سليم بن حميدان

- ولادة الانقسام
- منشقون أم عقلاء؟
- عندما تصبح الضحية جلادا

انقسام جوهري يخترق أوساط المعارضة الإسلامية التونسية منذ سنوات عديدة، عنوانه الكبير هو الموقف من النظام الحاكم والأسلوب الأفضل للتعامل معه حاضرا ومستقبلا.

فبعد الإجماع السياسي شبه الكامل الذي انعقد حول فكر حركة النهضة (حركة الاتجاه الإسلامي سابقا) وإستراتيجية المواجهة الشاملة ضد الدولة وسياساتها العلمانية طيلة عقد كامل (الثمانينيات)، تتجه الأمور تدريجيا نحو تشتت الحالة الإسلامية وانشطارها الفكري والسياسي، فيما يشبه الاستنساخ الكامل لأوضاع الإسلام السياسي في أغلب الأقطار العربية.

ولادة الانقسام
المتأمل في مسيرة الحركة الإسلامية التونسية يلاحظ بلا شك تميزها الفكري عن سائر التنظيمات الإسلامية الفاعلة في الساحة العربية، فهي رغم حداثة النشأة (أواخر السبعينيات) وشبابية النخبة (قيادة وقاعدة)، قد تمكنت من إحداث رجات فكرية وفقهية يمكن وصفها -دون مبالغة- بأنها قطيعة إبستمولوجية في مستوى العقل السياسي الإسلامي.

"
بذور الانشقاق والتصدع الداخلي بدأت تظهر للعلن مع بدايات المواجهة الأخيرة بين الحركة ونظام الرئيس الحالي زين العابدين بن علي، بعدما أصبح الشعار الرئيسي لحقبة حكمه هو تجفيف الينابيع واستئصال الإسلام السياسي
"
وقد كان لزعيمها المخضرم الشيخ راشد الغنوشي دور محوري في عملية التجديد الفقهي والسياسي التي طالت مساحات كانت -وربما لا تزال- تعتبر لدى مثيلاتها من الثوابت والقطعيات الدينية التي لا يجوز تغييرها أو الاجتهاد فيها استنادا إلى القاعدة الفقهية "لا اجتهاد في مورد النص".

ورغم التكوين الحداثي للغنوشي كخريج لقسم الفلسفة ونصير للحركة القومية الناصرية في ربيع العمر، فإنه فرض نفسه كمجدد إسلامي تناول بجرأة قضايا المرأة وحقوقها الكاملة في المشاركة السياسية ترشحا وانتخابا، ومسألة التعددية السياسية غير المشروطة بوحدة المرجعية الإسلامية.

وتزخر تصريحات الرجل وأدبيات الحركة منذ إعلان التأسيس يوم 6 يونيو/ حزيران 1981 بمصطلحات الاعتراف بالآخر مهما كانت مرجعيته الأيدولوجية إلى حد القبول بحكم الأحزاب الشيوعية "الملحدة" إذا كانت مستندة إلى إرادة المواطنين الحرة والنزيهة.

كما دعا الغنوشي إلى مراجعة حكم الردة السائد في الفقه الإسلامي -كحد شرعي لا شفاعة فيه- على ضوء مبدأ الحرية الدينية الكاملة التي تؤسسها الآية الكريمة "لا إكراه في الدين"، مؤصلا اجتهاداته في تواضع علمي شعاره "رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه".

شكلت الدولة البورقيبية موضوعيا حاضن الحركة الإسلامية التونسية، رغم امتدادات هذه الأخيرة في العمق المشرقي لحركة الإخوان المسلمين الضارب بدوره في بواكير الإصلاح الإسلامي، من جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمان الكواكبي وخير الدين التونسي وعبد العزيز الثعالبي، وغيرهم من مفكري ما اصطلح على تسميته بعصر النهضة العربية.

