منير شفيق

حيث ظن مع اتفاق أوسلو أن تسوية القضية الفلسطينية اقتربت، كانت قد ابتعدت، إن لم تكن دخلت طريقها المسدود، وذلك لسبب بسيط وهو وصولها إلى نقطة: إما الحل الإسرائيلي بالتمام والكمال وإلا لا تسوية ولا حل.

ومن ثم لابد من إرسال الاتفاق إلى حبل المشنقة وذلكم ليس على يد معارضي التسوية ومقاوميها، ولكن على يد الدولة العبرية وراعيها الأميركي والقابلين من الفلسطينيين والعرب بلعبتها.

"
من الضروري التحرر من وهم التسوية أو من وهم المحافظة على السلطة سواء كانت سلطة اتفاق أوسلو أو سلطة حماس أو سلطة الوحدة الوطنية الفلسطينية، لأن تلك السلطة وباعتراف كل من يمتطيها هي وسيلة وليست هدفا
"
كان الموقف الإسرائيلي دائماً ومنذ أولى خطواته على أرض فلسطين يتمثل عملياً بمبدأ: إما الحل الإسرائيلي كاملاً وإما لا تسوية ولا حل.

ومن ثم دعك من كل ما نشرته القيادات الصهيونية من شعارات السلام والمفاوضات والتسوية، فقد كان ذلك كله كما أثبتت التجربة -بل التجارب- بلا استثناء مجرد أغطية لذاك الموقف الإسرائيلي المبدئي.

لم يكن هذا الموقف نتيجة عناد طفولي وإنما استند إلى دعم دولي بمضمون ابتدأ بدعم بريطاني أوروبي عزز بانقلاب الموقف السوفياتي حين وافق على قرار التقسيم رقم 181 لعام 1947، واعترف بالدولة العبرية وتعهد بحماية أمنها ووجودها ثم بدعم أميركي وأوروبي وصل في عهدي الرئيس الأميركي بيل كلينتون بعد انتهاء الحرب الباردة إلى التخلي عن الهوامش التي فرقت بين الدبلوماسية الأميركية المعلنة والموقف الإسرائيلي الرافض لكل القرارات الدولية، ففي عهدي بيل كلينتون ترك كل شيء للتفاوض، لكن مع رعاية أميركية.

أما في عهد جورج دبليو بوش فقد انتقلت قيادة المشروع الإسرائيلي إلى المحافظين الجدد أي إلى إسرائيليي أميركا الذين راحوا يصوغون الإستراتيجية الأميركية ويسخرونها لخدمة المشروع الإسرائيلي تحت مظلة بوش ونائبه ديك تشيني ورمسفيلد.

في عهدي بيل كلينتون لم تعد ثمة سياسة أميركية في الموضوع الفلسطيني أو في التسوية وإنما سياسة إسرائيلية تدعمها أميركا، وذلك خلافا لما كان عليه الحال مع الإدارات الأميركية السابقة لإدارة كلينتون حين كانت هنالك سياسة أميركية وسياسة إسرائيلية تقوم على إخضاع السياسات الإسرائيلية للسياسة الأميركية كلما اقتضى الأمر ذلك وهذا ما حدث مثلا في عهد أيزنهاور وحتى في عهد بوش الأب حين فرض على شامير المشاركة في مؤتمر مدريد. طبعاً مع استمرار الدعم العسكري والمالي والسياسي والمعنوي والأمني وعدم فرض تسوية لا تريدها الدولة العبرية ثم عدم السماح بالإخلال بالتفوق العسكري الإسرائيلي.

من هنا نفهم لماذا اتسم الموقف الإسرائيلي بعدم المساومة في موضوع التسوية والإصرار على أن يكون الحل الإسرائيلي وإلا فلا، مادام معززا بميزان القوى محلياً وإقليميا، وما دام محصناً عبر الدبلوماسية الأميركية الأوروبية، في حين أن الوضع العربي الرسمي في حال من التجزئة والضعف منتقلا إلى إستراتجية السلام والتفاوض لا أكثر أو ليس غير.

اتفاق أوسلو لم يكن خطوة باتجاه المساومة حول تسوية القضية الفلسطينية، وإنما من وجهة النظر الإسرائيلية هو مساومة اقتصرت على الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية (م. ت. ف) مقابل سلسلة من التنازلات التي مست الأرض والحقوق، بل أعفت الاحتلال من مسؤولياته على أمن السكان تحت الاحتلال وطعامهم ومعاشهم وما كرسته اتفاقات جنيف من حقوق الرازحين تحت الاحتلال. وهذا ما دفع كثيرين حتى من الإسرائيليين إلى اعتباره "احتلال ديلوكس" بخمس نجوم.

فقد أريد إسرائيليا من اتفاق أوسلو الوصول إلى الحل الإسرائيلي كاملاً عن طريق السلطة الفلسطينية و"م. ت. ف", وإلا فلا.

وعندما لم يكن من الممكن من جانب الرئيس الفلسطيني الراحل في مفاوضات كامب ديفد القبول بما ظهر فقط من الحل الإسرائيلي، أي من دون أن تكشف كل أوراق الحل الإسرائيلي بعد، قررت القيادة الإسرائيلية وبدعم أميركي (تعاظم مع مجيء إدارة بوش المؤسرلة المصهينة "الحربجية" أكثر من جميع الإدارات السابقة لاسيما ضد العرب والمسلمين) أن تعتبر اتفاق أوسلو بحكم المنتهى.

ومن هنا شُنت الحرب في ربيع 2002 ضد مناطق "أ" ابتداء من معركة مخيم جنين، وحوصر ياسر عرفات وهدد بالقتل وذلك من أجل تصفية الانتفاضة والمقاومة وإنهاء السلطة الفلسطينية التي قامت على أساس اتفاق أوسلو، أما الهدف الأبعد فهو فرض الحل الإسرائيلي كاملاً. وقد توج ذلك باغتيال الرئيس الفلسطيني بعد أن ضغطت إدارة بوش بعد غزو العراق واحتلاله على رفع الغطاء الفتحاوى (جزء متنفذ من فتح) والعربي (عدد من الدول العربية) عنه.

"
ما يجرى على الأرض لا علاقة له بالصراع على السلطة ولا باستعادة مسيرة أوسلو ولا التسوية ولا حتى إحياء خارطة الطريق بل محاولة فرض الحل الإسرائيلي الواقعي، الحل مع اجتثاث كل مقاومة وممانعة وإقامة سلطة بعدئذ تتعايش مع الأمر الواقع
"
باختصار إن إعادة اقتحام مناطق "أ" ومحاصرة عرفات واغتياله ورفع الغطاء عنه من قبل جزء أساسي من فتح ومن الإطار العربي، كما رفع الغطاء عنه أوروبيا وروسيا إلى جانب تكريس خريطة الطريق والرباعية المشلولة يعنى إنهاء سلطة اتفاق أوسلو.

فالأوضاع التي ترتبت على التخلص من الرئيس الفلسطيني أدخلت الوضع الفلسطيني -بما في ذالك سلطة اتفاق أوسلو- مرحلة جديدة وذلك رغم محاولة الرئيس الفلسطيني محمود عباس اعتبار نفسه استمرارا لتلك السلطة لأن القرار الإسرائيلي الأميركي غير ذلك، وإلا فما معنى القضاء على عرفات إن كان محمود عباس وفتح يريدان السير على خطاه.

وهذا يفسر لماذا استمرت مقاطعة أولمرت له طول سنة كاملة, وكانت هنالك شروط كثيرة لم يكن بإمكانه تلبيتها، ثم لماذا استمر يداور في المكان حتى الانتخابات التشريعية.

جاءت نتائج الانتخابات التشريعية عبر صناديق الاقتراع بإعطاء حماس غالبية كبيرة ردا على المرحلة الجديدة، أو شهادة شعبية على انتهاء سلطة اتفاق أوسلو وحتى سلطة خريطة الطريق التي وضعت اتفاق أوسلو وراءها.

فالشعب الفلسطيني من خلال تصويته لحركة حماس كان يصوت لمشروع المقاومة والانتفاضة، وليس لمشروع المفاوضات ولا التسوية ولا اتفاق أوسلو.

ومن يفهم نتائج تلك الانتخابات على غير هذه الصورة يكون نظر الشعب أحدّ من نظره في تحديد سمات المرحلة الجديدة وهى إنهاء حتى الظن بأن اتفاق أوسلو فتح باب التسوية، بل إن أبواب المقاومة والممانعة تفتحت على مصاريعها أكثر من أية مرحلة سابقة.

فمنذ أن أعطى الشعب الفلسطيني الشرعية للمقاومة المتهمة من أميركا وإسرائيل بالإرهاب ماذا حدث؟ ضُرب حصار تجويع على الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع بهدف إسقاط حكومة حماس التي حاولت إحلال سلطة من نمط آخر غير سلطة اتفاق أوسلو، في حين تصاعدت المقاومة من خلال عملية "الوهم المتبدد" وأسر الجندي من قبل حماس وانتقل الجيش الإسرائيلي إلى العدوان المستمر على قطاع غزة ومحاولة اقتحامه.

وفى العراق تواصلت المقاومة ودخل الاحتلال في المأزق وراح يبحث عبثا عن حل سياسي ينقذ ماء الوجه.

وفى لبنان اندلعت حرب عدوان يوليو/تموز وأغسطس/آب التي أسفرت عن إنزال هزيمة ميدانية عسكرية بالجيش الإسرائيلي على يد قوات المقاومة بقيادة حزب الله مما أدخل حكومة أولمرت والجيش الإسرائيلي في أزمة لم يعهدها من قبل، أزمة تمس الوجود والإستراتجية.

وفى القرن الأفريقي اندلعت مقاومة ضد الاحتلال الإثيوبي الذي يعمل بالوكالة عن إدارة بوش في الصومال، كما تعاظمت الممانعة ضد محاولات تقسيم السودان وتمزيقه عبر قوات هيئة الأمم المتحدة.

وهكذا المنطقة كلها في حالة حرب لا تسويات، رغم كل محاولات البحث عن تسوية في الساحة الفلسطينية أو لبنان أو العراق أو الصومال أو السودان، بل الملاحظ كما في الساحة الفلسطينية أنه كلما تم الاقتراب من تسوية يتبين أنها أصبحت أبعد تماما فيما يشبه الركض وراء السراب يبتعد منك كلما ظننت أنك اقتربت منه.

من هنا فإنه من الضروري -لاسيما في الساحة الفلسطينية- التحرر من وهم التسوية أو من وهم المحافظة على السلطة سواء كانت سلطة اتفاق أوسلو أو سلطة حماس أو سلطة الوحدة الوطنية الفلسطينية، لأن تلك السلطة وباعتراف كل من يمتطيها هي وسيلة وليست هدفا.

فالسلطة من وجهة نظر فتح اعتبرت طريقاً إلى الدولة, والسلطة من وجهة نظر حماس اعتبرت كما أعلن طريقاً لحماية المقاومة والتخفيف من الصعوبات التي يعيشها الشعب الفلسطيني، والسلطة كما أريد لها من وجهة نظر الكثيرين في حكومة الوحدة الوطنية مدخل لإنهاء الحصار المالي، والبعض يريدها فتحا لباب التسوية من جديد.

ومع ذلك لم تستطع أن تكون وسيلة تحقق الهدف تحت الاحتلال، والسبب ببساطة أنه إذا كان جوهر الصراع في مكان وما يجري على أرض الواقع في مكان آخر، فإن مصير السلطة أصبح مرتبطاً به رغم وجودها وترسخها وتكريسها منذ 1994 حتى الآن، بما في ذلك مرحلة حكومة حماس وحكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية.

جوهر الصراع في المرحلة الراهنة يتمثل في الاحتلال والجدار وتوسيع المستوطنات وتهديد القدس وتهديد المسجد الأقصى والسيطرة على الحدود ومصادرة الأرض المحيطة بها إلى عمق يصل عشرات الكيلومترات في بعض النقاط.

فهنالك الاحتلال واقتحاماته وقصفه واغتيالاته ومحاسيمة (حواجزه) واعتقاله لأكثر من أحد عشر ألفا من المعتقلين والمعتقلات إلى جانب الحصار والتجويع وألوان التضييق.

تنضاف إلى ذلك أهداف الاحتلال العملياتية في القضاء على كتائب عز الدين القسام وسرايا القدس وكتائب الأقصى والمقاومة الشعبية، أي تصفية كل مقاومة وممانعة وضرب كل صمود والإخضاع التام.

وبكلمة، ما يجرى على الأرض لا علاقة له بالصراع على السلطة ولا باستعادة مسيرة أوسلو ولا التسوية ولا حتى إحياء خارطة الطريق ولا حتى تحقيق هدنة.

"
لا مهرب من مواجهة الاحتلال وما يمارسه على الأرض من خلال وحدة وطنية مناضلة تذهب إلى المقاومة والممانعة مع السلطة أو من دونها إذا ما سقطت السلطة
"
إنها محاولة فرض الحل الإسرائيلي الواقعي الحل مع اجتثاث كل مقاومة وممانعة وإقامة سلطة بعدئذ تتعايش مع الأمر الواقع أي الحل الإسرائيلي عبر هدنة مديدة.

وذلك تمهيداً لتحويل الحل الإسرائيلي الواقعي مستقبلاً إلى حل قانوني عبر اتفاقات ومعاهدات لا تنهى حق العودة فحسب، ولا تكرس ما صادره الجدار والمستوطنات والحدود من أرض فحسب، وإنما تهجّر أيضا مزيداً من الفلسطينيين في مناطق 48 كما في مناطق الضفة الغربية والقطاع.

ولهذا ذهبت وتذهب كل محاولات التسوية -ولو بأدنى حد من الحقوق الفلسطينية- أدراج الرياح، وكذلك كل محاولات الهدنة والتهدئة والاحتفاظ بسلطة لا تسلم بالحل الإسرائيلي الواقعي.

فهذا ما ارتطمت به سلطة الرئيس الشهيد ياسر عرفات وسلطة الرئيس محمود عباس, وحكومة إسماعيل هنية الحماسية وحكومة الوحدة الوطنية الراهنة، فهنالك العبرة من تجربة عرفات وتجربة عباس وثمة تجربة الهدنة منذ 2005 ثم هنالك العبرة من تجربة وثيقة الوفاق الوطني المنبثقة من وثيقة الأسرى، وقد قيل في حينه إنها ستخرج الحكومة من عنق الزجاجة.

وهنالك العبر من تجربة اتفاق مكة والاتفاق على حكومة الوحدة الوطنية وبيانها ورسالة تكليفها، وقد ظن أنها ستفك الحصار على الأقل لاسيما بعد قرارات القمة العربية في مرحلتها الأولى، ثم تجربة تفعيلها واستقبال وزيرة الخارجية الإسرائيلية في القاهرة التي اعتبرتها الوزيرة تاريخية.

فكان الرد من حكومة أولمرت قراراً ببناء عشرين ألف مسكن للمستوطنين في منطقة القدس الشرقية وتخصيص مليار ونصف مليار دولار لمشاريع تهويد القدس مع استمرار الحفريات حول المسجد الأقصى وتحته.

ثم لا حاجة إلى استعادة التجربة مع الرباعية العتيدة ومجلس الأمن والأمين العام لهيئة الأمم المتحدة أو التجارب المريرة بالتوجه إلى أميركا. ولا ننسى التجربة مع أوروبا التي تدور حول نفسها كلما اقتربت من القضية الفلسطينية ولا نقول أكثر.

وباختصار لا مهرب من مواجهة الاحتلال وما يمارسه على الأرض من خلال وحدة وطنية مناضلة تذهب إلى المقاومة والممانعة مع السلطة أو من دونها إذا ما سقطت السلطة.

وهذا ما يجب أن تواجه به الجامعة العربية مع ضرورة تخليها عن أوهام طرح مبادرة السلام العربية أو تفعيلها، فإذا ما احتشدت الجهود الرسمية والشعبية عربيا وإسلاميا لدعم الشعب الفلسطيني فحينئذ تأخذ الجهود مسارها العملي الإيجابي إذ ليس أكثر من الأوهام إضاعة للوقت وتبديداً للجهود.
__________________
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة