نبيل شبيب

نبيل شبيب

كاتب وباحث إسلامي


- حصيلة عقود ماضية
- عزلة من يحاصر الكلمة

الأصل فيمن اختار لنفسه طريق الكلمة الإعلامية أو اختارته الظروف لها أن يمارس حق حرية الكلمة، وهو أصيل مولود مع ولادة كل إنسان بلا استثناء، فتكون الممارسة جزءا من حياته وممارسة علنية مباشرة، هكذا في وضح النهار جهارا دون تقية.

إن حرية الكلمة الإعلامية ليست أمرا اختياريا لدى الإعلامي يستمتع به أو يتخلى عنه.

فمن اختار لنفسه الإعلام ميدانا ومارسه عن جدارة، يحمل من اللحظة الأولى أمانة ثقيلة ومسؤولية كبيرة، تفرض عليه فرضا أن تكون كلمته حرة من القيود والضغوط وألوان الابتزاز المرئية وغير المرئية، وأن يكون رأيه بعيدا عن ألوان التزييف والتضليل والتنميق.. وإلا فليرتزق بطريق آخر.

وتثبيت الحرية أساسا للإعلام هو أيضا من مسؤولية صانع القرار في وسيلة إعلامية، فتعامله مع ذلك الحق الأصيل يجعل منها أداء بناء أو هدم، إذ كانت وما تزال "الكلمة الحرة" الملتزمة بالحق هي المدخل الرئيسي والأوسع للوصول إلى قدر أعظم من التحرر في مختلف الميادين الأخرى بما في ذلك ميادين تحرير الإمكانات والطاقات للبناء والخروج من وهدة التخلف وتحرير العقول والسواعد للتعبئة ووضع حد لعصر النكبات والهزائم والمآسي.

"
من لا يعمل من أجل حرية الرأي للآخر وفق ضوابط وثوابت كبرى مشتركة ووفق قيم الحرية ومعاييرها لا يكون جديرا بممارسة حرية الرأي والتعبير أيا كان العنوان الذي يتحرك ويكتب ويصور فيه
"
حصيلة عقود ماضية
عندما يستخدم بعضنا اسما إعلاميا مستعارا لاسيما بعد أن فتحت الشبكة الأبواب على نطاق واسع، يلفت النظر إلى أن أول التعليلات هي التكهن بخشية صاحب الاسم المستعار من السلطات، ولا يخطر سبب آخر على البال إلا نادرا.

نحن في وسط الطريق، وكثير منا لم يستوعب أننا بدأنا نخلف عصرا وندخل عصرا آخر بواقع إعلامنا العربي والإسلامي، بعد الأضرار الجسيمة الناجمة عن بقاء تطوره لعقود عديدة حبيس عنف محاولات إخضاع القلم وتشويه الفكر والوجدان والحس والذوق لصالح حاكم سياسي أو ممول مرتبط به غالبا. فرغم العنف الاستبدادي بدأ التطور، وعلينا استيعاب أبعاده ومغزاه.

ربما يركز بعضنا على أسباب نسميها خارجية لأنها ظهرت عالميا وأتت إلينا دون إسهام منا، لتقصيرنا حكومات ونخبا وأفرادا في أداء واجباتنا مثل تطور وسائل الاتصال واضمحلال مفعول الحواجز والحدود ما بين البلدان وداخل البلد الواحد.

لكن التركيز على مفعول التقنيات المستوردة وعلى مفعولها الوافد رغما عنها -وهو تركيز مهم- يغمط حق أولئك الذين كانوا بمثابة الرواد في طليعة التمسك بقول كلمة الحق الإعلامية ونشرها بوسائل بدائية، مهما كانت الظروف ومهما كان الثمن.

القافلة طويلة ممن دفعوا فعلا ثمن حرية كلمتهم الإعلامية في ظل أسوأ ظروف عرفتها بلادنا على هذا الصعيد، والقافلة مستمرة مع ازدياد مستوى الإجرام في حقها عبر ممارسات قوات معادية من محتلين وغزاة ضد الإعلام الحر وأهله، وليس ضد البشر والحجر وأسباب تقدمنا فقط.

وهنا.. في ساحة رواد الكلمة وفي ساحة ضحاياها ومن لا يزال يعاني من الاستبداد المحلي والدولي خلف قضبان السجون، لا نميز بين تيار وتيار واتجاه واتجاه.

فمن لا يعمل من أجل حرية الرأي للآخر وفق ضوابط وثوابت كبرى مشتركة ووفق قيم الحرية ومعاييرها لا يكون جديرا بممارسة حرية الرأي والتعبير، سيان تحت أي عنوان يتحرك ويكتب ويصور بل هو عبء على أي اتجاه ينسب نفسه إليه.

لقد كانت طلائع المتمسكين بحرية الكلمة الإعلامية تناضل في العقود الماضية من مختلف الانتماءات والتيارات، كما أنه ليس مجهولا أن الأعم الأغلب هو انفراد تيارات علمانية -مع من لحق بها- بالسيطرة طويلا على زمام الأمور، فشاركت مباشرة أو بالمواكبة تأييدا وتسويغا في صناعة القرار الاستبدادي وفرضه في مختلف الميادين الإعلامية والفكرية والثقافية وسواها.

