس أقلها ما أعلنته السيدة رايس أن اجتماعاً على مستوى السفراء جرى بين البلدين على هامش المؤتمر، الأمر الذي دفع متكي للتقليل من شأن اللقاء مؤكداً أنه لم يكن اجتماعاً رسمياً بل مجرد تبادل للآراء، بالتزامن مع اتهامه الولايات المتحدة بممارسة الإرهاب في العراق ومطالبتها بجدول زمني للانسحاب.

وقد يعود السبب في تمنع متكي لقاء رايس أن الولايات المتحدة الأميركية كانت ولا تزال على موقفها الرافض من الحديث مع إيران حول جميع الملفات العالقة حيث إن وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس وقبل انعقاد المؤتمر أوضح أن أي اجتماع تعقده رايس في شرم الشيخ مع نظيرها الإيراني سيقتصر على الوضع في العراق.

وقال غيتس "لو أرادت أن تتحادث مع وزير الخارجية الإيراني في أي حوار حول أمور جوهرية، فإن الحوار يجب أن يتركز على محاولة إقناع الإيرانيين بوقف زعزعة الاستقرار في العراق".

وأضاف الوزير أن رايس ستطالب الإيرانيين بوقف كل نشاط يمكن أن يؤدي إلى مقتل جنود أميركيين في العراق. طبعاً هذا ما لم تكن تنتظره إيران أي أن تقدم لقمة سائغة للأميركيين بدون ثمن مقبول لديها فكان الثوب الأحمر للعازفة الروسية فرصة لانسحاب متكي!

سوريا ولغز مغازلة رايس
أما سوريا التي لا تنفي رغبتها بخطب ود الولايات المتحدة وفك عزلتها من خلال الانفتاح عليها، فقد أكد وزير خارجيتها وليد المعلم أنه التقى في شرم الشيخ وزيرة الخارجية الأميركية بحضور أعضاء وفدي البلدين على مدار نصف الساعة.

غير أن الوفد السوري الذي حاول استثمار الفرصة بطرح ملف المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الحريري، لم يفلح بربط القضايا العالقة بين البلدين ومحاولة علاجها كملف واحد بدءا بالسلام مع إسرائيل مروراً بالتفاوض حول الوضع اللبناني وانتهاء بضبط حدودها مع العراق.

"
قد لا نستطيع الجزم بأن المؤتمر خرج برؤية توافقية إزاء مصير العراق من قبل جميع الأطراف الذين حضروا المؤتمر، إلا أن ما نستطيع الجزم به أن مأساة العراق كانت فرصة لكل طرف بتلقين خصومه درساً منتهزاً جميع الفرص ليسجل الهدف تلو الآخر
"
والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا لم يتذرع  الوزير السوري كما تذرع نظيره الإيراني فيرفض لقاء رايس أو على الأقل يحاول أن ينفي حصول ذلك اللقاء أو يقلل من شأنه، خصوصاً أن المعلم يعلم تماما أن الوزيرة رايس لم تشأ الحديث مع سوريا سوى حول ضبط حدودها مع العراق للحد من تسلل المقاتلين.

وقد ظهر هذا جليا في رد وزيرة الخارجية الأميركية على منتقديها من النواب الديمقراطيين الخميس بسبب لقائها مع نظيرها السوري على هامش المؤتمر الدولي حول العراق في شرم الشيخ حين قالت إن الظروف مختلفة، مضيفة أنها تعتقد أن الذهاب إلى دمشق وإجراء محادثات موسعة حول سلسلة مسائل مع سوريا أمر مختلف ومؤكدة أن انتهاز الفرصة للتحدث إلى وزير الخارجية السوري حول مشاكل حسية متعلقة بالعراق خلال مؤتمر للدول المجاورة للعراق يبدو منطقياً.

يبدو أن السبب في نهج سوريا سلوكاً مخالفا للسلوك الإيراني داخل المؤتمر يعود للوضع الداخلي السوري حيث أرادت دمشق أو بالأحرى النظام السوري أن يسجل نقاط جديدة له في إقناع الشعب بحكمة النظام وفعاليته في إدارة السياسة الخارجية بما يعود بالنفع على دور سوريا الإقليمي، فضلاً عن ضرورة بقائه داخلياً وهو الذي يتعرض منذ احتلال العراق لضغوط دولية ودعم للمعارضة السورية في عزله وتفكيكه.

فالوزير المعلم أراد أن يستثمر لقاء رايس معه تتمة لما قام به النظام سابقاً من استثمار زيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي لدمشق الشهر الفائت، حيث عُوملت كأحد الأبطال والحكماء النادرين في السياسة الغربية المتفهمين لشعوب الشرق الأوسط.

قد لا نستطيع الجزم بأن المؤتمر خرج برؤية توافقية حول مصير العراق من قبل جميع الأطراف الذين حضروا المؤتمر، إلا أن ما نستطيع الجزم به أن مأساة العراق كانت فرصة لكل طرف بتلقين خصومه درساً منتهزاً جميع الفرص ليسجل الهدف تلو الآخر في ملعب الخصوم.
ـــــــــــــ
كاتب لبناني

المصدر : الجزيرة