الطيب بوعزة

كاتب مغربي

بدءا من تسعينيات القرن العشرين، أصبحت الأيديولوجية الليبرالية -في العالمين العربي والإسلامي- تُسوَّق بوصفها الأنموذج الفكري الواحد والوحيد، حتى وصل الأمر ببعض منظريها إلى أن يعلنوا بها -على نحو يقلد شعارات النيوليبرالية الأميركية- "نهاية التاريخ"!.

ومع انفراد أميركا بقيادة العالم، أصبحت الليبرالية نسقا ثقافيا مُلزِما، يجب أن يُعولم ويسود على كل المجتمعات بصرف النظر عن خصوصياتها الثقافية.

"
مع انفراد أميركا بقيادة العالم أصبحت الليبرالية نسقا ثقافيا مُلزِما يجب أن يُعولم ويسود على كل المجتمعات بصرف النظر عن خصوصياتها الثقافية
"
في هذه اللحظة التاريخية ستبرز في العالم العربي نخبة فكرية وسياسية يتسمى أصحابها باسم "الليبراليون الجدد"، حيث قفزت إلى السطح أسماء جديدة مثل أحمد البغدادي، وشاكر النابلسي، وسيار الجميل، وكمال غبريال.

والمفارقة الواضحة في إنتاج هؤلاء الليبراليين أنه لحد اللحظة، أي بعد أزيد من خمس عشرة سنة على انهيار الاتحاد السوفياتي، وبدء بروز نجمهم في الفضاء الثقافي والإعلامي، لم ينتجوا أي بحث محترم معرفيا يفصحون فيه عن فكرهم، بل اقتصر إنتاجهم على تسطير مقالات صحفية خفيفة.

ولا أقصد بالخفة سمة في أسلوب خطابها، فهذا السمت هو بلا شك مطلوب بمقاييس المقال الصحفي، بل هي خفيفة حتى في محمولها المعرفي، مقالات إن كان صيتها يثير مقدارا غير قليل من الضجيج، فإنها مضمونيا شديدة الخواء، وتفتقر إلى أبسط ملامح الجدية والعمق في التحليل، بل إن قراءتها تدفعنا أحيانا كثيرة إلى الاستفهام: هل هؤلاء الكتاب يملكون حقا الإحاطة المعرفية بموضوعهم، وبالفلسفة التي يتبنونها ويعملون على تسويقها وإذاعتها في الناس؟!

وينضاف إلى هذا ما نلاحظه في نصوصهم من جراءة تصل حد الصفاقة والفجاجة، عندما ينادون بإدخال الليبرالية، وفرضها ولو على ظهر دبابة أميركية!

لكننا لا نريد بهذا النقد اتهام "الليبراليين الجدد" بالعمالة للأجنبي والتخوين واللاوطنية، كما ينزع إلى ذلك الكثير من الناقدين، فكما أن ثمة إمكانية لوجود من يشتغل بحافز أميركي وإسرائيلي، فإننا أيضا لا نشك في إمكان وجود، مِن بين هؤلاء الليبراليين الجدد، مَنْ تحركه إرادةٌ صادقة ومخلصة لخدمة قومه وبلده.

بل حتى في مناداة هؤلاء بدخول الليبرالية على دبابات أميركية، قد يكون باعث هذه الدعوة رغبة صادقة في تخليص واقعهم العربي من استبداد السلطة السياسية، التي هي بلا شك أمر ملحوظ وإشكال خانق للشعوب وللنخب على حد سواء.

لذا بعيدا عن لغة التخوين نريد بلورة نقد معرفي لخطابهم. وإبراز ما فيه من نقائص ومفارقات، ولن ننتقي من نصوص هؤلاء الليبراليين الجدد إلا ما يمكن عده أرقى ما أنتجوه لإيضاح رؤيتهم. أما الخطاب الدعائي المنفعل الذي يمتلئ به بعض مقالاتهم، فإنه لا يستحق النقد؛ لأنه بذاته ظاهر الاختلال والتهافت.

"
أول ملحوظة تستوقفنا في المتن النيوليبرالي العربي هو أنه يفصح عن نظرة لا تخلو من انبهار وتقديس لليبرالية، فهي ليست مجرد فكرة أو مذهب، بل هي "مطلق ثقافي" يعلو على كل المذاهب والرؤى
"
أول ملحوظة تستوقفنا في المتن النيوليبرالي العربي هو أنه يفصح عن نظرة لا تخلو من انبهار وتقديس لليبرالية، فهي عنده ليست مجرد فكرة أو مذهب، بل هي "مطلق ثقافي" يعلو على كل المذاهب والرؤى، "مطلق" يستوعب بداخله كل خبرات الإنسان ومعارفه التي حصلها خلال تاريخه المديد، فكأن الليبرالية بذلك هي الخلاصة النهائية للتجربة الإنسانية.

ومن ثم لا مجال لبحث مغاير عن أفق بديل يخرج عن سياقها، أو يغايرها في الرؤية إلى العالم وقيم انتظام العيش؛ فكل خير بلغته البشرية احتوته الليبرالية وزادت عليه! إنها التتويج النهائي لمسيرة الوعي والفعل البشريين!

هذا ما يفصح عنه د.سيار الجميل أحد الباحثين الليبراليين الجدد في مقالته(الليبرالية القديمة والليبرالية الجديدة) بقوله: "فالليبرالية حصيلة لكل ما تعلمه الإنسان عبر القرون".

وعلى الرغم من أن الجميل سيعبر لاحقا في مقاله عن بعض النسبية في تقويم الليبرالية الجديدة: "إنني لا أقول إن الليبرالية الجديدة لها تجلياتها، وإنها عالم نزيه وله طقوسه المثالية، ولكنها تحقق النصيب الأدنى لحقوق الإنسان والمجتمعات، وإن نجحت الشعوب بالوعي به وانتصرت في ممارسته وتطبيقاته على أفضل وجه"؛ رغم هذا الاحتراز فإنه حتى في نصه هذا يتمظهر، ككل منبهر وثوقي بمذهبه، حيث يرجع كل خلل إلى التطبيق والممارسة، ولا يفكر في احتمال أن يكون الخطأ آتيا من النظرية!.

أما على مستوى تحليله للمبادئ فلا نجد أي وعي نقدي بل مجرد تكرار واجترار. ففي تعداده للأسس المبدئية للمذهب الليبرالي يرى سيار الجميل أن الليبرالية هي أولا فصل للدين ليس فقط عن السياسة بل عن النشاط الإنساني البشري عامة، حيث يقول: "المبادئ الليبرالية الأساسية أولا: العلمانية التي تعني اصطلاحا فصل الدين عن السياسة، كما تعني مضمونا فصل الدين عن النشاط البشري عامة".

دون أن ينتبه إلى أن موقفه هذا يحتاج إلى استدلال ليصير مقنعا؛ لأنه يناقض ما نراه عيانا في الواقع، فأميركا مثلا التي هي أكبر مدافع وداع سياسي لليبرالية، يمتزج في خطابها وفعلها السياسيين البعد الليبرالي بالعقيدة الدينية.

ثم بعد تعديده مبادئ الليبرالية مختزلا إياها في العلمانية والعقلانية والإنسانية والنفعية، وتوكيده على أن هذه المبادئ التي تميز المذهب الليبرالي القديم هي ذاتها التي تحدد الليبرالية الجديدة قائلا: "لا تختلف الليبرالية الجديدة عن القديمة أبدا إلا في الوسائل والأدوات، فالمبادئ نفسها ولا يمكن التراجع عنها أبدا".

وبعد أن يشير إلى اختلاف الوضع الليبرالي المعاصر عن الوضع الليبرالي القديم، قائلا: "وإذا كانت (الليبرالية) القديمة ترتبط بالفكر الأوروبي ونتائجه، فإن الجديدة ترتبط بالفكر الأميركي وممارساته"؛ لا ينسى سيار الجميل أن يرجع كل نقد لليبرالية الجديدة إلى كونه صادرا عن شعور بالكراهية والحقد على الولايات المتحدة الأميركية!.

ومن ثم يرى أن هذا النقد مجرد تعبير عن نظرة قاصرة! لننصت إليه حيث يقول: "ويعتقد العديد من الكتاب الغربيين ومن ورائهم العرب والمسلمين أنه إذا كانت الليبرالية الأولى نقلة نوعية –بالنسبة لأوروبا- في قضية حقوق الإنسان وتطور العالم، فإن الليبرالية الجديدة تعد –حسب نظرتهم القاصرة– انتكاسة حقيقة لحقوق الإنسان، تحت سمع وبصر العالم الذي لم يعد متطورا، بل في غاية التوحش، ليس الإنسان الغربي فحسب، بل الإنسان الشرقي والشمالي والجنوبي.

"
إذا كان معارضو الليبرالية جهلاء بالتاريخ وأغبياء في السياسة والإعلام، فلماذا يبيعون الأخضر باليابس؟ لماذا ينطلقون من أجندة خبيثة ضد مقومات الإصلاح والتحديث؟
"
إن مثل هذا "التفسير" المؤدلج تنتجه أفكار تصل حدود كراهيتها للولايات المتحدة الأميركية إلى الذروة". ورغم استدراكه لاحقا بنقده لاستخدام أميركا للقوة العسكرية لفرض الأفكار، فإنه لا ينتقد وجوب عولمتها.

بل يصل –مثله مثل غيره من الكتاب الليبراليين الجدد- إلى حد استعمال لغة استعلائية فوقية تبدأ بنعت مخالف هذه الأفكار النيوليبرالية بالغباء والجهل، وتنتهي إلى وصمه بالإرهاب ومعاداة الحرية!.

إذ يقول باستنكار: "إذا كان معارضو الليبرالية جهلاء بالتاريخ وأغبياء في السياسة والإعلام، فلماذا يبيعون الأخضر باليابس؟ لماذا ينطلقون من أجندة خبيثة ضد مقومات الإصلاح والتحديث؟".

هذا هو مستوى الخطاب الذي يفصح عنه أكثر الليبراليين الجدد توسلا للمقاربة المعرفية ومحاولة الامتثال لمعاييرها واجتناب الأسلوب الدعائي السياسي!.

وفي السياق ذاته المدافع عن الليبرالية، لكن دون أي تحليل معرفي يتعمق مفاهيمها وشروط نشأتها والإشكالات التي انبثقت في صيرورة ظهورها ونموها، وبلغة أكثر إيغالا في استهجان المخالف وهجائه واحتقاره، يقول د. أحمد البغدادي في مقالة يكفي عنوانها دلالة على وثوقية وقصور الفكر الذي تصدر عنه: فالعنوان "نعم الليبراليون وحدهم الديمقراطيون"، والمتن "تعجب البعض من القول إن الليبراليين هم الديمقراطيون ولا أحد غيرهم".

ثم يضيف مؤكدا أن ليس ثمة ديمقراطيون غير الليبراليين، وأن هذا الحكم لا يصدق على "العالم العربي فقط، بل وفي كل مجتمع".

وكأن الرجل قام باستقراء جميع الوقائع والتجارب السياسية في العالم أجمع، وانتهى بعد طول بحث ومعاينة إلى تسطير حكمه الجازم هذا!!

بل يذهب أكثر من ذلك إلى الإفصاح عن حكم في حق تاريخ الإنسانية كله متجاهلا أن النظام الديمقراطي ظهر، على الأقل داخل سياق التاريخ الأوروبي نفسه، في المجتمع اليوناني القديم، أي في لحظة تاريخية تسبق ظهور الليبرالية بأزيد من 23 قرنا!.

لكن رغم بداهة هذه الحقيقة التاريخية وشيوعها، نجد البغدادي يقول متسائلا باستنكار: "أليست الديمقراطية من "اختراع" الفكر الليبرالي لقطع دابر الاستبداد السياسي والديني".

ثم دونما تحليل ولا استدلال يرى البغدادي أن الليبرالية هي المذهب الوحيد الذي ينادي بالمساواة بين البشر، حيث يقول بنفس أسلوبه الاستفهامي دون أن يكلف نفسه عناء طرح السؤال كموضوع للتفكير والبحث: "أليست الليبرالية هي الوحيدة الداعية للمساواة بين بني الإنسان؟".

وإذا كانت نظرته إلى الليبرالية على مستوى العالم هي هذه، فإنه في نظرته إلى الليبراليين العرب يعمل بذات النهج وهو اختزال كل الخير فيهم، وحصر الشر في عدوهم ومخالفهم.

"
المحصول الذي أنتجه الليبراليون هو فضلا عن كونه لا يجاوز ركاما من المقالات الصحفية المثقلة بلغة الهجاء، فإنهم حتى في كتبهم التي أصدروها لا ينتهجون نهجا معرفيا
"
حيث يقول: "الليبراليون في العالم العربي هم الوحيدون الذين يتبنون الديمقراطية ليس فقط كنظام حكم، بل كأسلوب حياة. وهم وحدهم يدافعون عن حقوق الإنسان، وعن الحريات الفكرية، ويحترمون الآخر لإنسانيته دون أي تمييز ديني، ويسعون لإقرار الحقوق المدنية، ويدعون إلى تحريرها مدنيا".

بل لا ينحصر الأمر عنده في نسب الفضائل السياسية إلى الليبرالية والليبراليين وتخصيصهم بها وحدهم دون باقي خلق الله، بل يذهب البغدادي إلى حد جعل سبب استمرار البشرية في العيش اليوم هو الليبرالية، قائلا: "أليست الليبرالية تغذي العالم وتعالجه، وأن العالم بدونها لا يستطيع العيش"!!.

ثم رغم هذا التسيب في الخطاب وتجاهل حقائق التاريخ، وتحريف معطيات الواقع، لا ينسى البغدادي أن ينهج منهج غيره من الليبراليين الجدد فيخاطب مخالفيه باستعلاء خالعا عليهم نعوت الجهل والإرهاب، حيث يقول: "الليبراليون –لعلم الجهلة– ضد الإرهاب، وضد التمييز ضد المرأة، ومع الحريات الفكرية وضد منع الكتب، وضد التعليم المنفصل، وضد منع تدريس الموسيقى، ومع الدستور والديمقراطية وحقوق الإنسان بدون تمييز".

إن مثل هذا الخطاب الهائج المنفعل هو الذي يحكم للأسف نتاج الليبراليين العرب الجدد.

لذا -وصلا بما قلناه سابقا- نستنتج أن المحصول الذي أنتجوه، هو فضلا عن كونه لا يجاوز ركاما من المقالات الصحفية المثقلة بلغة الهجاء، فإنهم حتى في كتبهم التي أصدروها لا ينتهجون نهجا معرفيا، يُظهر ولو ملامح أولية للاقتدار على تحليل الواقع العربي وفهم شرطه الثقافي والتاريخي، فضلا عن تحليل النظرية الفلسفية والسياسية الليبرالية وإدراك تحولاتها ومكامن النقص فيها.

المصدر : الجزيرة

التعليقات