ومن يعلن من أنصارها ذلك الآن ويعلن تبرؤه منه يساهم في إيجاد أرضية مشتركة بعد حقبة الصراع التاريخي السابقة المعروفة.

عزلة من يحاصر الكلمة
مازال المشوار طويلا.. طويلا لتحقيق ما يكفي من التطور الإعلامي الذي نعايشه، ولتأخذ الحقوق والحريات مكانتها الأصيلة، ولكن الشوط المتحقق خلف وراءه إخفاقا شديد الوطأة على التيارات المعنية والسلطات التي احتضنتها.

بالمقابل لم تعد ساحتنا الإعلامية تشهد "إرهاصات تغيير" فحسب وفق تعبير طالما استخدمه المتفائلون لبث الأمل في ساعات الظلمة الحالكة، بل دخل عالمُ الإعلام العربي والإسلامي في مرحلة التغيير فعلا، وبدأ التحول يأخذ مجراه.

وما بقي أقرب إلى مشكلات تفصيلية، وتلك مشكلات تقيد أولاً من لا يريد استيعاب التطور الواقع أو لا يستطيع نتيجة حبس نفسه خلف جدران أساليب عتيقة وتجارب فاشلة وقد يسبب عقبات مزعجة، ومع ذلك يبقى زوالها ممكنا ومحتما مع اقتران مصير مََن يصنعها ويتمسك بها بمصيرها في نهاية المطاف.

الأمثلة على السلوك الاعتباطي المعاند للتطور علنية وباتت لافتة للنظر، إذ يكفي التنويه مثلا بمقولات تظهر وكأنها من كوكب آخر على ألسنة مسؤولين، في أعقاب تصويت مزيف أو لتسويغ محاكمات جائرة أو لإغلاق الأبواب أمام فضائية ما وكأنها لا تصل عبر "الفضاء".

"
ما لا يزال في الساحة الإعلامية من ملاحقات إلى درجة القتل والسجن والمحاكمات الصورية وسواها من إجراءات تعسفية لم يعد يصنع التعتيم المطلوب بل هو على النقيض من ذلك يزيد الضجة الإعلامية وردود الفعل ضد من يمارسه
"
إلى وقت قريب كان إغلاق صحيفة أو إلغاء برنامج أو طرد محرر أو حتى اغتيال قلم من الأقلام بقتل صاحبه وكانت أفاعيل مقص الرقيب ممارسات جارية دون اعتراض، فكانت الكمامات توضع على الأفواه والأعين والآذان دون تأوه.. وجميع ذلك على نطاق مكثف واسع. هي حقبة مخزية ولكن مغزى حصيلتها عميق.

إن ممارسي الاستبداد الإعلامي أرادوا به السيطرة على صناعة الإنسان وفكره وصياغة إرادته وعقله بل وإنتاج ذوقه وميوله، أي تطويع الجيل لتقديس مَن لا يجوز تقديسهم من أفراد حاكمين وطاعة ما لا تجوز الطاعة فيه من إهدار لمصالح الأمة وتفريط في مقدساتها وأرضها وحاضرها ومستقبلها.. فماذا كانت الحصيلة؟

الحصيلة أننا نعايش حقيقة وجود جيل آخر بمواصفات أخرى غير ما استهدفته السلوكيات الاستبدادية. من ذلك ما بلغ حد تطرف خطير، ويوجد مََن يساهمون في تضخيمه وتنميته عبر استغلال خطره لأغراضهم الأخطر منه، ولكن هذا المشهد الموضوع في المقدمة من خشبة المسرح لا يحجب واقعا واسع النطاق في اتجاه تطور إيجابي من شأنه أن يدفع عجلة التاريخ في الاتجاه الصحيح.

لننظر مثلا في صناديق التصويت بين أيدي جيل ناشئ في محاضن استبداد حقبة سابقة، فعندما يصل إلى التصويت على مستوى اتحادات الطلبة إلى النقابات والروابط المهنية وحتى الانتخابات العامة –إن عرفت شيئا من النزاهة والضمانات- فسرعان ما يظهر للعيان حجم تمرده على أولئك الذين اعتقدوا أنه سبق تطويعه لهم في محاضنهم، وإذا به يعبر عن إرادة حرة مستقلة تأبى الانصياع لإراداتهم ومطامعهم.

إن كثيرا من العقبات الباقية منشؤها وهم كبير يستبد ببقايا موروثة عن أساطين استبداد عقود ماضية، فما يتشبثون به من أساليب ووسائل لم يأكل عليها الدهر ويشرب فحسب، بل أصبح المتمسك بها كالقابض على ريح في يده فإن فتحها أدرك ما يعنيه وهمه.

إن ما لا يزال في الساحة الإعلامية من ملاحقات إلى درجة القتل والسجن والمحاكمات الصورية وسواها من إجراءات تعسفية مراقبة أو حجرا وإغلاقا أو طردا.. جميع ذلك لم يعد يصنع "التعتيم" الإعلامي المطلوب منه، بل هو على النقيض من ذلك يزيد الضجة الإعلامية وردود الفعل ضد من يمارسون تلك الإجراءات فيزدادون عزلا لأنفسهم بأنفسهم دوليا ومحليا.