كانت الحركة التونسية إذن مخضرمة كزعيمها بين نزعة إسلامية أصيلة وبرغماتية ليبرالية عقلانية وجريئة هي عنوان الدولة الحديثة طيلة الحقبة البورقيبية، على ما صاحبها من فساد واستبداد.

وهذا الأمر هو الذي يفسر تمحور خطاب الحركة الإسلامية التونسية حول موضوع حقوق الإنسان والحريات العامة والفردية وابتعاده عن الإشكاليات التقليدية المرتبطة بالفقه وعلم الكلام الإسلاميين.

حاضن النشأة -أي دولة الاستقلال والتحديث- كانت هي ذاتها دولة الاستبداد والتغريب، ما خلق وعيا ثوريا تقاسمته كل النخب الصاعدة والمتلهفة إلى دخول عالم الحداثة بجميع أبعاده الحضارية، تجديدا وإبداعا وأمنا ورفاها.

كان حظ الحركة الإسلامية في ذلك شبيها بنظيراتها القومية واليسارية التي تداولت على سيادة الحقل السياسي الرافض لتغول الدولة واحتكارها للفضاء العام، فاتجهت تدريجيا نحو المطلبية المتشنجة والمنافسة الشرسة للنظام الحاكم طعنا في شرعيته السياسية (التبعية) ومرجعيته الأيدولوجية (العلمانية).

أحدثت هذه الإستراتيجية اختلالا في أداء الحركة الإسلامية بين خطاب نظري معتدل وحالم بالحريات والديمقراطية والسلم الأهلي من ناحية، ومنهج راديكالي صارم فرضته سياسة العمى والصمم والأبواب الموصدة إلا على مراكز التحقيق والمعتقلات، من ناحية أخرى.

فكان طبيعيا أن يفضي التلاعن والصراع إلى المواجهة الشاملة بين الطرفين، حيث استنفرت الحركة الإسلامية المجتمع في حربها ضد دولة غريبة، لأنها متغربة وخائنة لدينه وهويته، كما استنفرته الدولة ضد ما تعتبره حركة أصولية وإرهابية لأنها تريد -حسب زعمها- نسف مكاسب الحداثة والعودة إلى شريعة القصاص والحدود وتعدد الزوجات والعبيد.

ظلت الجبهة الداخلية للحركة الإسلامية متماسكة وموحدة في رؤيتها وتصوراتها من ناحية العلاقة مع السلطة، ليبقى الخلاف الوحيد الذي اخترقها خلافا فكريا حول إشكالية العقل والنقل.

وقد حسم هذا الخلاف مبكرا بخروج ما يسمى بمجموعة الإسلاميين التقدميين بقيادة الدكتور حميدة النيفر وتبني وثيقة "الرؤية الفكرية والمنهج الأصولي" المضمنة في كتاب بعنوان "خلافة الإنسان بين الوحي والعقل" للقيادي في الحركة والكاتب الإسلامي الدكتور عبد المجيد النجار.

غير أن بذور الانشقاق والتصدع الداخلي بدأت تظهر للعلن مع بدايات المواجهة الأخيرة بين الحركة ونظام الرئيس الحالي زين العابدين بن علي بعدما أصبح الشعار الرئيسي لحقبة حكمه هو تجفيف الينابيع واستئصال الإسلام السياسي.

"
الحركة الإسلامية التونسية لم تفرخ على يسارها تنظيمات جهادية عنيفة على غرار ما حدث للحركات الإخوانية في مصر وسوريا ودول إسلامية أخرى، بل أفرزت نخبة إسلامية من طينة جديدة ما فتئت تثير حولها الظنون والتساؤلات
"
منشقون أم عقلاء؟
مثل ربيع عام 1991 خريفا عابسا ومنعرجا حاسما في مسيرة الحركة الإسلامية التونسية، إذ أعلن فيه ثلاثة قياديين من الصف الأول تجميد عضويتهم في الحركة متهمين إياها بالانحراف عن خطها السلمي وانجرارها إلى مستنقع العنف -عبر خطة "فرض الحريات"- بغض النظر عن مشروعيته السياسية كعنف مضاد، ومبرراته الأخلاقية كآلية للدفاع عن النفس.

ورغم شراسة النظام في قمع الحركة وملاحقة قياداتها وأنصارها داخل البلاد وخارجها، فإنها تمكنت من الصمود والبقاء بل وحتى الإشعاع -خارجيا على الأقل- بفضل الشعبية العربية والإسلامية التي يتمتع بها رئيسها الذي أصبح رمزا عالميا من رموز الإسلام السياسي، وأحد أكبر قيادات العمل الإسلامي في أوروبا.

غير أن قسوة الضربة وانتقال ثقل الحركة إلى أوروبا وعجز النظام التونسي -رغم المحاولات والمؤامرات- عن خلع صفة الاعتدال وإثبات تهم الإرهاب والعنف في حقها ابتغاء التضييق عليها.. كل ذلك وفر لجيل الهجرة ممن أصبحوا لاجئين سياسيين مساحات واسعة للالتقاء والحوار والنقد، أفضت إلى تبني تقييمات متناقضة ووجهات نظر متضاربة تردد صداها في كثير من المنابر والفضائيات الإعلامية.

لم يمنع انعقاد مؤتمر عام للحركة عام 1995 وصدور نقد ذاتي لتجربة المواجهة وبرنامج عمل مستقبلي قائم على الدعوة للمصالحة ومد اليد للنظام الحاكم من أجل طي صفحة الماضي على أساس العفو التشريعي العام.. لم يمنع من تناسل الانشقاقات وتصاعد لهجة الانتقاد ضد قيادة الحركة خطابا وأداء.

المنشقون الجدد -إذا جاز التعبير- يتموقعون سياسيا على يمين الحركة بما يحمله مصطلح اليمين في القاموس السياسي من معاني المحافظة والحذر.

واللافت للنظر أن الحركة الإسلامية التونسية لم تفرخ على يسارها تنظيمات جهادية عنيفة على غرار ما حدث للحركات الإخوانية في مصر وسوريا ودول إسلامية أخرى، بل إنها أفرزت نخبة إسلامية من طينة جديدة ما فتئت تثير حولها الظنون والتساؤلات.

هذه النخبة تتبنى وجهة نظر قائمة على تحميل المسؤولية كاملة للحركة الإسلامية عن الكارثة التي ألحقتها بأبنائها وبالبلاد، وتعتبر السلوك السلطوي للنظام مبرَّرا وطبيعيا في مواجهة خطاب الاستعداء والاستفزاز الذي انتهجته قيادتها.

كما أنها تبرئ النظام الحاكم -في عهده الجديد- من تهم العدوانية ضد هوية البلاد العربية والإسلامية، وتحمل مسؤولية انتهاك المقدسات والحرمات إلى فئات أو شخصيات علمانية متطرفة تمكنت من اختراق أجهزة الدولة بفضل سذاجة الحاكمين وحماقة الإسلاميين، وتدعو هؤلاء إلى التطبيع الكامل مع أولياء الأمر ووجوب طاعتهم ونصرتهم والاهتداء بهديهم.

لا أحد ينظر إلى هذه النخبة الجديدة على أنها من العقلاء، بل إنها تتعرض يوميا إلى نيران الإخوة من الإسلاميين ونبال الأعداء من العلمانيين.

فالإسلاميون ينظرون إليهم على أنهم ثلة من الآبقين وأنهم بيادق تحركهم أياد خفية للعبث بما تبقى من جذوة نضال وصمود في وجه سلطة غاشمة. والاستئصاليون المتترسون بجهاز الدولة يرون فيهم خطرا ماحقا يهدد وجودهم إذا ما استهوى خطابهم يوما فؤاد صاحب القصر.

"
الناقمون على الحركة الإسلامية التونسية لا يغوصون في الأسباب العميقة الكامنة وراء فشل الحل الأمني في التعاطي مع الظاهرة الإسلامية، بل يصرون على تحميل الحركة مسؤولية الإخفاقات والشرور، متجاهلين أن مكافحة الإرهاب إستراتيجية أميركية وصهيونية تجترها أنظمة حكم مأزومة ومهزومة في كل شيء عدا تدمير أوطانها وتعذيب مواطنيها
"
عندما تصبح الضحية جلادا
أحداث المواجهات المسلحة التي هزت تونس أواخر السنة الماضية ومستهل السنة الجارية، أعادت السجال حول الأسلوب الأمثل للتعاطي مع ظاهرة الإسلام السياسي إلى واجهة الساحة السياسية والإعلامية.

ولعل تجدد الاشتباك الإسلامي بين القيادة التقليدية للحركة الإسلامية والمنشقين عنها يمثل المظهر الأبرز لبقاء الإشكال عالقا دون حل.

فالحركة الإسلامية ترى في اندلاع أعمال العنف دليلا على براءتها وسلامة نهجها، إذ وقعت الواقعة في غيبة منها، بل إنها تعتبر ذلك نتيجة منطقية لإخفاق السياسات التنموية في بعديها الاقتصادي بسبب استشراء الفساد، والسياسي بسبب التهميش والإقصاء وانسداد النظام أمام مطالب الهوية والحرية، لتشرع أبواب الجحيم على مصراعيها أمام عنقاء الإرهاب التي لا دين لها ولا وطن.

أما دعاة المصالحة من المنشقين فيرفضون هذا التفسير ويتجنبون تحميل السلطة أي مسؤولية، لأن ذلك يناقض ادعاءاتهم المتكررة حول سلامة نهج السلطة ونجاح خياراتها التنموية.

يعتبرون الأمر مجرد كارثة "طبيعية" أصابت أكثر عواصم العالم أمنا ورخاء، ويرون في المصالحة الشاملة وخفض الجناح للسلطة ومحاولة الإصلاح التدريجي الهادئ -ولو عبر الانخراط في الحزب الحاكم- الطريق الأسلم للخلاص الوطني، وأن خط المبدئية والإدانة لتجاوزات النظام والذي تنتهجه قيادة الحركة الإسلامية، لن يزيد هذا الأخير إلا شراسة وتعنتا لتُصَوَّرَ الضحية -بمفهوم المخالفة- جلادا أو ساذجا جنى على نفسه كما جنت براقش.

وعلى الجبهة الأخرى من الخارطة السياسية التونسية تنشط حركة حوار وطني تحت مسمى "هيئة 18 أكتوبر/ تشرين الأول للحقوق والحريات"، المنبثقة عن إضراب جوع شنته مجموعة من الشخصيات الوطنية المعارضة قبيل وأثناء قمة مجتمع المعلومات في نوفمبر/ تشرين الثاني 2005، لتصدر بعد عام من المخاض والحوار نصاًّ حول المساواة بين الجنسين يجعل من مجلة الأحوال الشخصية مكسبا "مقدسا"، أي قابلا للمراكمة دون المراجعة.

زاد ذلك من تعقيد الأوضاع الداخلية للحركة الإسلامية التي وجدت نفسها أمام ابتلاء جديد يهدد هذه المرة نقاءها الفكري والعقدي وربما يمهد لتفريخ جماعات متشددة أو انتهازية لا تتنافس في خدمة الدين والوطن بل في تخريبهما ميوعة أو تطرفا.

لا يغوص الناقمون على الحركة الإسلامية التونسية إذن في الأسباب العميقة الكامنة وراء فشل الحل الأمني في التعاطي مع الظاهرة الإسلامية، بل يصرون على تحميلها مسؤولية الإخفاقات والشرور، جاهلين أو متجاهلين أن مكافحة الإرهاب إستراتيجية أميركية وصهيونية تجترها أنظمة حكم مأزومة ومهزومة في كل شيء عدا تدمير أوطانها وتعذيب مواطنيها.
___________
كاتب تونسي

المصدر : الجزيرة