عبد الحليم غزالي

ليس الأمر مجرد خطب على مسرح الكلمات المزدهر في بلد لا يمل الكلام, ولا مشاهد تعد بإتقان لجذب مواطن عادة ما يشغله حصاده اليومي أو الشهري من الليرات المتأرجحة القيمة عن المعارك الأزلية للنخبة, ما حدث تجاوز الجلبة الكثيرة و التصعيد الإعلامي الممنهج, بل وأبعد من استدعاء شارع لضرب الديمقراطية تحت غطاء الحفاظ على مبادئ الدولة وأسسها، فضلا عن تجيير الشرعية في معركة سياسية.

ما جري قبل أيام قلائل في تركيا يغترف من البعيد العميق، ويهدد بتخريب المستقبل، طالما أن نقطة المصالحة التاريخية التي بدت في الفترة الأخيرة قريبة، عادت لتفر أمام مجسم أزمة مزمنة شاخت عمرا ونضرت وجها، والأخطر هو السعي لتحطيم ما بدا أنه نتاج حقبة استبصار بأولوية التقدم الوطني على الرغبة في مواصلة تصفية فاشلة للآخر.

نحن بالفعل في تركيا التي تعيد إنتاج نفسها في صور جديدة، وأشكال أخرى لكن المضمون لم يتغير مما يعني أنها تنتقل من"ردة" عن الديمقراطية إلى أخرى بذات المعدل القديم كل عشر سنوات تقريبا.

"
تركيا تعيد إنتاج نفسها في صور جديدة وأشكال أخرى لكن المضمون لم يتغير مما يعني أنها تنتقل من "ردة" عن الديمقراطية إلى أخرى بذات المعدل القديم كل عشر سنوات تقريبا
"
الجيش يصنع انقلابا أبيض آخر على غرار ما فعل عام 1997 ضد حزب الرفاه الإسلامي الذي خرج من عباءته حزب العدالة والتنمية الطرف الثاني في المعركة الراهنة.

الانقلاب هذه المرة نفذته المحكمة الدستورية بالوكالة عن الجنرالات بإصدارها حكما بإلغاء نتائج الجولة الأولى من الانتخابات بدعوى عدم حضور ثلثي النواب.. حكم أخطر ما فيه أنه كان متوقعا رغم تفنيد جل أساتذة القانون المخضرمين في تركيا له حيث لا يستند إلى نص دستوري، ولا أعمل فيه منهج القياس.

بل إن هذا الحكم صدر تلبية لمماحكة سياسية من حزب الشعب الجمهوري المعارض الضعيف الذي ركب موجة رفض دخول الحجاب قصر وبيت مؤسس الجمهورية التركية مصطفى أتاتورك.

مثلث علماني وزع الأدوار بجدارة، الجيش أوحى، والحزب حمل الطلب، والمحكمة الدستورية أطلقت رصاصة المنع، ديناميكية تخصم من رصيد الأطراف الثلاثة، بل ومن مشروع التغريب الأتاتوركي الذي تظهر هذه الأطراف دفاعها عنه، لأن جوهره الديمقراطية ومبدأ العلمانية بمعنى فصل الدين عن الدولة كما هو معلن في حين أنه تجلى في الكثير من الممارسات حربا من الدولة على الدين.

وفي أخرى تبدى استقواء منها به لمواجهة الآخر الأيدولوجي والجغرافي والثقافي، الآخر المطلوب استيلاده من الذات المرفوضة باسم التخلف والرجعية، في معادلة تناقضية تقتنص طابعها التركي بامتياز.

فالدولة ذاتها هي التي استدعت الدين لمحاربة الشيوعية في حقبتي السبعينيات والثمانينيات، والعسكر ذاتهم هم الذين حطموا بعض ما دشنه أتاتورك من ممارسات لحصر الدين في النفوس، وسمحوا للمتدينين بالخروج للشارع، بل وتلبس أحزاب سياسية للدين قولا وفعلا، كما أن النخبة العلمانية ترتدي عباءة الدين عندما تفسر النهج الإقصائي للأوروبيين تجاه تركيا.

وهناك من رموزها من قاد حملات للدفاع عن الدين ضد أنشطة تبشيرية مسيحية في إطار عملية "أَورَبَة" يبدو الدين عامل ممانعة لها، على غرار ما فعل رئيس الوزراء التركي الراحل والزعيم السابق لحزب اليسار الديمقراطي بولنت أجاويد عندما استصرخ الحكومة ذات الجذور الإسلامية لمواجهة الحملات التبشيرية قبل حوالي عامين.

بل إن زوجته رهشان (هانم) اتهمت هذه الحكومة بغض النظر عن هذه الحملات التي صورتها مع زوجها على أنها تستهدف تحويل كل مسلمي تركيا إلى مسيحيين كحل لإشكالية الممانعة التي تطرح نفسها في التعامل مع الحلم الأوروبي.

"
من أعراض الخلل و"الرجعية" السياسية في المنتج الأخير للتجربة التركية، استخدام حزب الشعب الجمهوري والنخبة العلمانية للشارع للاعتراض على فعل ديمقراطي هو انتخاب رئيس من حزب يمتلك الأغلبية التي تؤهله لذلك
"
ومن أعراض الخلل و"الرجعية " السياسية في المنتج الأخير للتجربة التركية، استخدام حزب الشعب الجمهوري والنخبة العلمانية للشارع بحشد مئات الآلاف من الأتراك للاعتراض على فعل ديمقراطي هو انتخاب رئيس من حزب يمتلك الأغلبية التي تؤهله لذلك.

والمؤسف أن المشاركين في التظاهرات حتى لو بلغ عددهم المليونين كما ادعى منظموها، يمثلون الأقلية وليس الأغلبية، وكان بإمكان حزب العدالة والتنمية استنساخ المشهد الأوكراني بتسيير مظاهرات مماثلة، وربما أكبر حجما وأعلى صوتا، وأكثر رايات وشعارات، لكنه آثر عدم تحويل الشارع لساحة لمعركة سياسية خشية عدم السيطرة عليه، كما أنه تجنب تحويل نفسه للآخر المحدد من قبل العلمانيين وهو المناهض لمبادئ الدولة المعادي للعلمانية.

ومهما قيل في سياق تهويلات خطابية مستهلكة فإن صور الأعلام الحمراء ذات الهلال والنجمة الأبيضين في شوارع إسطنبول لا يمكن أن تغتصب مكانة الأغلبية.

فحسب استطلاعات أشرفت عليها مؤسسات أوروبية، فإن 65% من الأتراك متدينون يمارسون فرائض الإسلام وذات النسبة تقريبا من النساء محجبات، وكما قال علي برداك أوغلو رئيس إدارة الشؤون الدينية التابعة للدولة فتركيا ليست ميداني "تقسيم" و"كيزلاي" معلمي إسطنبول وأنقرة الشهيرين. تركيا الأخرى يقدر عدد أنصار الطرق الصوفية فيها بالملايين، وعدد مرتادي المساجد أكبر بكثير بالقياس للمترددين على الملاهي، بغض النظر عن انحياز الجيش والقضاء و الإعلام لثقافة الأقلية التي يضعفها تمترسها وراء الدبابة والسطوة الأبوية لأتاتورك، وهو ضعف فضحته صناديق الاقتراع في انتخابات 2002 والمرجح أن تعيد الانتخابات المبكرة التي ستجري قريبا تأكيده.

غير أن متتاليات تركيا صعبة الكسر حتى مع وصول الإسلاميين المعتدلين المجددين للسلطة، فقد نجح حزب العدالة والتنمية في تحقيق إنجازات واضحة وكسر محرمات عدة، لكنه لم يستطع حتى عندما كان يمتلك أغلبية الثلثين في البرلمان أن يزيح محرم الحجاب.

كان بإمكانه نظريا على الأقل إلغاء الحظر المفروض على ارتدائه في الجامعات وبين الموظفات في مؤسسات الدولة، لكن الخوف التاريخي من غضب الجيش قتل المبادرة في بطن الفعل، فبقي الحجاب مظهر صراع الهوية الأول، طالما أن العسكر ومن وراءهم من العلمانيين يرتبون هذه المتتالية: كل محجبة رجعية تناهض الدولة وتكره أتاتورك، ومن يؤيد حجابها من نفس فصيلها.. عداء جرى تعميقه بقوة، وكل مناسبة وطنية فرصة تقليدية للزج به على السطح والترهيب به ومنه.

"
الحجاب ظل مظهرا لصراع الهوية الأول، طالما أن العسكر ومن وراءهم من العلمانيين يرتبون هذه المتتالية: كل محجبة رجعية تناهض الدولة وتكره أتاتورك، ومن يؤيد حجابها من نفس فصيلها
"
غير أن القراءة الأمينة لما يجري في تركيا تستدعي تأمل الطرف الثاني المتمترس وراء صورة المظلوم طوعا أو حتى وهو في السلطة، لقد تبنى حزب العدالة والتنمية على مدار ما يقرب من خمسة أعوام في الحكم منهج المكاسب البطيئة غير الملحوظة، مستغلا الحلم الأوروبي وما صاحبه من إصلاحات كاسحة، لكن الحجاب بقي المقدس المنبوذ حتى في ظل ظهور زوجات رئيس الوزراء ورئيس البرلمان وعدد من الوزراء به في أماكن ما كان يسمح بدخوله لها.

وبعد ما جرى سيلجأ الحزب للعبة اللائمين، خاصة في إطار حملة انتخابية شرسة مع اقتراب اختيار البرلمان الجديد، لكن ثمة ما يدعو للقول بتقسيم اللوم مع الاعتراف بتفاوت النسب.

فقد كان بإمكان هذا الحزب دخول القصر الرئاسي من دون حجاب، لكنه آثر اقتناص فرصة تصفية الحسابات التاريخية مستغلا سلاح الشرعية أيضا.

فالإصرار على ترشيح نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية عبد الله غل للرئاسة فيه تجاهل لحساسية فعل إلحاق الهزيمة بالآخر معنويا في صراع مستعر يقترب عمره من منتصف العقد التاسع، ويبدو أن مئويته ستحل دون أن يتزعزع جوهره .. تركيا المسلمة أم المتغربة!!

لقد ظهر حزب العدالة والتنمية كمحصلة لفشل الإسلاميين المحافظين في تحقيق أهدافهم، وبدا أن رجب طيب أردوغان هو التلميذ النجيب الذي استوعب أخطاء الأستاذ نجم الدين أربكان أبو الأحزاب الإسلامية الذي طرح أفكارا ربما كان من الممكن تنفيذها في أي بلد إلا تركيا.

ومنذ تأسيس الحزب في أغسطس/آب 2001 وأردوغان ورفاقه لايفتؤون يظهرون منهجا توفيقيا، مؤكدين التزامهم بالعلمانية، لكن في اللحظة الحاسمة غاب منطق التنازل، ودخل الحزب معركة اختبار قدرات فشل فيها، لأنها كانت ملونة بتسييس فاقع لا بشرعية مستقرة.

لقد طرح حزب العدالة والتنمية نفسه كتيار مصالحة تاريخية بين الإسلام السياسي والقيم الديمقراطية حتى وإن لم يخلص النوايا للعلمانية التي عادة ما تصاحب الديمقراطية في الخطاب الأتاتوركي التقليدي، غير أنه افتقد روح هذه المصالحة في معركة انتخابات الرئاسة، وكان بإمكان رئيس زوجته حاسرة الرأس مثل وزير الدفاع وجدي غونول رجل القانون المقبول في الأوساط العلمانية أن ينفذ أجندة ملونة، غير أن اللعبة غلبت اللاعب، فسقط منهج الوسطية والمصالحة للمرة الأولى!

"
الإسلاميون المجددون قد لا يكبحون الرغبة في إزالة ألم النبذ والإقصاء بسلاح التفويض الشعبي الذين سيقاتلون من أجل الحفاظ عليه، والمعارضة العلمانية ستحارب من أجل مشروع أتاتورك وأيدولوجيته التي تحولت إلى دين أعلى من الدين في الثابت والموسوس به
"
ولعل الحديث عن إمكانية تجنب ما حدث يدخل في إطار اللاجدوى، ويبقى الأهم هو قابليته للتكرار، فانتخابات الرئاسة قد تواجه ذات المأزق سواء تمت في البرلمان الجديد أو بواسطة الاقتراع الشعبي المباشر، والجيش سيبقى نفسه مراقبا ومحذرا ومرجعية أعلى لمن يتبارون في المشهد السياسي.

ولا يقلل من ذلك بادرة التحدي من حزب العدالة والتنمية، والقضاء يحافظ على دوره كسد في مواجهة الإسلاميين جددا وقدامى، سواء بالدستور والقوانين التي جرى تعديلها لمنع ظاهرة وأد الأحزاب الإسلامية أو من دونها.

والإسلاميون المجددون قد لا يكبحون الرغبة في إزالة ألم النبذ والإقصاء بسلاح التفويض الشعبي الذين سيقاتلون من أجل الحفاظ عليه، والمعارضة العلمانية ستحارب من أجل مشروع أتاتورك وأيدولوجيته التي تحولت إلى دين أعلى من الدين في الثابت والموسوس به.

والمحصلة دورات جديدة من الصراع الذي يضعف ركائز الدولة وبينها الاقتصاد المتعافي من الأزمات، ويبعد تركيا عن دور القوة الإقليمية الكبرى في منطقة تشهد تحولات تختلط فيها التهديدات بالمغانم.

والأسوأ ضرب المشروع الأوروبي الذي خطط له أتاتورك وحمله حزب العدالة على كاهله وحقق منه ما لم يفعله أي حزب علماني، و هذا وجه من وجوه عدة لتناقضات تفاعلات ثنائيات تركيا المثيرة!
ــــــــــــ
كاتب مصري               

المصدر : الجزيرة