أما الوسيلة الإعلامية التي بقيت متشبثة بالحرص على إرضاء الحاكم بأمره في جهاز سياسي أو في مؤسسة تمويلية أو حتى في دار النشر الإعلامية نفسها، مع إغفال إرضاء الإرادة الشعبية والتطلعات الشعبية، والآمال الشعبية.. هذه الوسيلة الإعلامية أصبحت في حكم الميتة وإن لم توضع في الكفن بعد، فاستمر وجودها طافية على السطح كالزبد على وجه مياه تيار متدفق، لتعيش على حقنها الدائم بحقوق مغصوبة وبأموال مغصوبة غالبا.

إلى وقت قريب كان بعضنا يشكو من أنه إذا أمسك القلم ليكتب شغله اختيار العبارة المناسبة أكثر من العثور على الفكرة الصائبة ناهيك عن أصل الخوض في قضية صاخبة تفرض نفسها، فالحرص على الوصول بقول حر صحيح إلى قارئ يحترم نفسه وحريته وكرامته هو حرص المضطر إلى انتقاء كلمات تقول ما يريد هو ثم لا يفهمها الرقيب فيحجر عليها وربما على صاحبها.

"
الرقابة الحقيقية والنافعة التي يحتاج إليها الإعلام على الدوام هي تلك الصادرة عن إدراك صاحب القلم أنه ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، وذاك ما يشمل ما شاع في العصر الحاضر وصفه بالتزام الثوابت والقيم والمصلحة العليا
"
هذه رقابة ذاتية بقيت لوقت طويل أشد وطأة من الرقابة الخارجية، أما الآن فالغالبية تكتب كثيرا مما تراه -بغض النظر عن اتجاه صاحب القلم- مع الثقة بحتمية الوصول إلى القارئ أو المستمع أو المشاهد على أي حال.

لقد تحولت القضبان التي صنعتها الرقابة إلى قضبان تحيط بمن صنعوها، فانعزلوا مع ذاك النمط المرفوض من إعلام منحرف ومزيف عن واقع بلادهم وأمتهم وقضاياهم من حولهم.

ومن يرصد ذلك على مستوى المسؤولين عن وسائل الإعلام إدارة أو تمويلا، يدرك أن بقاءها رهن بأن تجد ولو بعض القبول لدى المستهلكين.

والمستهلكون هم الشعوب لا السلطات، فهم على قدر ما يراقبون أنفسهم ألا يقطعوا ما بينهم وبين الشعوب لحساب أي سلطة من السلطات أو لحساب أنفسهم، يمكن أن يؤدوا أعباء المسؤولية الإعلامية الجسيمة التي يحملونها ويحققوا أغراضا مشروعة أخرى يريدونها كالربح المادي المباح.

ونعتقد من قبل ذلك وبعده أن الرقابة الحقيقية والنافعة التي يحتاج إليها الإعلام على الدوام هي تلك الصادرة عن إدراك صاحب القلم أنه ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، وذاك مما يشمل ما شاع في العصر الحاضر وصفه بالتزام الثوابت والقيم والمصلحة العليا، فذاك ما لا ينبغي أن يحيد المرء عنه سواء اشتغل في الإعلام أو في سواه.

ومن ذلك قول الحق لا يخشى فيه لومة لائم وفق ما يعتقده هو حقا وما تيقن من صحته، وما يقدر تحقيق الخير من وراء الجهر به لا الفتنة والضرر، ثم هو يحرص على تحقيق المصلحة العليا تبعا لذلك لا تقديم مصلحة شخصية أو مصلحة من يواليه على سواها.

ومن ذلك أيضا تجنب توزيع الاتهامات بلا حساب، وتعميم الأحكام دون تفكير، ورؤية مواقف الحق والاستقامة والصواب وإن صدرت عن خصم اعتاد في الأصل ألا يتجنب باطلا ولا خطأ ولا انحرافا، فإن الإعلام لا يسقط في حمأة التشهير إلا ويهبط بنفسه ومستوى صاحبه إلى الحضيض، ويصبح جسرا لنشر الأحقاد والضغائن بدلا من السمو بنفسه وبصاحبه إلى مستوى الرسالة المنوطة به.

تلك الموازين وأمثالها وأمثالها كثير في ميثاق شرف إعلامي مشترك مكتوب كان أو غير مكتوب، هي الضمان أن تكون الثورة الإعلامية التي نعايشها هذه الأيام وعبر إعلاء كلمة الحق، الكلمة السديدة الطيبة الصالحة النافعة المخلصة الصادقة، ثورةً هادفة للبناء لا الهدم والتقدم لا التخلف والوحدة لا التفرقة.

ومن قبل ذلك ومن بعده فإن الملتزم بتلك الكلمة يشمله مقتضى قوله تعالى {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء} سورة إبراهيم-الآية رقم 27.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك