بقلم: نور الدين بوشا*

- خلفية تاريخية عن الصومال
- إثيوبيا والصومال.. صراع التداخل
- الخريطة السياسية الصومالية
- احتمالات التدخل الأميركي
- دور دول الجوار
- دور المعارضة الصومالية
- سيناريوهات المستقبل
- رد الفعل العربي والإسلامي المتوقع

قوات أميركية في الصومال
أعلنت الولايات المتحدة ومنذ الوهلة الأولى من بدء حملتها ضد ما تسميه الإرهاب أنها لنن تتوقف عند أفغانستان بل ستستمر في حربها وستلاحق أعداءها أينما وجدوا سواء كانوا منظمات أو دولا. بل ذهب صقور الحرب في أميركا إلى أبعد من ذلك حيث أعلن الرئيس الأميركي في الحفل الأخير للبحرية الأميركية أن أميركا لن تسكت على أي دولة تخالف رأيها مما تسميها الدول المارقة، بل ستعيدها إلى الصف الأميركي أو لن تنعم هذه الدول براحة.

ويقف في الصف بعد أفغانستان عدد من الدول في مقدمتها الصومال واليمن والعراق ويبدو أن الصومال أكثر هذه البلدان حظوظا ليكون المحطة الثانية وأنسبها وليكون فريسة سهلة للثور الأميركي الهائج في ما لو قرر صقور الحرب مواصلة المسيرة.

خلفية تاريخية عن الصومال

في القرن التاسع عشر بدأ الفرنسيون والإيطاليون محاولاتهم للسيطرة على مناطق من القرن الإفريقي وأسست بريطانيا محمية عام 1887م. وفي عام 1888م وقعت اتفاقية مع فرنسا حدد فيها المناطق التابعة لهما. إيطاليا من جانبها حصلت على محمية صغيرة عام 1889م وفي عام 1925م ضمت إليها منطقة جبل لاند من كينيا وكذلك المناطق الصومالية المتاخمة لإثيوبيا المعروفة بأوغادين عام 1936م.

وبعد هزيمة الإيطاليين في الحرب العالمية الثانية ضمت مستعمراتها في المنطقة إلى المستعمرات البريطانية وسميت الصومال ومنحت حكم ذاتيا عام 1956م ونالت الاستقلال عام 1960م بمساحة قدرها 350000 كم2. وضمت أجزاء أخرى إلى إثيوبيا وكينيا. ومنحت جيبوتي "الصومال الفرنسي" الاستقلال عام 1965م.

محطات أساسية:
-المساحة: 350000 كم2.
-1960م: الاستقلال
-1964: انقلاب عسكري بقيادة الجنرال محمد سياد بري
-1977: الحرب مع إثيوبيا
-1991: الحرب الأهلية وسقوط نظام سياد بري
-1992: دخول القوات الأميركية والمجاعة
-1994: انسحاب القوات الأميركية
-1995: تنصيب الجنرال محمد فارح عيديد رئيسا من قبل بعض الفصائل
-1996: وفاة عيديد وتنصيب ابنه في قيادة الفصيل
-2000: عقد مؤتمر المصالحة في جيبوتي، واختيار عبدي قاسم صلاد رئيسا

ومنذ الاستقلال بدأت الدولة الجديدة في الصومال بالمناداة بالصومال الكبرى في رغبة جامحة للم شمل الصوماليين الموزعين على الدول المجاورة مما أدى إلى حرب طاحنة بينها وبين إثيوبيا عام 1064م على إقليم أوغادين. وفي عام 1964 وقع انقلاب عسكري بقيادة الجنرال محمد سياد بري الذي نادى بتبني النظام الشيوعي في البلد واتبع سياسات القمع والتنكيل ضد معارضيه مقابل الحصول على مساعدات سخية من الاتحاد السوفياتي حين ذاك.

وفي عام 1977م انفجرت حرب طاحنة بين الصومال وإثيوبيا على إقليم أوغادين واحتل الصوماليون أجزاء كبيرة من إثيوبيا حتى وصلوا إلى مناطق في العمق الإثيوبي في هرر وبالي، ولكنهم تراجعوا تحت الضغوط الأميركية والدولية، مما أحدث نكسة نفسية للجيش الصومالي الذي حرم من النصر المؤكد، وعندها بدأ العد التنازلي لسقوط نظام سياد، الذي سقط فعلا عام 1991م بعد حرب دموية مع مجاعة أودت بالكثير من الأرواح. الثائرين عليه. بعدها دخل البلد في دوامة حرب أهلية أتت على الأخضر واليابس ورافقتها

واستولت القبلية التي تنفجر بين الحين والأخرى فإن هذا الجزء بقي هادئا إلى حد ما. وحافظ الحركة الوطنية الصومالية على مقاليد الأمور في الشمال الصومالي" الصومال البريطاني" وأعلنت من طرف واحد جمهورية أرض الصومال. وعلى الرغم من الصراعات بقيادة محمد إبراهيم عقال على سلام نسبي وحياة هادئة نسبيا رغم عدم حصوله على الاعتراف الدولي. أما الأجزاء الجنوبية من الصومال ومنها العاصمة مقديشو فقد سيطر عليها المؤتمر الصومالي المتحد ولكن انفجرت حرب طاحنة بين القبائل المتنافسة.

وفي عام 1992م ومع المجاعة التي عمت البلد دخلت القوات الأميركية مع مجموعة من دول أخرى إلى الصومال تحت غطاء حماية المساعدات الإنسانية وتحولت قيادة هذه القوات إلى الأمم المتحدة عام 1993م وتعرضت هذه القوات وخاصة الأميركية منها لضربات قوية من المقاومة الصومالية عند محاولتها القبض على الجنرال محمد فارح عيديد وأخيرا انسحبت هذه القوات عام 1994. وفي عام 1995 نصبت بعض الفصائل عيديد رئيسا ولكن لم ينضو الكثير من الفصائل تحت لوائه وبقي البلد دون حكومة مركزية. وتوفي عيديد عام 1996 إثر جراح بالغة في حرب الفصائل المتنافسة ونصب ابنه الجندي السابق في البحرية الأميركية وارثا لوالده في قيادة الفصيل.

وفي عام 2000 عقد مؤتمر وطني في جيبوتي ونتج عنه وثيقة وطنية "دستور مؤقت" واختير عبدي قاسم صلاد، المسؤول السابق في عهد سياد بري رئيسا وتوجه إلى مقديشو في أغسطس/ آب من تلك السنة ولكن رفض أربعة من أمراء الحرب المتمركزين في جنوب الصومال الاعتراف بالحكومة الجديدة.

إثيوبيا والصومال.. صراع التداخل


العلاقات العربية الإثيوبية تتسم بالجفاء والشكوك أحيانا وبالتوتر والصراع أحيانا أخرى كل ذلك مغلف بمجاملة سياسية مكشوفة ولم تخرج هذه العلاقة من هذه الأطر في يوم من الأيام
إن فهم العلاقات العربية الإثيوبية مقدمة أساسية لفهم العلاقات الإثيوبية الصومالية، إذ إن العلاقات الصومالية الإثيوبية ما هي إلا جزئية من جزئيات العلاقات العربية الإثيوبية.

العلاقات العربية الأثيوبية
وإذا نظرنا إلى العلاقات العربية الإثيوبية بصورة مختصرة نجد أنها علاقات تتسم بالجفاء والشكوك أحيانا وبالتوتر والصراع أحيانا أخرى، وكل ذلك مغلف بمجاملة سياسية مكشوفة، ولم تخرج هذه العلاقة من هذه الأطر في يوم من الأيام. وهناك عوامل أساسية تلعب دورا هاما في تحديد مدى ونوعية هذه العلاقة وهذه العوامل هي:

  1. الصراع التاريخي بين السودان وإثيوبيا من جهة والصومال وإثيوبيا من جهة أخرى ومحاولة إثيوبيا سد أي مد إسلامي سواء كان عسكريا أو ثقافيا من هذين الجانبين.
  2. ضم إثيوبيا لإريتريا وما تلا ذلك من حرب التحرير واستقلال إريتريا وصراع البلدين على الحدود وموقف الدول العربية من ذلك كله.
  3. السياسات الإثيوبية نحو منابع نهر النيل وموقف مصر والسودان تجاه هذه السياسات.
  4. العلاقات الإثيوبية الصومالية وتأثيرها على العلاقات العربية الإثيوبية.
  5. العلاقات الإثيوبية الإسرائيلية.
  6. السياسات الإثيوبية تجاه المسلمين في إثيوبيا.

رئيس الوزراء الإثيوبي
(يمين) والرئيس الصومالي
وبطبيعة الحال فإن علاقة كل دولة عربية بإثيوبيا لها وضعها الخاص في وقت معين وتحت تأثير عامل معين ولكن العلاقات العربية الإثيوبية في مجملها لم تخرج عن هذا الإطار ومن تأثير هذه العوامل. وإذا انتقلنا إلى جزئية العلاقات الصومالية الإثيوبية فالمسلمون في الصومال كانوا القوة الوحيدة المساندة للممالك والسلطنات الإسلامية في صراعها مع ملوك وسلاطين النصارى في الحبشة في القرن الخامس عشر والسادس عشر. ولم تنشأ إثيوبيا الحديثة والنصرانية رسميا حتى عهد قريبا إلا بعد القضاء على الممالك الإسلامية وضمها إلى مناطق نفوذها عنوة وبالاستعانة بالقوى الاستعمارية في المنطقة، وهذا هو سر كون غالبية سكان إثيوبيا مسلمين مع أن الدولة مسيحية.

صراع حدودي مزمن
من بين المناطق التي ضمت إلى إثيوبيا أجزاؤها الشرقية والجنوبية في منطقة كبيرة والمعروفة بإقليم أوغادين. وهذه منطقة صومالية بحتة وطالب بها الصومال عند استقلاله وعلى هذا الإقليم انفجرت حربان بين البلدين. ومنذ أواسط الثمانينيات وكل بلد منهما يحتضن ويدعم القوى المعارضة لنظام البلد الآخر. وبعد سقوط نظام سياد بري ودخول الصومال في دوامة الحرب الأهلية أصبحت إثيوبيا طليقة وحرة في تجاوز الحدود الصومالية إلى الداخل لضرب الجبهات الصومالية والأورومية المطالبة بالاستقلال عن إثيوبيا، وخاصة الاتحاد الذي تريد أن تجعل منه إثيوبيا تنظيم القاعدة الثاني، وذلك بحجة أن ليس في الصومال حكومة مركزية قوية تتحكم على حدود الصومال وحملتها في عام 1996 المشابهة للحملة الأميركية الحالية في أفغانستان معروفة لدى الجميع.

علاقات أثيوبية ببعض الفصائل
بالإضافة إلى ذلك فإن لإثيوبيا علاقات خاصة مع الفصائل الصومالية المتنافسة، ولو أن ولاء هذه الفصائل لإثيوبيا يتغير من وقت لآخر حسب تغير ميزان القوى لصالح هذا الفصيل أو ذاك. وهدف إثيوبيا من هذه العلاقات ليس سوى المحاولة لهندسة الخريطة السياسية الصومالية وإقامة حكومة صومالية ليس لها طموحات في لعب دور معين في المنطقة ولا تثير الدعاوى الصومالية الشعبية ضد إثيوبيا.

واليوم ومع بروز ملامح ومؤشرات حكومة مركزية في الصومال بدأت إثيوبيا بمعارضتها لهذه الحكومة واحتضان ودعم معارضيها، وهم أعداء إثيوبيا سابقا، واتهام هذه الحكومة بأن لها علاقات مع التنظيمات الإرهابية والإسلامية الرجعية. وحسب تصريحات وزير خارجيتها ومسؤولين آخرين فإن إثيوبيا على استعداد لاتخاذ أصعب الخطوات وأمرها لإقناع هذه الحكومة بالتخلي عن هؤلاء الإسلاميين وإن لم يحصل ذلك فالمواجهة بكل الوسائل المتاحة.

الخريطة السياسية في الصومال

قبل النظر في الخريطة السياسية في الصومال لا بد من النظر في مسألة مهمة جدا في ما يتعلق بهذه الخريطة، وهي أن الخريطة السياسية غير ثابتة، بل هي خريطة ديناميكية قابلة للتحرك تبعا لتوازنات المصالح والمعارك العسكرية والتغيرات السياسية، وذلك لأن الخلاف في الأصل بين هذه القوى والفصائل ليس خلافا فكريا وإنما هو صراع على السلطة. وبالإضافة إلى الحكومة التي انبثقت عن مؤتمر المصالحة في جيبوتي هناك فصائل المعارضة والتي كونت المجلس الوطني للمصالحة في خطوة مضادة لتكوين الحكومة المركزية.

  • فصيل عيديد:
    حسين عيديد
    يأتي في مقدمة هذه الفصائل فصيل محمد عيديد الذي يتمركز في المناطق الجنوبية ولا يمكن أن يرضى بأن يكون أقل من الرجل الأول في الصومال. وفي الفترة الأخيرة اتخذ عيديد من إثيوبيا مقرا غير رسمي وبدأ يلقي تصريحات معادية للحكومة يتهمها فيها بأنها تؤوي الإرهابيين. وتتخذ إثيوبيا من عيديد حاليا رغم عدائهما السابق حليفا قويا للتأثير على هندسة الخريطة السياسية في الصومال.
  • حكومة "بونت لاند"
    وهناك عبد الله يوسف وحكومته في "بونت لاند" في الشمال الشرقي الذي يتهم الشمال بالانفصال التام وأن حكومته ما هي إلا إقليمية ويؤيد الفدرالية كحل بديل عن الحكومة المركزية، ويمكن إرضاء جماعته بتعيين أحد أفرادها في منصب قيادي في الحكومة المركزية.
  • جمهورية أرض الصومال
    رئيس جمهورية أرض الصومال
    محمد إبراهيم عقال
    أما على مستوى الشمال فهناك جمهورية أرض الصومال التي أعلنت الانفصال منذ انهيار الحكومة المركزية في مقديشو قبل عقد من الزمان ويرون أن ليس لهم حاجة في الجنوب وأنهم عانوا منه في السابق. وهذه "الجمهورية" لها علاقات وطيدة مع إثيوبيا وحققت نوعا من الاستقرار الأمني وشهدت نشاطا اقتصاديا لا بأس به وليس من السهل إقناعها إلا إذا حصلت على ضمانات قوية بأنها لن تعاني مما عانته من نظام سياد بري.
  • الحركات الإسلامية
    إذا نظرنا إلى الحركات الإسلامية في هذا البلد كتيار سياسي واجتماعي فإن وجودها يعود إلى فترة الاستعمار وبدايات فترة الاستقلال، ولكنها لم تتبلور فكريا وسياسيا وتأخذ الطابع التظيمي إلا في العقد الأخير من القرن العشرين وخاصة بعد عودة المبعوثين للتعليم في دول عربية كمصر والسودان والسعودية وتخرج جيل من المعاهد الإسلامية المحلية وبدئهم العمل في مجال التربية والتعليم. ولقد كانت هذه الحركات وخاصة تلك التي ترفع شعارات الإسلام منهج حياة موضع ضربات نظام سياد بري، وبلغت هذه الضربات ذروتها بالقتل الجماعي للعلماء والشباب الإسلامي في المساجد في النصف الثاني من الثمانينيات.
    ومع سقوط نظام سياد ونزول الشعب الصومالي إلى الساحة بكل مآربه ومشاربه سنحت للحركات الإسلامية فرصة جيدة للتنظيم والتربية والتعليم. واستفاد الإسلاميون من الوضع الفوضوي في الصومال استفادة إيجابية، إذ تمكنوا إلى حد ما من ترك النزاعات القبلية جانبا والانخراط في التربية والتعليم وبناء مؤسسات مدنية وتوفير خدمات اجتماعية. كما أسهموا في فض الكثير من نزاعات القبائل والفصائل وأسسوا مؤسسات مالية وتعليمية بل ومحاكم شرعية أسهمت كثيرا في استقرار الوضع في مناطق نفوذهم وأصبحوا موضع ثقة الكثير من طبقات المجتمع الصومالي. وإذا نظرنا إلى الخارطة الصومالية فإننا نجد تمثيلا لكل توجهات وتيارات الحركة الإسلامية الموجودة في العالم العربي فهناك الإخوان المسلمون والحركات السلفية والجهادية والتبليغية بل حتى الهجرة والتكفير ولو بصفة ضيئلة جدا.


احتمالات التدخل الأميركي في الصومال

صوماليون أمام بنك بركات في مقديشو يأملون في استلام المبالغ المالية المحولة إليهم من أقاربهم حيث جمدت أميركا أموال البنك
يذكر الجميع تدخل الولايات المتحدة في الصومال عام 1992 بحجة توفير الحماية العسكرية للمساعدات الإنسانية. ومن المعلوم أن ذلك التدخل تم في عهد جورج بوش الأب، ونعرف جميعا أن تدخلها في ذلك الوقت لم يكن لما أعلنته وإنما كان لهدفين أساسيين:

  • أولا- مساندة الوضع المخلخل في إثيوبيا وحمايته من أي ضربات محتملة من الجماعات التي لا تؤمن بإثيوبيا وتطالب بالاستقلال. وقد كانت المعادلة في ذلك الوقت هي التضحية إما بإثيوبيا أو الصومال بعد انهيار النظام الشيوعي في البلدين والفوضى التي دبت فيهما، وكان من المتوقع أن تتفتت إثيوبيا إلى دول وجماعات خاصة إذا نهضت حكومة قوية في الصومال تدعم الصوماليين الإثيوبيين الذين يطالبون بالاستقلال عن إثيوبيا حتى هذه اللحظة.
  • ثانيا- أحلام أميركا ومحاولتها لإيجاد موطئ قدم لها في شرق إفريقيا وخاصة على سواحل البحر الأحمر وبحر العرب وهي طموحات تاريخية يعرفها الجميع، الغرض منها الالتفاف على العالم الإسلامي ومحاصرته وخاصة دول الخليج وشمال إفريقيا. وقد كان تدخلهم في الصومال حين ذاك محاولة جادة في هذا الاتجاه خاصة بعد سقوط نظام سياد بري ومواتاة الفرصة لهندسة الخارطة السياسية في الصومال. وقد حققوا الهدف الأول حين ذاك وهو مساندة الوضع في إثيوبيا ولكنهم لم يتمكنوا من تحقيق الهدف الثاني وترتيب الوضع في الصومال حسب رغبتهم وخرجوا وهم يعانون من ضربات المقاومة الصومالية.


ما حصل في أفغانستان ليس تدميرا للقاعدة ولا إزالة لنظام طالبان بقدر ما هو إيجاد قاعدة لأميركا في وسط آسيا.. وإن حصل في الصومال فلن يكون إزالة للاتحاد الإسلامي الصومالي أو أي تنظيم آخر لا تريده أميركا بقدر ما هو محاولة لإيجاد قاعدة أميركية للتحكم في المنطقة
واليوم يعيد التاريخ نفسه وسيتدخل الأميركان في الصومال، وهذه المرة أيضا لمساندة الوضع في إثيوبيا ولإيجاد موطئ قدم لهم على سواحل البحر الأحمر والمحيط الهندي. وذلك بالإسهام في إضعاف الحكومة الصومالية الجديدة المتهمة رسميا من قبل إثيوبيا حسب تصريحات وزير خارجيتها بأن لها علاقة مع الإرهابيين وأنه يسيطر عليها رجال أعمال شركات الصرافة والاتصالات الموالين للتوجه الإسلامي، وأميركا تشاطرها هذا الاعتقاد، ولذا فإنه لا بد إن أمكن من ترويض هذه الحكومة لتتخلى عن العناصر المشبوهة وتضم العناصر المرغوبة أو إزالتها. إنه لا يرضى أميركا أن تقوم في الصومال حكومة قوية وشعبية ليس لها فيها يد ونحن لا نزعم أن في الصومال الآن حكومة قوية وشعبية ولكن هناك اللبنة والبوادر الجيدة. فهذه السنوات من الحروب الأهلية والتمزق أنشأت جيلا جديدا من الصوماليين تعود الحرية في التعبير وممارسة الأنشطة المدنية ولا يمكن إسكاتهم بفوهة البنادق. وأميركا تخشى أن تتأسس في هذا البلد حكومة مارقة حسب تعبيراتها السياسية الجديدة وعندها تفقد منطقة إستراتيجية جدا.

وما حصل في أفغانستان ليس تدميرا للقاعدة ولا إزالة لنظام طالبان بقدر ما هو إيجاد قاعدة لأميركا في وسط آسيا حيث تكون الدول الإسلامية في جنوب آسيا ووسطها على مرمى حجر. وإن حصل في الصومال لن يكون إزالة للاتحاد الإسلامي الصومالي أو أي تنظيم آخر لا تريده أميركا بقدر ما هو محاولة لإيجاد قاعدة أميركية للتحكم في المنطقة.

إضافة إلى أن أميركا تعاني من هزيمة نفسية جراء الضربات التي لحقت بها إبان تدخلها في الصومال عام 1992، وقد اتهمت حينها تنظيمات إسلامية بالضلوع في تلك الضربات، لذا فإنه لا تستبعد رغبة أميركا في الانتقام لاستعادة هيبتها. وعلى الرغم من وجود دلائل على إمكانية تدخل أميركا في الصومال إلا أن هناك أيضا مؤشرات قد تدعو أميركا إلى تأجيل هذه الضربات أو تعليقها في الوقت الراهن على الأقل.

- فالحملة الأميركية على أفغانستان لم تخلص إلى نتائج واضحة بعد ويصعب القول إنها تمكنت من تدمير تنظيم القاعدة أو إنها تمكنت من تأسيس حكومة أفغانية موالية لها فضلا من أن عدم قبضها على بن لادن ومعاونيه أضاع نشوة النصر وهناك احتمالات كبيرة باندلاع حرب عصابات في المستقبل.

- بالإضافة إلى ذلك فإن التحالف الغربي بقيادة أميركا ليس متحمسا معها في توسيع نطاق هذه الحرب في الوقت الراهن على الأقل.

- والحكومة الصومالية ذهبت إلى أقصى حد ودعت الأميركيين لزيارة الصومال والاطلاع على الوضع عن كثب.

كل هذه العوامل ربما تدعو أميركا إلى التريث في الأمر وانتظار فرصة أفضل ، ولكن من اليقين أنهم سيتدخلون في هذا البلد إذا وجوا أن الفرصة سانحة لأن المسألة ليس مسأل الاتحاد أو تنظيم القاعدة وإنما أكبر من ذلك بكثير وهذا معلوم للجميع.

دور دول الجوار

الدول التي تشترك في حدود برية مع الصومال هي إثيوبيا وكينيا وجيبوتي. وفي ما يتعلق بجيبوتي فالواضح أنها دولة لا حول لها ولا قوة ولا تستطيع الانفراد برأي أو دور معين. أما كينيا فلا تعترض إن لم ترحب بأي تدخل أميركي في الصومال لا يمس مصالحها. ولن تذهب إلى حد المشاركة الكاملة مع الأميركان في حملتهم.

وتبقى إثيوبيا اللاعب الأساسي وذلك بحكم الموقع الجغرافي والكثافة السكانية وأكثر من ذلك النظام السياسي الذي له حساباته الخاصة. إثيوبيا دولة شرقية تقع جغرافيا في إفريقيا بل بالقرب من الجزيرة العربية وأكثر من نصف سكانها مسلمون، وهذه حقيقة يعلمها الجميع، ولكن ما لا يعلمه الكثيرون هو أن الأنظمة السياسية المتعاقبة على هذه البلد تغافلت عن هذه الحقيقة ووضعت البلد سياسيا على الخارطة الغربية ظنا منها أن تقاربها مع الغرب سيحميها من أي خطر على وجودها كجزيرة محاطة ببحر من المسلمين. هذا التوجه للسياسة الخارجية الإثيوبية على مدى قرن أدى إلى جفاء بل وفي بعض الأحيان إلى توتر العلاقات الإثيوبية العربية.

وقد جاءت الحملة الأميركية في وقت ساد الاعتقاد فيه بقرب سقوط النظام الحاكم في إثيوبيا بسبب الانشقاقات الداخلية بين صفوف الحزب الحاكم وضغط من الجبهات المعارضة في الخارج لإزالة النظام. وتقول بعض التقارير إن الحكومة الأميركية مارست ضغوطا شديدة على رئيس الوزراء الأثيوبي عند زيارته لأميركا قبل أحداث 11 سبتمبر/ أيلول لحل خلافه مع المعارضة وإعادتها إلى البلد. لذا فإن ما حصل في سبتمبر/ أيلول وما تبعه من الحملة الأميركية يعتبر فرصة ذهبية لإثيوبيا لخلط الأوراق واتهام المعارضين الأوروميين والصوماليين الموجودين في المناطق الحدودية بين الصومال وإثيوبيا وكينيا بالإرهاب ومحاولة تصفيتهم. وبهذا تكون قد ضربت عصفورين بحجر، وذلك بإضعاف معارضيها وتقديم خدمة لأميركا تمتن بها للحصول على المساعدات. بل إنها قد حصلت فعلا على مساعدات مالية ضخمة من أميركا لمحاربة ما يسمى بالإرهاب. بالإضافة إلى ذلك فإن إثيوبيا ليست راضية عن تشكيلة الحكومة الصومالية لأنها وحسب تصريحات وزير الخارجية ومسؤولين آخرين حكومة لها علاقة مع الإرهابيين ولا تمثل المعارضة الصومالية الموالية لإثيوبيا، وقد أظهرت أديس أبابا معارضة شديدة لهذه الحكومة في مناسبات عدة وأي حملة أميركية على الصومال ستكون فرصة للمساهمة في إضعاف الحكومة الصومالية الحالية وإعادة تشكيلها على طريقة ترضيها وترضي أميركا. لذا فإن إثيوبيا ستشارك وبكل قوة في أي ضربة أميركية على الصومال في ما لو حصلت. بل إن إثيوبيا قد استبقت الأحداث وعززت قواتها على الحدود الشرقية والجنوبية وأدخلت بعض جنودها فعلا إلى الصومال بدعوى ملاحقة الإرهابيين في "بونت لاند"، وبدأت بحملة إعلامية لهذا الغرض منذ الوهلة الأولى من حديث أميركا عن حملتها على الإرهاب.

دور المعارضة الصومالية

تتكون المعارضة لهذه الحكومة من عدة فصائل أهمها مجموعة عيديد وعبد الله يوسف وجمهورية أرض الصومال. وفي ما يتعلق بجمهورية أرض الصومال فإن معارضتها ليست للحكومة الحالية فحسب وإنما لأي حكومة مركزية تحاول إعادتها إلى الصف عنوة ودون ضمانات قوية، ودأبت بالنأي بنفسها عن نزاع الفصائل الجنوبية في إيحاء مستمر بأن نزاع الجنوبيين لا يهمها. والآن ورغم العلاقات الوثيقة مع إثيوبيا فإنها لا تذهب إلى حد مشاركة أميركا وإثيوبيا في حملتهما على الصومال. وفي الوقت نفسه ربما دفعت الوعود الإثيوبية باعتراف محتمل وبمساعدات مالية كبيرة هذه الحكومة إلى المساهمة والمشاركة في هذه الحملة ولو بصورة رمزية.


إن تصرفات هذه المعارضة الصومالية هي صورة طبق الأصل من تصرفات التحالف الشمالي حيث تكرر في تصريحاتها تأكيد وجود قواعد للتنظيمات الإرهابية في الصومال ودعوة الحكومة الأميركية لضربها وأنها مستعدة لمشاركة أميركا في هذه الضربة
أما المعارضة الجنوبية وهي فصائل عيديد وعبد الله يوسف والمنضوون تحت لواء مجلس المصالحة الوطنية فليست أفضل حالا من التحالف الشمالي في أفغانستان. هذا المعارضة أولا وقبل كل شيء صناعة إثيوبية وتتفق مع إثيوبيا في التخوف من الحالة الإسلامية الموجودة في الصومال وهي مدفوعة من إثيوبيا إلى عدم التنازل عن هذا الموقف، وهناك وعود أميركية بدعم هذه المعارضة وتنصيبها فيما لو أسهمت في القضاء على التنظيمات الإرهابية التي يدعون وجودها في الصومال.

لذا فإن المعارضة الصومالية الموالية لإثيوبيا والتي ليس لها تمثيل في الحكومة الصومالية الحالية، ولا تريد أصلا الاشتراك في حكومة يرون أن للإسلاميين فيها يدا، هذه المعارضة تخشى أن يفوتها القطار ويأتي اليوم الذي تشكل فيه هذه الحكومة خطرا فعليا على وجودها مع مرور الأيام. وعليه فإن خيارا إستراتيجيا لهذه المعارضة أن تستثمر الضربات الأميركية المتوقعة وتدخلها لترتيب البيت الصومالي لتنال نصيب الأسد من استحقاقات هذا الترتيب. بل إن تصرفات هذه المعارضة هو صورة طبق الأصل من تصرفات التحالف الشمالي حيث تكرر في تصريحاتها تأكيد وجود قواعد للتنظيمات الإرهابية في الصومال ودعوة الحكومة الأميركية لضربها وأنها مستعدة لمشاركة أميركا في هذه الضربة!!.

سيناريوهات المستقبل

يتضح من الحيثيات السابق ذكرها أن هناك احتمالات توجيه ضربات أميركية إلى الصومال، ولكن أيضا في المقابل هناك دلائل تشير إلى أن هذه الضربات قد تؤجل على الأقل في الوقت الحالي. وفي كل الأحوال من المفيد تلمس بعض الإشارات التي تنبئ عن المنحى الذي ربما تتخذه الأحداث في الأيام المقبلة.

  • بالنسبة لأثيوبيا
    إذا لم تحصل الضربات الأميركية المتوقعة، وهذا الذي ما نرجوه، فإن ذلك سيكون خيبة أمل بالنسبة لإثيوبيا لأن حصول الضربات أمنية تتمناها إثيوبيا لأهدافها وحساباتها المذكورة من قبل. وهذا لا يعني أنها ستقف مكتوفة الأيدي بل إنها وكما ذكر وزير خارجيتها ستحاول معالجة الوضع بنفسها سواء تدخلت أميركا أو لم تتدخل، لذا فإنها ستحاول التحالف مع المعارضة وتمويلها وحثها على عدم الانخراط في الحكومة المركزية.
  • بالنسبة للمعارضة
    أما المعارضة فليس أمامها إلا خياران هما
    أولا: التمسك بالدور الحالي، وذلك بمحاولة تقوية مجلس المصالحة الوطني الذي أسسته ومعارضة الحكومة المركزية لإفشال خططها لبسط نفوذها.
    ثانيا: اللجوء إلى استخدام محدود للقوة، كما فعلت مع شيوخ القبائل الذين عقدوا لقاءات مع الحكومة حول المصالحة الوطنية، وفي هذه الحالة قد يعود الصومال إلى نقطة الصفر ولكن من المستبعد أن تلجأ المعارضة إلى المواجهة الشاملة إلا إذا كانت هناك دفعة خلفية من إثيوبيا وأميركا أو أحست هذه المعارضة أن وجودها أصبح في خطر إذا استطاعت الحكومة فرض سيطرتها بمرور الأيام.

وعليه يمكن تلخيص الخط الذي يمكن أن تسير عليه الأحداث في ما لو قررت أميركا تعليق ضرباتها أو التخلي عنها أو تعليقها إلى حين على النحو التالي:

  1. استمرار الوضع في الصومال على ما هو عليه من التجاذب بين الفصائل المتنافسة.
  2. محاولة إثيوبيا التأثير على الوضع من خلال حلفائها من المعارضة والتدخل عسكريا في حدود الضرورة.
  3. محاولة الحكومة الصومالية بسط نفوذها على كامل التراب الصومالي ولم الشمل.
  4. تحالف أميركي إثيوبي لمحاولة إقناع الحكومة الصومالية الحالية سلميا بالابتعاد عن الشخصيات والمؤسسات المشبوهة من وجهة نظرهم أو السعي في إزالة هذه الحكومة بالقوة إن فشلوا في الإقناع واستبدالها بالقوى المعارضة. هذا في ما لو لم تحصل الضربات الأميركية.

أما لو حصلت هذه الضربة فإن هناك سؤالا مهما جدا، الإجابة عليه تعين كثيرا على تحديد منحى الأحداث، وهذا السؤال هو هل ستكون الضربة محدودة لمواقع محددة يشتبه الأميركان أن فيها معسكرات تدريب كما يدعون أم أنها ستكون حملة شاملة على غرار ما حدث في أفغانستان؟.

فإذا قرر الأميركان توجيه ضربة محدودة لمواقع محددة فإن ذلك قد يخلط الأوراق على الحكومة الصومالية والجماعات المتعاونة والمتحالفة معها. ذلك لأن مثل هذه الضربة المحدودة توحي بأن هناك جهة معينة مستهدفة لأنها ضالعة في الأعمال الإرهابية التي لحقت بأميركا وبأن الحكومة الصومالية ليست مستهدفة لذا فلا داعي لمقاومتها، بينما تكون هناك أطراف أخرى في الحكومة وأعوانها ممن يقول بعكس ذلك مما قد يفضي إلى خلق خلاف في صفوف الحكومة وبالتالي قد يؤدي إلى سقوطها ومن ثم استغلال أميركا للوضع ومحاولة جمع الفصائل الصومالية وإيجاد حكومة من نوع ما.

ومن ناحية أخرى كون الضربات محدودة قد يساعد الحكومة على النجاة من السقوط مما يغلق الباب على أميركا وإثيوبيا والمعارضة على حد سواء في التخلص من العدو الذي صنعوه بأنفسهم وهو الحكومة الصومالية.

أما إذا قرر الأميركان شن حملة شاملة وتدخلا قويا كما حصل عام 1992 فأعتقد أنها ستكون أولا كارثة إنسانية حيث تتدفق موجة من اللاجئين إلى الدول المجاورة، وثانيا سيتم إزالة الحكومة الصومالية الضعيفة أصلا وتنصيب حكومة هزيلة وموالية لأميركا كما حصل في أفغانستان أو أسوأ وثالثا وهذا الذي تخاف منه أميركا فستكون هناك مقاومة شعبية لهذا التدخل. ولكن الواضح هو أن أميركا لن تلجأ إلى التدخل الشامل في محاولة إسقاط الحكومة الحالية، لأنه حتى الآن ليس هناك عداء علني وواضح بين الحكومة الصومالية والأميركية، بل إن الحكومة الصومالية طلبت من الأميركان زيارة الصومال والاطلاع على الوضع عن كثب، ولم تعلن الحكومة الأميركية إلى الآن أنها تستهدف الحكومة الحالية كما هو الحال في أفغانستان لذا فإن المرجح أن تكون الضربات الأميركية إن حصلت محدودة.

رد الفعل العربي والإسلامي المتوقع


حتى لو كانت هناك دولة عربية أو إسلامية تريد اتخاذ موقف ما يخالف رأي أميركا بشأن أي عمليات عسكرية بالمنطقة فإنها واقعيا لا تستطيع ذلك لأنها ستكون وحيدة وفريسة سهلة للغضب الأميركي وستكون درسا للآخرين

وفي جميع الظروف لا يمكن توقع أي رد أو حتى استنكار أو تنديد رسمي وواضح من العالم العربي والإسلامي على أي عمل تقوم به أميركا في المنطقة الآن في إطار ما يعرف بالحرب ضد الإرهاب. ذلك أن الكثير من الأنظمة العربية مشغولة بتداعيات الوضع داخل بلدانها. ومن ناحية أخرى فإنه حتى لو كانت هناك دولة عربية وإسلامية تريد اتخاذ موقف ما يخالف رأي أميركا فإنها واقعيا لا تستطيع ذلك لأنها ستكون وحيدة وفريسة سهلة للغضب الأميركي وستكون درسا للآخرين.
وطبعا سيكون هناك نوع من التحرك العربي والإسلامي المعهود المتمثل في شكل تحركات دبلوماسية على استحياء لاستعطاف أميركا وإثنائها عن اتخاذ قرار بضرب الصومال ولكن هذه التحركات لن تثني أميركا عن خططها.

_______________
* كاتب إثيوبي مختص في القرن الإفريقي

المصدر : الجزيرة