إبراهيم غرايبة

ولفويتز منظر العنف والتطرف
هل هي قصة فساد؟

ربما لا يكون مناسبا أن تشغلنا نحن الكتاب العرب قصة فساد ولفويتز، فمحاباة مسؤول لصديقته تكاد تكون حالة عادية شائعة في وطننا العربي وعلى جميع المستويات حتى في المؤسسات والأعمال والأقسام الصغيرة في القطاعات العامة والخاصة والمجتمعية.

ولكن استقالته من رئاسة البنك الدولي استقالة مدوية تدفع للكتابة عن سيرة هذا الشخص الملفتة، وتدفع أيضا لاستنتاجات حول المتاعب والتحديات التي يواجهها المحافظون الجدد، والتي أطاحت بهم واحدا تلو الآخر، رمسفيلد، بولتون، ولفويتز، دوغلاس فيث وكيل وزارة الدفاع الأميركية السابق، وجورج تينيت المدير السابق لوكالة الاستخبارات الأميركية، وتوني بلير رئيس وزراء بريطانيا، وسكوت ليبي مستشار ديك تشيني.

وربما تسجل الانتخابات الأميركية في العام 2008 نهايتهم السياسية، وهو أمر يجب أن يدفعنا إلى تقدير ديناميكيات المراجعة والنقد أكثر من الحديث عن الهزائم والانتصارات.

ولفويتز منظر العنف والتطرف
كتب بول لابريك (Paul Labarique) في موقع فولتير (شبكة الصحافة غير المنحازة) مقالا مطولا عن سيرة ولفويتز واصفا إياه بأنه "روح البنتاغون"، ووصفه بأنه مفكر لامع استطاع أن يصنع من امتداد الحرب تبريرا لديمقراطية السوق، وأخذ لنفسه تخصصا مفاده اختراع التهديدات الوهمية لتبرير مغامرات جديدة، وابتكر نظرية التدخلات الوقائية والترهيبية ضد "المنافسين البارزين".

بول ولفويتز خليفة كيسنجر في قيادة وتصميم السياسة الخارجية للولايات المتحدة ربما يكون بأهمية هنري كيسنجر وإن كان أقل شهرة منه، فقد كان أحد الذين ساهموا في صياغة هذه الإستراتيجيات في مرحلة ما بعد كيسنجر، وربما كان المنظر الإستراتيجي الأول للمحافظين منذ منتصف السبعينيات.

"
ولفويتز خليفة كيسنجر في قيادة وتصميم السياسة الخارجية للولايات المتحدة, كان أحد الذين ساهموا في صياغة إستراتيجية "التدخلات الوقائية والترهيبية" في مرحلة ما بعد كيسنجر، وربما كان المنظر الإستراتيجي الأول للمحافظين منذ منتصف السبعينيات

"
وهو يهودي من أصل بولوني ولد عام 1943، وقد هاجر والده جاكوب ولفويتز مع عائلته إلى نيويورك عندما كان عمره عشر سنوات، ثم نال الدكتوراه في الرياضيات من جامعة نيويورك، وصار واحدا من الخبراء الأميركيين في النظرية الإحصائية. وفي أثناء الحرب العالمية الثانية، قام جاكوب ولفويتز بدراسات لصالح الجيش الأميركي، وفي عام 1957 انتقلت العائلة إلى إسرائيل، بعد أن قبل جاكوب ولفويتز منصبا في جامعة "تقنيون" الإسرائيلية.

وأتم بول ولفويتز دراسته العليا بجامعة شيكاغو، وتأثر كثيرا بـ"ليو ستروس" الأستاذ بجامعة شيكاغو وأحد اليهود الناجين من المحرقة النازية وهو المنظر الأساسي لتيار المحافظين الجدد، وكان ولفويتز رفيقا لجابوتنسكي الذي يعتبر المؤسس الفكري والأب الروحي لحزب الليكود.

شارك بول ولفويتز في العام 1969 مع مجلس السياسات الدفاعية في واشنطن لدعم وجهة نظر مشروع الدرع الصاروخي في الكونغرس الأميركي، وفي العام 1973 عمل في وكالة مراقبة الأسلحة ونزع السلاح، وعمل مديرا لمحادثات الحد من الأسلحة الإستراتيجية، وشارك في حملة الضغوط على كوريا الجنوبية من أجل التخلي عن برنامج تطوير البلوتونيوم.

وكان من المؤيدين لنزع السلاح النووي في الشرق الأوسط بما في ذلك إسرائيل، وفي العام 1976 عمل في مكتب الاستعلامات المركزية لأجل تقدير التهديدات السوفياتية، وكانت المهمة الحقيقية هي إحداث حالة من الشعور بالتهديد والخطورة للحشد السياسي والإعلامي في مواجهة الاتحاد السوفياتي.

وشغل ولفويتز لفترات طويلة منصب عميد كلية العلاقات الدولية في معهد جون هوبكينز للدراسات الدولية المتقدمة في واشنطن، وشغل أيضا في الحكم الديمقراطي مناصب مهمة، فقد كان بين عامي 1977-1980 مديرا للتخطيط السياسي في وزارة الدفاع، وواصل مشاركته في الإدارة الجمهورية مساعدا لوزير الخارجية لشؤون شرق آسيا والمحيط الهادئ بين عامي 1982-1986، وعمل بين عامي 1986-1989 سفيرا للولايات المتحدة الأميركية في إندونيسيا، وفي عهد جورج بوش الأب شغل منصب مساعد وزير الدفاع ديك تشيني للشؤون السياسية.

وفي عمله خبيرا في وزارة الدفاع كان يركز على احتمال تهديد حقول النفط في الخليج من قبل دولة إقليمية في المنطقة مثل العراق، وليس من قبل الاتحاد السوفياتي، واقترح في العام 1976 إقامة قواعد عسكرية جديدة في منطقة الخليج العربي، وحذر من تنامي إيران والعراق كقوتين إقليميتين.

وكانت الثورة الإيرانية عام 1979 فرصة استغلت لبناء قواعد عسكرية في عمان وكينيا والصومال، وشجعت الدول الصديقة للولايات المتحدة الأميركية على بناء مطارات أكبر، وأجريت مناورات عسكرية مشتركة مع مصر "النجم الساطع"، وشكلت في عهد ريغان عام 1981 إدارة للعمليات العسكرية في الشرق الأوسط.

وبسبب قربه من الديمقراطيين في عهد كارتر فقد واجه معارضة لترشيحه للعمل في فريق البيت الأبيض بعد نجاح ريغان، لأنه كان يعتبر ليبراليا متطرفا، ولكنه انضم فيما بعد وصديقه فرنسيس فوكوياما إلى المحافظين، وبدأ يلعب دورا مهما في صياغة السياسة الخارجية الأميركية وفق رؤى جديدة مختلفة عن رؤية كيسنجر التي التزمها المحافظون في عهد نيكسون وفورد.

"
ولفويتز طرح في العام 1992 نظاما إستراتيجيا بالمشاركة مع آخرين يقوم على ضرورة قيادة أميركية أحادية للعالم ومنع ظهور أي قوة سياسية أو عسكرية منافسة للولايات المتحدة، وأن يكون حلفاء الولايات المتحدة حلفاء ظرفيين

"
وعمل أيضا مع ريتشارد أرميتاج وغاستون سيغر في مجلس الأمن القومي من أجل تنسيق السياسة الخارجية لواشنطن في المنطقة الآسيوية، وقد أشرف هذا الفريق عام 1986 على انسحاب الرئيس الفلبيني فيرناندو ماركوس من الحكم.

وكان يقود سياسة إضعاف العراق بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، ويقول دنيس روس إنه فوجئ بملفات عرضت عليه عن احتمال مهاجمة العراق للمملكة العربية السعودية، وهي افتراضات سبق أن طرحت أيضا في السبعينيات.

وعندما احتل العراق الكويت كانت رؤية ولفويتز واضحة في أنه يجب استغلال هذه الفرصة لاكتساح العراق، ولكن خطته رفضت، واعتمدت بدلا منها خطة كولن باول رئيس الأركان والجنرال شوارسكوف، والقائمة على إجبار النظام العراقي على الانسحاب من الكويت، وشعر ولفويتز بخيبة أمل -كما يقول شوارسكوف في مذكراته- بسبب عدم اجتياح الجيش الأميركي العراق.

وطرح ولفويتز في العام 1992 نظاما إستراتيجيا أقر بالمشاركة مع ديك تشيني، وخبراء ومسؤولين مثل زلماي خليل زاد، وريتشارد بيرل، وأندرو مارشال، يقوم على ضرورة قيادة أميركية أحادية للعالم، ومنع ظهور أي قوة سياسية أو عسكرية منافسة للولايات المتحدة، وأن يكون حلفاؤها حلفاء ظرفيين وفقا للصراعات بما في ذلك الأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسي.

واختصت اليابان وألمانيا بسياسات وأفكار لمنع صعودهما السياسي والإستراتيجي، واستهدف أيضا الاتحاد الأوروبي، ومنع إنشاء قوة عسكرية أوروبية مستقلة عن الولايات المتحدة الأميركية، وتشجيع اندماج دول أوروبا الوسطى والشرقية في الاتحاد الأوروبي، وفي الوقت نفسه عقدت معاهدات وتحالفات عسكرية مستقلة مع هذه الدول تحت شعار حمايتها من هجوم روسي محتمل.

وعندما نجح كلينتون في انتخابات الرئاسة عام 1992 عاد ولفويتز للتدريس في كلية جون هوبكنز، وواصل بناء نظرياته حول بقاء قوة عالمية مطلقة، وفي العام 1996 اختاره دونالد رمسفيلد ليقود الحملة الانتخابية للمرشح الجمهوري بوب دول، باعتباره متحمسا لأفكاره في مجال السياسة الخارجية.

وفي العام 1997 نشر مقالا بعنوان "الولايات المتحدة والعراق" يدعو فيه إلى الإطاحة بالنظام السياسي في العراق، وفي العام 1998 نشر مقالا بالمشاركة مع زلماي خليل زاد بعنوان "أطيحوا به" ويقصد نظام صدام حسين، وقدم رؤية لمواجهة عسكرية بالتنسيق مع الشيعة والكرد في العراق، ويمكن برأيه لرائحة البترول أن تجذب الفرنسيين والروس لتأييد الخطة.

وعندما وصل حزب المحافظين إلى الحكم شرع فورا في تطبيق خطة ولفويتز، وكانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 فرصة مناسبة لتطبيقها وبدعم مالي وسياسي وشعبي أسطوري، ونجح ولفويتز في دفع الولايات المتحدة إلى احتلال العراق وتدميره كما كان يحلم منذ السبعينيات، ولكنه نجاح كان يحمل نهايته.

هل هي قصة فساد؟

"
ولفويتز لم يدفع ثمن علاقته بشاها علي رضا حتى وإن كانت سيدة جميلة وذكية ومثقفة تستحق المغامرة والتضحية، ولكن ولفويتز كان سيقال من رئاسة البنك الدولي, فقد انتهى مهندس الحرب على العراق ولم يعد ممكنا احتمال بقائه

"
كيف نجح ولفويتز في أن يقود الولايات المتحدة إلى مغامرة هائلة، ثم فشل في تفادي أزمة بسيطة في البنك الدولي؟ فهل كانت نهايته لمجرد محاباة صديقته في البنك الدولي أم أنه يدفع مثل بلير ورمسفيلد وغيرهما ثمن نهاية المغامرة؟ هل أخطأ ولفويتز التقدير وهو أذكى المحافظين الجدد كما كان يوصف دائما؟

الواقع أن ولفويتز لم يدفع ثمن علاقته بشاها علي رضا حتى وإن كانت سيدة جميلة وذكية ومثقفة تستحق المغامرة والتضحية، وكان يمكن لأي مدير آخر للبنك الدولي أو لأي بنك آخر أو فرع من فروع البنوك الصغيرة والكبيرة أن يفعل مثل ذلك وتمر القصة مثل ملايين حالات الفساد والتجاوز التي تحدث كل يوم في العالم المتقدم والمتخلف، الديمقراطي والدكتاتوري على السواء.

ولكن ولفويتز كان سيقال من رئاسة البنك الدولي لو أنه تجاوز السرعة القانونية في أثناء قيادته لسيارته، فقد انتهى مهندس الحرب على العراق ولم يعد ممكنا احتمال بقائه، ولم يعد له مكان سوى قضاء بقية حياته متقاعدا ومستمتعا بالحياة أو مكبا على كتابة مذكراته، وسوف تساعده شاها المتمكنة من خمس لغات في التأليف والترجمة والنشر والتسويق.

ربما كانت الحرب على العراق، كما يقول الجنرال وليام أدوم، أعظم خطأ إستراتيجي في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية، وكلما قتل أميركي في العراق ازدادت حاجة ولفويتز إلى مكان يختبئ فيه، ولم يكن معقولا أن يكون هذا المخبأ هو البنك الدولي.

وربما كان ولفويتز يأمل بتحسين صورته وهو يساهم في مكافحة الفساد العالمي ويشارك في تنمية ومساعدة الدول الفقيرة (هل كان البنك الدولي يقوم بمثل ذلك بالفعل؟) ولكنه فقد حذره، ونسي أنه

"طريد جنايات تياسرن لحمه
                         عقيرته لأيها حم أول

تبيت إذا ما نام يقظى
                  عيونها إلى مكروهه تتغلغل"

فانتدب صديقته إلى وزارة الخارجية براتب كبير يفوق مرتب كوندوليزا رايس، وعين اثنين من مساعدي بوش في البيت الأبيص في مناصب رفيعة وبمكافأة مقدارها ربع مليون دولار معفاة من الضرائب لكل واحد منهما رغم أنهما يفتقران للخبرة اللازمة لتولي مناصبهما.

ولكن السؤال الأكثر فزعا هو لماذا تسيطر الولايات المتحدة على البنك الدولي وهي شبه مفلسة في الوقت الذي تصل احتياطيات الصين إلى 1200 مليار دولار، وتقترب احتياطيات اليابان من الألف مليار؟ ولماذا لا يغلق البنك الدولي برمته وتوكل إدارة الاقتصاد العالمي إلى الصين واليابان طالما أنهما نجحتا وفشل البنك؟

الواقع أن البنك الدولي يدافع عن نفسه في مواجهة الرحيل مثله مثل ولفويتز، فالقصة أكبر بكثير من صداقات المدير، فهما (البنك والمدير) غريقان يحاول كل منهما افتداء نفسه بالآخر.

"
مأزق البنك الدولي أكبر بكثير من مأزق ولفويتز، وقد يدافع البنك عن نفسه وعن مصداقيته بإقالة مديره، ولكن ذلك لن يفيده على الأغلب لأننا لسنا في العام 1945 عندما أنشأت الولايات المتحدة البنك الدولي وكانت الدولة الأغنى والدائن الأكبر في العالم
"
والواقع أن مأزق البنك الدولي أكبر بكثير من مأزق ولفويتز، وقد يدافع البنك عن نفسه وعن مصداقيته بإقالة مديره، ولكن ذلك لن يفيده على الأغلب لأننا لسنا في العام 1945 عندما أنشأت الولايات المتحدة البنك الدولي وكانت الدولة الأغنى والدائن الأكبر في العالم.

يقول كينيث روغوف، أستاذ علوم الاقتصاد والسياسات العامة بجامعة هارفارد وكبير خبراء الاقتصاد لدى صندوق النقد الدولي: لن يتغير شيء إذا ما سُمح لرئيس الولايات المتحدة جورج دبليو بوش باختيار بديل لولفويتز جريا على العادة التي اتبعها رؤساء الولايات المتحدة منذ تأسيس البنك الدولي في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

فاختيار رئيس البنك الدولي لا بد وأن يتم في إطار عملية علنية وشفافة تهدف إلى انتقاء المرشح الأفضل تأهيلا، سواء كان من الولايات المتحدة أو أوروبا أو العالم النامي.

فالجزء الأعظم من أسباب ضعف ولفويتز يعود إلى الطريقة التي تولى بها منصبه، فقد عين رغم أنف الجميع، وكان المؤهل الوحيد لولفويتز لإدارة مؤسسة تنمية مالية هو الدور الذي لعبه في التخطيط للحرب الأميركية في العراق.

ولكن ما الذي يجعل العالم يرضى بالوضع الراهن ويسمح للولايات المتحدة بفرض صاحب أعلى منصب في البنك الدولي؟ إنها في الحقيقة قصة مؤسفة تدور حول فقر ورداءة الإدارة العالمية.

فأوروبا تحرص على عدم اعتراض طريق أميركا بسبب رغبتها في صيانة تميزها باختيار رئيس صندوق النقد الدولي، المؤسسة التوأم للبنك الدولي.

أما آسيا فليس لها سوى دور ضئيل في المؤسستين، وأما بالنسبة لأفريقيا فإن زعماءها ليسوا على استعداد لإبداء أي اعتراض بالقول أو الفعل خشية انقطاع الهبات السخية التي تتدفق عليهم من البنك الدولي.
ــــــــــــــ
كاتب أردني

المصدر : الجزيرة