ماجد الزير

ماجد الزير

ناشط ومتخصص في شئون اللاجئين الفلسطينيين


بالرغم من كل ما حل بالشعب الفلسطيني من مآس وآلام خلال العقود الستة الماضية من الصراع العربي الصهيوني، ومع عظم المؤامرات والمكائد -إقليمية كانت أم دولية- التي تعرضت لها فلسطين والتي هدفت إلى طي صفحة القضية وللأبد، لم تؤثر في صموده وتمسكه بكافة حقوقه دون تفريط، بل عمل لاسترجاعها دون كلل أو ملل.

وظل هذا الصمود عاملا مهما للحفاظ على القضية ناصعة بمفرداتها الحقيقية إلى الأجيال المتعاقبة وصولا إلى الجيل الحالي.

وقد تكيف الشعب الفلسطيني في الداخل وفي مخيمات الشتات والمنافي مع البيئة التي يعيش فيها، صعبة كانت أو ميسورة، وخلق من واقعه ما يعينه على العمل لقضيته.

فكانت المقاومة المسلحة منذ السنوات الأولى التي تلت النكبة ولاحقا عند تأسيس منظمة التحرير ثم انطلاقة الثورة الفلسطينية في عام 1965، وما صاحب ذلك من سلسلة انتفاضات ضد المحتل من قبل أبناء الشعب الفلسطيني في الداخل وصولاً إلى انتفاضة الحجارة ثم انتفاضة الأقصى.

"
الشعب الفلسطيني رسخ عبر نضاله في الضمير الجمعي حول العالم رمزية المقاومة والعناد ضد المحتل، بل أضحى نموذجا يحتذى من قبل حركات التحرر في العالم
"
كل ذلك جعل مهمة العدو الصهيوني في الاستقرار على أرض فلسطين وترسيخ مشروعه الاستيطاني صعبة المنال، بل وأبعد من هذا.

فقد رسخ الشعب الفلسطيني عبر نضاله في الضمير الجمعي حول العالم رمزية المقاومة والعناد ضد المحتل، بل أضحى نموذجا يحتذى من قبل حركات التحرر في العالم.

وقد كان لأبناء الشعب الفلسطيني في أوروبا، دورهم في النضال والجهاد، جنبا إلى جنب مع إخوانهم في الداخل، وفي دول العالم المختلفة.

وأدركوا أهمية الدول الأوروبية في السياسة الدولية وحيويتها وارتباطها العضوي في القضية الفلسطينية، من حيث ارتباط قيام المشروع الصهيوني أصلا بأوروبا، ثم استمرار الدعم اللامحدود واحتضان المشروع الصهيوني من قبل الدول الأوروبية المختلفة، سواء بتسهيل الهجرة ليهود أوروبا أو باقي يهود العالم إلى فلسطين، أو من ناحية الدعم الاقتصادي السخي الذي جعل الدولة العبرية جزءا من المنظومة التجارية الأوروبية، وبما يلحق هذا من تسهيلات جمركية وفوائد اقتصادية كبيرة، ناهيك عن الدعم العسكري المباشر عبر تزويد ترسانة السلاح الإسرائيلية بأنواع العتاد والخبرات التكنولوجية الأوروبية.

وأخيرا إلحاق دولة الكيان الصهيوني ضمن النسيج الاجتماعي والثقافي، وجوانب الحياة الأوروبية، وإعطاؤها حبل النجاة تعويضاً أو بديلاً عن نبذها من قبل الدول العربية المحيطة بفلسطين.

إذن، فمهمة الفلسطينيين في أوروبا هي محاولة "النحت في الصخر" كما يقال، والعمل في بيئة مجهزة ومهيأة لدعم عدوهم. وقد تمكنت الرواية الإسرائيلية من عقول الأوروبيين فترة من الزمن ليست بسيطة.

ولعلها مازالت بمقدار كبير عند نسبة ليست قليلة من الشعوب الأوروبية. فالمجهود المطلوب مضاعف عن باقي الساحات التي يعيش فيها الفلسطينيون حول العالم. وما زاد الأمر صعوبة هو أن الوجود الفلسطيني في أوروبا جاء متأخراً و بشكل واضح في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي.

وقد وعى الفلسطينيون في العالم حقيقة المشروع الصهيوني القائم على الاستيلاء على الأرض وطرد الشعب الفلسطيني وإبعاده عن وطنه. ومراهنة الصهاينة من جانب آخر على محو الذاكرة الجمعية وطمس الهوية الفلسطينية والعربية والإسلامية للأجيال اللاحقة. وأن رغد العيش لقطاعات من الفلسطينيين وخصوصا الذين يعيشون في أوروبا وحصولهم على حق المواطنة في الدول الغربية كفيل بتحقيق الإستراتيجية الإسرائيلية.

وهذا عبء آخر يضاف على كاهل الفلسطينيين في أوروبا، وعليهم مواجهته بإثبات أنهم جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني. وأنهم متمسكون بحقهم في العودة إلى أرضهم.

ويسجل للمجموعات الأولى التي وفدت إلى القارة من الفلسطينيين أنها استهلت العمل بنسج علاقات مع مجموعات عمل أوروبية -معظمها يسارية- في دول مختلفة.

"
المجموعات الأولى التي وفدت إلى القارة الأوروبية من الفلسطينيين استهلت العمل بنسج علاقات مع مجموعات عمل -معظمها يسارية- في دول مختلفة, وزاد من فعالية العمل في أوروبا الانفتاح الإعلامي العالمي مع بداية العقد الماضي
"
وكانت هذه بداية التحركات التي تراكمت معها الجهود، وبموازاة فعل انتفاضي مستمر في الداخل الفلسطيني ضد الممارسات الصهيونية الغاشمة, والتي أعطت مادة غنية للتحدث عن الاحتلال.

وزاد من فعالية العمل في أوروبا الانفتاح الإعلامي العالمي مع بداية العقد الماضي والتي صعبت من مهمة حجب الحقيقة عن الغربيين من قبل آلة الدعاية الصهيونية المزيفة.

ولا بد من تثبيت حقيقة أنه كان هناك دور حيوي لبعض مكاتب منظمة التحرير التي افتتحت في بعض عواصم أوروبا والتي أعطت دفعا وشكلت نوعا من المرجعية لمن أراد عنوانا لفلسطين.

وساهمت أيضا في بعض التنسيق بين مناحي العمل المختلفة مع تثبيت حقيقة أن حجم الجهد المبذول في هذا المجال أقل بكثير مما كان متوفرا لدى المنظمة من إمكانات مادية، أو ظروف سياسية مواتية. ولم ينح العمل نحو شكل مؤسسي وبناء وجود إستراتيجي راسخ يوازي عراقة الوجود اليهودي المتجذر.

وزاد العبء على فلسطينيي أوروبا بدخول "م.ت.ف" مرحلة التفاوض مع الإسرائيليين التي وصلت ذروتها بتوقيع اتفاق أسلو الذي قرأته غالبية ساحقة من الفلسطينيين على أنه تراجع كبير وخطير في طريق مطالبة الفلسطينيين بحقوقهم وعلى رأسها حق عودة اللاجئين إلى ديارهم التي هجروا منها عنوة عام 1948.

وقد شكل هذا الاتفاق إحباطا على كافة الصعد، سواء فلسطينيا أو عربيا أو إسلاميا، وحتى على الصعيد العالمي، خاصة فيما يتعلق بالمنظمات الداعمة للقضية.

وللأسف حاول أصحاب أوسلو ترويج بعض النظريات الخاطئة لكي يثبتوا مصداقية ما وقعوا عليه، وخصوصا رغبة الفلسطينيين في العودة إلى قراهم ومدنهم.

وهذا محور جديد يضاف إلى محاور العمل المختلفة في أوروبا، وهو إثبات زيف الادعاء بنسيان الفلسطينيين في المهجر ومنهم فلسطينيو أوروبا لفلسطين وأنهم غير معنيين بالعودة.

وهنا جاءت التحركات في عواصم أوروبية عدة، فبنت على ما هو موجود من عمل، لكي تغطي العمل مع الغربيين باستمرار التوعية بجرائم الصهيونية، والتعريف بالأبعاد الحقيقة للقضية, ومحاولة توحيد الصف الداخلي الفلسطيني وإظهار مدى تمسك الفلسطينيين في أوروبا بحق العودة. وأهمية هذه القضية، لما للحق من بعد شخصي يرفع صفة التمثيل والإنابة عن أي جهة أو مسؤول يحاول التنازل عن هذا الحق. وعلى جانب البعد القومي الجماعي في أن الحق جمعي لا يجوز التنازل عنه أو حتى الاستفتاء عليه.

ومرة أخرى ساهمت انتفاضة الشعب الفلسطيني في الداخل التي اندلعت دفاعا عن المسجد الأقصى في خريف 2000 في أن تعطي دفعا معنويا هائلا للفلسطينيين في العالم، والذين يعيشون في أوروبا ليسوا استثناء في هذا الجانب، في أن يتمسكوا بحقوقهم ويعملوا لصالح فلسطين.

وجاءت مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني، التي ربطت نفسها اسما وعملا بالعودة، لكي تشكل رادعا لكل من تسول له نفسه التفريط. وتظهر للعالم أجمع تمسكهم بالحقوق وعلى رأسها حق العودة. وكلما زادت التحركات المشبوهة من قبل بعض المحسوبين على الفلسطينيين التي توحي بالتنازل. جاء الرد العملي من الشعب بما يخالف هذا.

"
انتفاضة الشعب الفلسطيني في الداخل التي اندلعت دفاعا عن المسجد الأقصى في خريف 2000 ساهمت في أن تعطي دفعا معنويا هائلا للفلسطينيين في العالم في أن يتمسكوا بحقوقهم ويعملوا لصالح فلسطين
"
وهنا في أوروبا اجتمع أبناء الشعب الفلسطيني في مؤتمرات اتخذت لنفسها شعاراً بالتأكيد على عدم التنازل عن حق العودة وعدم تفويض أحد بالتنازل عنه، فيما يعد سابقة في تاريخ الوجود الفلسطيني في أوروبا من ناحية نوعية العمل والمشاركة وكثافة العدد، بل واستمراره وتحوله إلى مؤسسة.

فقد جاء المؤتمر الأول في لندن وشارك فيه فلسطينيون من خمس عشرة دولة أوروبية، والثاني في برلين وتوالت المؤتمرات في فيينا ومالمو، وبحضور شخصيات ذات وزن وفعل متميز في الداخل والخارج وبتوجهات سياسية متنوعة وأماكن متعددة.

وجاءت اللقاءات استشعارا للمسؤولية الملقاة على عاتق فلسطينيي أوروبا، وكانت ردا قويا على كل المبادرات والمؤتمرات التي مثلت خطرا على حق العودة.

وأوجدت المؤتمرات مساحة حوار جاد بين المؤسسات في أوروبا وساهمت في خلق أجواء عمل جديدة للأجيال القادمة. وشكلت حالة دعم لفلسطينيي الداخل في دفاعهم عن الأرض. وأوجدت محفزا تنافسيا شريفا للعمل الفلسطيني ولبقية ساحات العمل حتى أضحت نموذجا إلى جانب نماذج أخرى. وفجرت هذه المؤتمرات طاقات إبداع عند أعداد ليست قليلة من أبناء الشعب الفلسطيني في أوروبا.

وأضحت هذه المؤتمرات مادة دسمة وحديثا للشارع في أي بلد يستضيف المؤتمر عوضا عن وكالات الأنباء والتلفزة العربية والعالمية. كما حصل في المؤتمر الرابع في مالمو في مايو/أيار من العام الماضي.

فقد ساهم المؤتمر في كسر حلقة في سلسلة الحصار المضروب على الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة بعد انتخابه لحركة حماس. وكان أن دعا المنظمون الوزير عاطف عدوان المسؤول عن ملف اللاجئين. وكانت مشاركته حدثا عالميا بكل ما تعني الكلمة. وساهم المؤتمر منذ ذلك الحين في إرساء جسور علاقات طيبة مع مجموعات أوروبية في مجال الدفاع عن حق العودة.

وإذ نحن على أبواب المؤتمر الخامس الذي سيعقد في 5 مايو/أيار 2007 في مدينة روتردام بهولندا حيث الكثافة الأكبر للوجود الفلسطيني، وبتنظيم من الأمانة العامة للمؤتمر ومركز العودة والمنتدى الفلسطيني وبمشاركة الجالية الفلسطينية والتجمع وشبكة العودة، فقد تمت دعوة رئيس الوزراء الفلسطيني السيد إسماعيل هنية للمشاركة في المؤتمر، وذلك بتوجيه خطاب من قبل المنظمين لوزارة الخارجية الهولندية، ودعوة رئيس الوزراء الهولندي للمشاركة في فعاليات المؤتمر.

وكان أن أصدر المنظمون بيانا صحفيا باللغة الهولندية يتضمن هذه الدعوة، بعدها أصبح المؤتمر خبراً رئيسياً في الإعلام الهولندي وحديث الشارع بجدارة وتحققت إنجازات لم يكن منظمو المؤتمر يتوقعونها.

فقد أصبح المؤتمر خبر الساعة، وتناولته الصحف بإيجابية عالية. حيث يصادف تاريخ انعقاد المؤتمر ذكرى يوم تحرير هولندا من الاحتلال الألماني النازي.

وتم اختيار هذا اليوم بعناية من قبل المنظمين، للإشارة إلى أن الاحتلال الصهيوني لفلسطين زائل مهما طال الزمن، كما زال الاحتلال النازي لهولندا.

وهذا الحدث جعل الجالية اليهودية تعلن النفير العام هناك ومعها من يدعمها من أحزاب هولندية. وفي نفس الوقت أدى رد فعلهم غير المتوازن إلى التعاطف مع القضية الفلسطينية، بل جعل جهات هولندية تتصل بالمنظمين وتعلن دعمها للمؤتمر. وكان أن دعت بلدية روتردام مندوبين عن المؤتمر لكي يضعوا إكليلا على نصب ضحايا الحرب الهولنديين.

وبالرغم من صدور بيان من الخارجية الهولندية برفض طلب منح التأشيرة لرئيس الوزراء الفلسطيني الذي لم يقدم طلب التأشيرة أصلا. فإن الحراك السياسي في البلد جاء على خلاف ما تشتهي الحكومة.

فقد أصدر حزب العمل الشريك الرئيسي الثاني في الحكومة الحالية وصاحب ست حقائب وزارية وثلاثة وثلاثين نائبا في البرلمان، دعمه لزيارة هنية وأن تكون بشكل رسمي وكذلك فعل الحزب اليساري وحزب الخضر.

"
نشاط الفلسطينيين في أوروبا أضحى نافذا في السياسة، وله تأثير مهم على مجريات الأحداث, كما يساهم في إيجاد مساحات عمل جديدة غير متوقعة، ويسلط الضوء على أبعاد جديدة للعمل من أجل قضيتنا الفلسطينية العادلة
"
وعقدت جلسة خاصة لمدة 45 دقيقة في البرلمان لمناقشة الموضوع، صوت خلالها 45% من النواب بالموافقة على الزيارة. وأثنى وزير الخارجية الهولندي نفسه على المؤتمر وقال إنه ليست لديه مشكلة في انعقاده.

وكذلك ناقشت بلدية روتردام في ساعة كاملة المؤتمر وأيدت انعقاده بنسبة 75%، وعبثا حاول الحزب اليميني الهولندي التأثير بالضغط على الحكومة والمجلس البلدي لمحاولة إلغاء المؤتمر، إلا أن محاولاتهم باءت بالفشل.

وقد خصصت قنوات التلفزة ومحطات الإذاعة برامج عديدة لنقاش انعقاد المؤتمر ودعوة السيد إسماعيل هنية رئيس الوزراء الفلسطيني. وكان أن أجرت محطة الإذاعة الوطنية الهولندية استطلاعا مفتوحا لرأي للجمهور حول زيارة إسماعيل هنية لهولندا، فكان أن خرجت بنتيجة 52% مع الزيارة في أكبر مشاركة لاستطلاع رأي من نوعه حيث شارك فيه أكثر من 5000 شخص.

ومن ناحية أخرى حصل تطور مهم أيضا حيث بادر رئيس الوزراء الهولندي الأسبق "فان أخت" المنتمي للحزب المسيحي الديمقراطي الحاكم إلى الاتصال بالمنظمين وأعلمهم أنه سيحضر المؤتمر وطلب نصف ساعة تخصص له للتحدث، وأصر على أن ينشر اسمه في الإعلان الرسمي للمؤتمر. ويتوقع المنظمون للمؤتمر أن يشارك فيه ما يزيد على خمسة آلاف فلسطيني سيفدون على روتردام من كافة الأقطار الأوروبية.

وهكذا أضحى نشاط الفلسطينيين في أوروبا فعلا نافذا في السياسة، وله تأثير مهم على مجريات الأحداث, كما يساهم في إيجاد مساحات عمل جديدة غير متوقعة، ويسلط الضوء على أبعاد جديدة للعمل من أجل قضيتنا الفلسطينية العادلة.

فها نحن نرى مثل هذه التحركات الإيجابية في بلد كهولندا، التي يعتبرها السياسيون أميركا القارة الأوروبية، لما لها من علاقات قوية ومتينة مع الكيان الصهيوني ومع أميركا، وللوجود القوي والنافذ للجالية اليهودية هناك.

المصدر : الجزيرة

التعليقات