عبد الجبار سعيد

الكذب والحريات المفقودة والتعذيب
الإعلام وحرية الصحافة والقضاء
نماذج أميركية عربية

كان المنطق المفترض إلى ما قبل الحادي عشر من سبتمبر/أيلول أن تؤدي رياح التغيير إلى إصلاح أحوال القيادات العربية، بحيث تنتقل من الدكتاتورية إلى الديمقراطية، ومن اختلاق المبررات لقمع الشعوب ومصادرة الحريات إلى إعادة الحقوق لأصحابها ومنحهم حريتهم وصيانة كرامتهم وحقوقهم، وأن تتحول عن المتاجرة بالفساد والفاسدين والتغطية عليهم وتسليمهم مقاليد الأمور -رغم فسادهم ورفض الشعوب لهم- وتبرير أفعالهم وإضفاء صفات المواطنة الصالحة عليهم رغم سرقاتهم وإثرائهم غير المشروع على حساب الوطن والمواطن، بلغة "عنزة ولو طارت" عند القيادات العربية.

كنا نفترض أن نتغير باتجاه اختيار الرجل المناسب للمكان المناسب، ومحاسبة الفاسد وسيادة القانون على قاعدة لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها، كنا نفترض ذلك ومثله في سياق التطور المنطقي للواقع والأشياء، ولو من باب الأحلام والأمنيات.

أما الذي لم يكن بالحسبان فهو أن تصبح قيم ومواقف القيادات العربية قدوة للرئيس الأميركي بوش فتجري رياح التغيير بما لا تشتهي الشعوب الحرة التي نالت حريتها أو تتمنى، بما في ذلك الأمة الأميركية ذاتها. فيصبح بوش متلبسا بلبوس القيم السائدة بين القيادات العربية بدلا من أن يحصل العكس.

الكذب والحريات المفقودة والتعذيب

"
القيادات العربية لم تعد وحيدة في ميدان الكذب، فقد أصبح بوش عربيا أكثر منهم، ونال قصب السبق في الكذب على شعبه وعلى العالم
"
فعلى صعيد الكذب على الشعوب واستغفالها الذي عانت ولا تزال تعاني منه جماهير الأمة العربية لم تعد القيادات العربية وحيدة في ميدانه، فقد أصبح بوش عربيا أكثر منهم، ونال قصب السبق في الكذب على شعبه وعلى العالم.

ولا تغيب عن بال أحد كذبة الأسلحة التي برر بها حربه على العراق، فإلى عهد ليس بالبعيد كان العراق مستودع أسلحة الدمار الشامل الكيميائية والبيولوجية، وعرضت الأمور على أنها حقائق لا تحتمل نقاشا، وأن هذه الأسلحة تشكل خطرا على العالم الحر وقيمه الديمقراطية والمتحضرة.

وما هي إلا أيام معدودات حتى ذاب الثلج وبان المرج، فإذا بها كذبة عز نظيرها، مع وجود فارق بين الكاذبين هو أن بوش اعترف بكذبه على شعبه، بينما لا يوجد مثل هذا الاعتراف لدى القيادات العربية، ولكن هذا لا يغير من حقيقة الكذب شيئا.

أما الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان التي كان الحرص عليها وحمايتها، هو ما يميز قادة الغرب ومنهم رؤساء الولايات المتحدة فقد أصبح الأمن مقدما عليها، وأصبح الحرص على الأمن المزعوم خلقا وقيمة عند الرئيس بوش، ويشكل ذريعة لانتهاك الحقوق وتجاوز الحريات والتعدي عليها.

وهي الحجة التي كانت تتذرع بها كل أنظمة القمع العربية، فالقتل والاعتقال وانتهاك حرمات البيوت في عالمنا العربي يتم دائما باسم الحفاظ على الأمن وحماية الديمقراطية العربية التي لا تناظرها ديمقراطية.

وقد كان الاعتقال بغير تهمة محددة أو بدون محاكمة لفترات تتجدد دون نهاية، من أسوأ مظاهر التعدي على حقوق الإنسان في عالمنا العربي ومثله ما يقوم به الاحتلال تحت مسمى الاعتقال الإداري.

وقد أصبح هذا النوع من امتهان الكرامة الإنسانية أمرا اعتياديا في رؤية الإدارة الأميركية ومبررا من وجهة نظر الرئيس بوش، وما غوانتانامو عنا ببعيد، بل وفي داخل الولايات المتحدة نفسها.

"
الاعتقال بغير تهمة محددة أو بدون محاكمة لفترات تتجدد دون نهاية، كان من أسوأ مظاهر التعدي على حقوق الإنسان في عالمنا العربي, ولكن هذا النوع أصبح أمرا اعتياديا في رؤية الإدارة الأميركية وبوش
"
ولا تملك أن تتجاوز في هذا المقام صور التعذيب التي أنتجتها عقلية الإدارة الأميركية وحضارتها، تعذيب تقشعر له الجلود وما خفي منه أعظم.

فلم يسمح لوسائل الإعلام بكشف كل الحقائق، ولم تتم محاسبة المسؤولين عن الجريمة محاسبة كافية، ونجا الذين أصدروا أوامر التعذيب وسمحوا بها، وضُحي بمجندة هنا وجندي هناك، وتم تجاوز كل مشاعر الغضب والإحباط التي كشفتها صور التعذيب، وشكلت لجان التحقيق الصورية وتم تبرير الفعلة الشنيعة في دائرة الأخطاء الفردية.

إنها ذات الصور وذات القيم التي كنا نقرأ عنها في تاريخ السجون العربية ولا نزال نراها اليوم في غوانتانامو الأميركي والعربي، مما يذكرنا بمحاكم التفتيش، التي كنا نجدها خير ما نشبه به ما يجري في سجوننا العربية.

وأصبح لدينا اليوم نموذج آخر تتأسى به القيادات العربية. إنه أبو غريب، فسنت قوانين مكافحة الإرهاب في البلدان العربية، وكان المبرر دائما إذا كانت أم الديمقراطية قد فعلت ما فعلت فلِم يحال بيننا وبين أن نحافظ على كراسينا، عفوا أقصد ديمقراطيتنا، من أجل الحليفة أميركا والصديق بوش.

أما ما كان يميز دولنا العربية فهو إدارتها لحدودها واستقبالها لأبنائها أو ضيوفها، فالداخل إلى الحمى إن لم يكن مضمون الولاء، فلا بد له من الانتظار في أرض المطار لساعات، وإن دخل فلا بد له من ضيافة أخرى مع المحققين والمتثبتين.

وقد لا يدخل أصلا وإن دخل فقد لا ينجز مهمته التي جاء من أجلها لأنه حيل بينه وبين ذلك لقضائه الأوقات الطويلة في ردهات انتظار المحققين، أو لأنه غاب وراء القضبان، ولا يخفى على أحد كم أثر هذا الإجراء وهذا الأمن الذي تنعم به الدول والقيادات العربية على الرئيس بوش وإدارته.

فبات التحقق من القادمين مطلوبا قبل الانطلاق من المطار في أوروبا، وليس مستغربا أن تعود من المطار أو أن يحقق معك أو أن تدخل التخشيبة في الولايات المتحدة (العربية) لا لذنب ارتكبته بل لكون سوء الظن المحتمل فيك كاف لأن تتخذ بحقك كل الإجراءات.

الإعلام وحرية الصحافة والقضاء
وإن رامك الحديث عن الإعلام وحرية الصحافة التي كانت إحدى العلامات الفارقة في الديمقراطية الأميركية، فحدث ولن تجد حرجا في بيان مدى التوجيه والضغط الذي تتعرض له وسائل الإعلام إما لعرض وجهة نظر الإدارة الأميركية، أو عدم معارضتها أو على الأقل عدم نشر الحقائق، وإلا فهي معرضة للاتهام بتعريض حياة الجنود الأميركيين للخطر.

وكذا كل من تسول له نفسه أن يعارض سياسة بوش(إلى ما قبل انتخابات الكونغرس) وما أمر كشف عميلة الاستخبارات الأميركية عنا ببعيد لا لشيء إلا لأن زوجها عمل عكس تيار المحافظين الجدد. يا للهول! من ليس معي فهو ضدي، كم من صورة عربية استنسخت منها هذه الصورة.

"
المسؤول إن لم يكن طبالا أو زمارا في أوركسترا بوش -حتى وإن كان من المقربين مثل باول- لا مكان له في دائرة صنع القرار
"
وفي إطار عدم تقبل المخالف في الرأي والاجتهاد، ومحاربته والتضييق عليه بكل الوسائل، فهو إن لم يكن طبالا أو زمارا في أوركسترا الرئيس -حتى وإن كان من المقربين مثل كولن باول- لا مكان له في دائرة صنع القرار.

إذ كيف يجرؤ على تبني رأي غير الذي يراه رمسفيلد أو تشيني، ولا مانع من التفكير في التخلص من كل العناصر المزعجة ولو بتصفيتها وحتى قصفها وإن كانت وسيلة إعلام حرة مثل قناة الجزيرة.

ولدى الحديث عن استقلال القضاء فالسياسة هي الحاكمة، ومن الطبيعي في السياق القيادي العربي أن يخضع القضاء للسياسة، فإما أن يكون القاضي وفق هوى الإدارة والقيادة وإما أن يعزل أو يستبدل.

ولعلكم تذكرون الضجة التي أثيرت حول اختيار رئيس المحكمة العليا في الولايات المتحدة، حيث كان ممن يوافقون هوى الرئيس بوش والمحافظين الجدد، وقد اعتبر هذا التعيين سياسيا في حينه.

ولا يغيب عن أذهاننا ما أثير الشهر الماضي حول إحالة ثمانية من المدعين العامين إلى التقاعد، ودور وزير العدل الأميركي في ذلك، واعتبار القرار سياسيا لا يستند إلى الأصول المهنية من قريب أو بعيد، ورفض البيت الأبيض أن يتم استجواب أحد موظفيه تحت القسم أمام الكونغرس حول هذا الإجراء.

ألا تستحضرون في ذاكرتكم كل أنماط القيادة العربية وأنتم تتابعون هذه الإدارة ومخالفتها كل أصول المنطق الإداري والسياسي.

أما في جانب الانتصار لأزلام السلطة، والإصرار على بقائهم في مسؤولياتهم لمجرد أنهم من أنصار الزعيم أو أتباعه، فقد كنا نظن أن القيادات العربية لا يوجد لها نظير في الدنيا في اختيار القيادات.

فالخائن أمين، والكاذب صادق ولا قيمة للمعايير، فالرجل المناسب هو الذي يرضى عنه القائد، ولو كان فاشلا أو فاسدا أو لا يصلح لشيء فما دام حاز الرضا ونال المنى فليس لأحد على عزله سبيل.

ولو طالب البرلمان بذلك ولو جاءت التحقيقات بكل البراهين التي تثبت تورط هذا المسؤول أو ذاك، فليحل البرلمان وليكن ما يكون، المهم أن رؤية القائد العربي في الرجال لا تخطئ أبدا.

نماذج أميركية عربية

"
نحن مضطرون بكل أسف اليوم لنسبة الأفعال العربية إلى القيادات والأشخاص لا إلى القيم، وإلا فمنظومة القيم العربية على الجملة منظومة تممها الإسلام "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"


"

نعم كنا نظن أن هذا صنع فقط في عالمنا العربي حتى رأينا بوش عربيا أكثر من العرب، فبولتون صار مندوبا في الأمم المتحدة رغم أنه كان يشتمها ويدعو إلى إغلاقها، وعلى الدنيا بأسرها أن تتقبله في مكانه الذي لم يتزحزح منه إلا بعد فوز الديمقراطيين.

ودونالد رمسفيلد أفضل وزير دفاع وصانع الانتصارات على الإرهاب المزعوم، رغم كل الكوارث التي ألحقها بالولايات المتحدة بل بالعالم أجمع، ولا يصح لأحد أن يخالفه ومن فعل فكفيل بأن يطير من موقعه، وأوروبا التي تنتقده هي أوروبا المتخلفة العجوز القديمة، ولو كانت حليفة فكيف تنتقد أحد أركان السلطة.

أما ولفويتز فلن يكون آخر الأمثلة على هذه النمطية، فله كل الدعم والمساندة من الرئيس بوش (العربي) رغم اعترافه بالفساد والمحاباة على حساب المؤسسة، ورغم احتجاجات المحتجين. فالطبع العربي بات غالبا على الرئيس بوش.

على أية حال ربما كان الأولى بنا إذا تحدثنا عن تأثر بوش بالعرب، أن نتحدث عن الكرم والشجاعة ونصرة المظلوم وإغاثة الملهوف.

فهذه القيم حرصت عليها القيادات العربية منذ أيام الجاهلية في حلف الفضول، لكنها كانت قيادات عربية، ولكننا بكل أسف مضطرون اليوم لنسبة الأفعال العربية إلى القيادات والأشخاص لا إلى القيم، وإلا فمنظومة القيم العربية على الجملة منظومة إسلامية، تممها الإسلام "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
ــــــــــــ
كاتب فلسطيني 

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك