ياسر الزعاترة

ياسر الزعاترة

كاتب أردني

- صعود الدور السعودي
- جدل تعديل المبادرة العربية
- ما وراء بث وهم السلام في المنطقة
- تفعيل المبادرة وبث أوهام السلام

في اليوم الذي افتتحت فيه القمة العربية في الرياض (28/3) كتبت صحيفة هآرتس الإسرائيلية في افتتاحيتها تقول: "رغم حقيقة أن إسرائيل غير مدعوة إلى مؤتمر الدول المعتدلة الذي يفتتح في الرياض اليوم، فإن عليها أن تدعم وجوده وتفرح لأن الدول العربية، برعاية دولية، تحرك مسيرات المصالحة مع إسرائيل. دور إسرائيل كمشاهد شكاك ليس مناسبا؛ الجمود في المنطقة سيؤدي إلى سفك الدماء".

كان ذلك قبل صدور مقررات القمة، وحيث كنا لانزال في سياق الجدل المتعلق بتعديل المبادرة خلالها والتأكيدات المتواصلة من السعوديين والأمين العام للجامعة بأن ذلك لن يحدث، فكيف تأكدت هآرتس من أن مسيرات المصالحة ستحث الخطى نحو الدولة العبرية.

وهذا السؤال ينسحب على المحلل الإسرائيلي الشهير بن كسبيت الذي بشر بشيء مشابه سنشير إليه لاحقا، وذلك في مقال صيغ على هيئة أسئلة وأجوبة نشره في صحيفة معاريف قبل القمة بيومين، تحديدا في 26/3، وكان بعنوان "يعدون طاولة المفاوضات".

"
اتفاق مكة بين فتح وحماس يشكل ذروة التحرك السياسي السعودي قبل قمة الرياض، وهو الدليل الأبرز على الحضور الصاعد للمملكة عربيا وإقليميا
"
صعود الدور السعودي
لم تهدأ النشاطات السياسية طوال الأسابيع التي سبقت قمة الرياض؛ ولا نعني فقط جولات وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس، بل أيضا جملة النشاطات المهمة التي كانت توحي من جهة بالهدف الكامن وراء التركيز على المبادرة العربية بشكل خاص، وعلى الملف الفلسطيني بشكل عام، في حين كانت توحي من جهة أخرى بحقيقة أن المملكة العربية السعودية ستكون محور التحركات السياسية، خلافا لواقع الحال السابق، حين كانت مصر هي المحور الدائم.

تابعنا على هذا الصعيد قمة الدول الإسلامية السبع في إسلام آباد، وهي القمة التي كان لافتا بالطبع غياب إيران عنها، فضلا عن سوريا المحسوبة بدورها على المحور الإيراني.

وهي وإن لم يصدر عنها ما يشير إلى تشكيلها لتكتل سني، فإن ما جرى لم يكن بحاجة إلى الكثير من الذكاء لكي يقرأ على نحو واضح، سواء كان متعلقا بالحضور أو المواقف.

وقد كان لافتا أيضا أن زعماء القمة المذكورة قد حضروا قمة الرياض أيضا، (برويز مشرف ورجب طيب أردوغان وعبد الله بدوي) مع العلم بأن وزير الخارجية الإيراني قد حضرها أيضا.

في هذه الأثناء وبعدها كانت الرياض محور تحركات سياسية واسعة النطاق فيما يتعلق بالملف اللبناني الذي فاحت منه رائحة الطائفية على نحو لافت منذ ما بعد الحرب، وربما منذ لحظة أسر الجنديين الإسرائيليين.

وتجلى ذلك في زيارات نبيه بري للمملكة، ثم بدا الموقف أكثر وضوحا إثر زيارة مسؤولين إيرانيين للمملكة لمناقشة الملف وسواه، وقد كان آخرهم وأهمهم الرئيس الإيراني أحمدي نجاد.

جاء اتفاق مكة بين فتح وحماس ليشكل ذروة التحرك السياسي السعودي قبل قمة الرياض، والدليل الأبرز على الحضور الصاعد للمملكة عربيا وإقليميا، وهو اتفاق بدا بالغ الأهمية أنهى جولة من الصدام المسلح بين الحركتين، ووضع الأساس لتشكيل حكومة وحدة وطنية خرجت إلى الواقع بعد ذلك بأسابيع.

لم تكن بعيدة عن هذه الأجواء تلك اللقاءات التي قيل إنها عقدت بين مسؤولين إسرائيليين ومسؤول سعودي (الأمير بندر بن سلطان) بحضور مسؤولين عرب آخرين، الأمر الذي تجلى على نحو أوضح بحضور نفس الأمير للقاء وزيرة الخارجية الأميركية مع مديري مخابرات ما بات يعرف بدول الرباعية العربية (السعودية والأردن والإمارات العربية المتحدة ومصر).

وهذه اللقاءات أكدت على نحو ما أن الفيتو السعودي المتشدد على الاتصالات مع الدولة العبرية قد انكسر بشكل من الأشكال، وإن لم يصل بحال حدود ما تقارفه دول عربية أخرى.

قبل ذلك كله كان تحويل قمة الرياض من شرم الشيخ كما كان متفقا عليه من قبل إلى الرياض هو المؤشر الأولي على قرار المملكة العربية السعودية بالتحرك على نحو أوسع في سياق الملفات العربية والإقليمية، بينما كان النشاط السعودي على صعيد الملف العراقي قبل ذلك مؤشرا آخر على نفس الصعيد.

جدل تعديل المبادرة العربية
من المؤكد أن الجدل الذي أثير حول تعديل المبادرة العربية في قمة الرياض لم يكن عفويا، وأن بعض الإشارات العربية على هذا الصعيد كانت مقصودة إلى حد كبير، سواء تم ذلك بترتيب من قبل البعض مع الأميركان من أجل الدفع في اتجاه التعديل الفعلي، أم تم في سياق الإيحاء بأن الرفض هو صمود مشهود، الأمر الذي سيجعل من السهل الانتقال إلى محطة أخرى تختلف عن التعديل، لكنها في الجوهر تخطو خطوة في اتجاه تحقيق المطالب الأميركية من اللعبة برمتها.

ما ينبغي أن نتذكره هنا هو أن المبادرة العربية التي أقرت في قمة بيروت عام 2002 ليست إعلان حرب على دولة الاحتلال الصهيوني لفلسطين، وإنما هي ترجمة لقرارات ما يسمى الشرعية الدولية الخاصة بالاحتلال الصهيوني للضفة الغربية وقطاع غزة والجولان ومزارع شبعا.

والأسوأ أن البند المتعلق بتطبيق حق العودة أو القرار الدولي رقم 194 لم يكن جديا، وهو بند أضيف تبعا لإصرار سوري لبناني، ولم يشر إلى عودة اللاجئين إلى الأراضي المحتلة عام 48 رغم أنف دولة الاحتلال، بل دعا إلى "حل عادل لمشكلة اللاجئين يتفق عليه، وفقا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194"، والنتيجة أن الأمر سيتم بالتوافق، لكن السلوك الإسرائيلي كان دائم الميل إلى تجريد الخصم من كل شيء إلى درجة الفضيحة.

معلوم أيضا أن الإسرائيليين لم يتحدثوا عن تعديل هذا البند فقط، وإنما طالبوا بتعديل يتحدث عن التطبيع قبل السلام، إضافة إلى تعديل يتعلق بمدى الانسحاب كي لا يكون حدود الرابع من حزيران، ونحن نعلم أن عرفات رحمه الله كان قد وافق على ذلك كله أثناء قمة كامب ديفد، حيث وافق على اقتصار عودة اللاجئين إلى أراضي السلطة، كما وافق على تبادل الأراضي.

أما التطبيع فكان قد وقع أصلا بين كثير من الدول العربية والدولة العبرية، لكن ذلك لم يكن كافيا كي يحصل على ما يحفظ ماء الوجه من حمائم الدولة العبرية في حينه، فكيف يمكن للفلسطينيين أن يحصلوا عليه اليوم من صقورها، ومن قيادات مرتبكة مثل أولمرت، خليفة شارون في حزب كاديما، صاحب مشروع الدولة المؤقتة على قطاع غزة وأقل من نصف الضفة الغربية، كان ولايزال؟!

"
لو كان التنازل عن حق العودة وعن التشدد في حدود الرابع من حزيران كافياً لما تردد محمود عباس في الموافقة ولما كانت ثمة حاجة إلى قتل ياسر عرفات، لكن ما يجري هو محض استدراج وفتحة عداد
"
ما وراء بث وهم السلام في المنطقة
أشرنا إلى ما سلف فقط من أجل التذكير بأن تعديل المبادرة العربية على النحو الذي طالب به الإسرائيليون لم يكن ليجعل الطريق سالكا نحو التسوية، ولو كان التنازل عن حق العودة وعن التشدد في حدود الرابع من حزيران كافيا لما تردد محمود عباس في الموافقة، ولما كانت ثمة حاجة إلى قتل ياسر عرفات.

لكن ما يجري هو محض استدراج وفتحة عداد من أجل استئناف مسيرة تسوية توحي بوجود عملية سلام جارية في المنطقة من أجل تهدئة الملف الفلسطيني، وبالطبع من أجل التفرغ للملف العراقي والتحضير للعدوان العسكري على إيران لحساب الأجندة الإسرائيلية.

والحال أن انسجام القيادة الإسرائيلية مع برنامج التهدئة الأميركي المشار إليه لا ينبع فقط من الحاجة الإسرائيلية الإستراتيجية (تدمير البرنامج النووي الإيراني والنجاح في العراق كي لا يؤثر الفشل على نفوذ وهيبة الولايات المتحدة ومصالح الدولة العبرية تبعا لذلك)، وإنما من الحاجة التكتيكية أيضا، إذ مازالت الدولة العبرية تعيش تخبطا سياسيا وعسكريا بسبب الهزيمة في لبنان، فيما يغيب القادة الكبار القادرون على لملمة الموقف، مما يعني الحاجة إلى تكريس التهدئة القائمة مع الفلسطينيين من أجل الخروج من مأزق الأوضاع الداخلية المتردية.

من هنا تتبدى أهمية الربط الذي أشرنا إليه آنفا بين مختلف حلقات النشاط السياسي في المنطقة، لكن الجانب الذي لا يقل أهمية هو المتعلق بانسجام الوضع العربي، لاسيما الرباعية العربية مع هذه الفكرة القائمة على تهدئة الملف الفلسطيني من أجل أن تبادر الولايات المتحدة إلى معالجة الملف النووي الإيراني، بدليل الحشد الطائفي الذي يجتاح المنطقة من أجل عزل إيران تمهيدا لضربها.

والخلاصة تتمثل فيما ذهب إليه دبلوماسي أميركي من أن بعض الدول العربية تريد التخلص من الصداع الإيراني بالسلاح الأميركي، الأمر الذي لا يتعلق بالسلوك الإيراني الطائفي في العراق فحسب، وإنما بعموم المشروع الإيراني الإقليمي بحسب ما تفهمه تلك الدول.

ما ينبغي أن يقال تبعا لذلك هو أن الجانب الأهم من الحراك السعودي على وجه الخصوص (قد يختلف الموقف بالنسبة لآخرين) لا يتم بالضرورة لحساب الأجندة الأميركية، وإنما ينطلق من رؤية معينة (خطر المشروع الإيراني)، بصرف النظر عن مدى صوابها (الحوار مع إيران حول جملة الملفات الشائكة هو الصحيح من وجهة نظرنا).

صحيح أننا إزاء حراك يخدم الأجندة الأميركية في طبعتها الإسرائيلية بحسب ما يراه المحافظون الجدد، لكن تقديرات هذه الفئة الأخيرة كانت بائسة على الدوام، ولن تكون غير ذلك هذه المرة.

ويبقى ملف الحشد الطائفي الذي يصعب التكهن بأضراره على المنطقة برمتها، مما يعني أن على الدول العربية أن تكون أكثر حذرا في التعامل معه.

تفعيل المبادرة وبث أوهام السلام
لا شك أن قرار القمة بتفعيل المبادرة العربية يشكل العنوان الأبرز لعملية بث أوهام السلام في المنطقة، وهي اللعبة التي لخصها المحلل الإسرائيلي بن كسبيت في صحيفة معاريف بجملة من التوجهات أبرزها ما أسماه مؤتمر العشرة الذي سيعقد في أبريل/نيسان الجاري بمشاركة الرباعية العربية (السعودية والأردن والإمارات العربية المتحدة ومصر) مع الرباعية الدولية (أميركا والاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة)، إضافة إلى الدولة العبرية والرئيس الفلسطيني. وفي هذا السياق تبدأ الاتصالات الثنائية والجماعية بين العرب والدولة العبرية.

وفي حين يرى البعض أن مسألة حق العودة ستشكل معضلة، كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية أن تفاهما أميركيا سعوديا إسرائيليا قد تم على تعويض من يختارون البقاء في الدول المضيفة، وعودة الباقين إلى مناطق السلطة.

ويبقى أن الموافقة السعودية على اتصالات مباشرة مع الدولة العبرية لاتزال موضع شك، لاسيما في ضوء الموقف الإسرائيلي الرافض للمبادرة العربية بصيغتها الحالية.

على أن المؤتمر المذكور ليس هو الصيغة الوحيدة المتاحة، فهناك الاتصالات المتوازية أو الثنائية التي تحدثت عنها وزيرة الخارجية الأميركية.

"
القضية الفلسطينية ستدفع ثمن اللعبة الجديدة بإدخالها في متاهة جديدة تشبه متاهة أوسلو السابقة، في حين يدرك الجميع حقيقة النهاية القادمة في ظل معادلة إسرائيلية ترى فيما عرض في كامب ديفد عام 2000 تنازلا لا يمكن احتماله
"
المهم هو أن تبدو المنطقة في حالة حراك سياسي سلمي، وتتواصل التهدئة القائمة، ويكون بوسع الأميركان أن يتفرغوا أكثر للملف العراقي والإيراني.

وعموما فإن ما يقال حول الأفكار التي سيتم طرحها والمواقف الإسرائيلية والعربية منها، إنما هو محض تمرين من أجل الشروع في التفاوض، والإسرائيليون بدورهم بارعون في مط اللعبة على نحو يستغرق شهورا وأعواما من دون نتيجة.

تبقى معضلة حماس في هذه اللعبة، وهنا يبدو أن الحركة لن تكون في وارد تحدي هذا المسار، وهي المعنية باستمرار الحكومة وقدرتها على فك الحصار، الأمر الذي سيتم بشكل من الأشكال، أقله عن طريق الدعم العربي الذي أكدت عليه قمة الرياض، لاسيما الدعم السعودي المتوقع، مع العلم بأن الأميركان والأوروبيين قد يستأنفون المساعدات بطريقتهم الخاصة بعيدا عن وزراء حماس.

لكن ذلك لن يعني نهاية المطاف، إذ ستتواصل لعبة استدراج حماس نحو مواقف جديدة، بحسب نصائح جماعة السلطة، وربما بعض رموز حماس المندلقين على اللعبة السياسية، كما هو حال بعض المستشارين والوزراء هنا وهناك.

ولا شك أن الإصرار على تقوية الحرس الرئاسي بالدعم الأميركي هو جزء من اللعبة، أعني لعبة الابتزاز، من دون استبعاد فكرة التحضير لجولة جديدة ربما تكون قادمة بحسب التطورات، وحيث لا يستبعد الإسرائيليون أنفسهم خوض مواجهة جديدة مع حماس في قطاع غزة، وهو ما يعتمد أيضا على التطورات الإقليمية.

لكن مضي لعبة الاستدراج والتشويه حتى الانتخابات القادمة يبقى الأفضل بالنسبة للجميع ما دام الهدف هو استمرار التهدئة من أجل الداخل الإسرائيلي، ومن أجل التفرغ الأميركي للعراق وتحضيرات العدوان على إيران في حال ما إذا أصرت على برنامج التخصيب.

هكذا تبدو المنطقة برمتها في وضع انتظار لما سيجري بين الولايات المتحدة وإيران، في حين تبدو بعض الدول العربية المعنية بالخطر الإيراني أكثر من خطر المشروع الأميركي الصهيوني في حال من الاستنفار من أجل تسهيل الضربة العسكرية، ليس فقط بتعزيز الحشد الطائفي ولعبة عزل إيران عن محيطها العربي والإسلامي، وإنما أيضا، وهو الأهم، بتهدئة الملف الفلسطيني.

وما من شك في أن إيران بسلوكها الأرعن في العراق مازالت تساهم في تعزيز عزلتها، في وقت ينبغي عليها فيه أن تدرك أن الجماهير لا تأتمر بأمر أنظمتها، ولو لم يكن الموقف مقنعا بشكل من الأشكال، لما كان عزلها يسيرا بحال.

هنا يمكن القول إن القضية الفلسطينية ستدفع ثمن هذه اللعبة بإدخالها في متاهة جديدة تشبه متاهة أوسلو السابقة، في حين أن الجميع يدرك حقيقة النهاية القادمة في ظل معادلة إسرائيلية ترى فيما عرض في كامب ديفد عام 2000 تنازلا لا يمكن احتماله.

في المقابل يبدو من حق الكثير من المحللين أن يكونوا واثقين من أن المخطط الأميركي الإسرائيلي لن يمر، لأن الشعوب وقواها الحية التي أفشلت مشروع الغزو في العراق وأفغانستان وفي لبنان، هي ذاتها التي ستفشل هذا المخطط، بينما سيشكل العدوان الأميركي على إيران ورطة جديدة بما سيترتب عليه من تداعيات سيئة على المصالح الأميركية.

ولن يطول الوقت قبل أن تعود الساحة الفلسطينية إلى فعلها المقاوم من جديد، وبالطبع على وقع تكريس الهزيمة الأميركية في العراق، تلك التي لن تؤثر جوهريا في ميزان القوى الإقليمي فحسب، بل في ميزان القوى الدولي أيضا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك