نبيل شبيب

نبيل شبيب

كاتب وباحث إسلامي


القضايا الحيّة هي مقياس التضامن
مفعول التفعيل ومغزاه
حقّ صناعة القرار

حملت قمة الرياض 2007م -أو حُملت- عنوان "قمة التضامن"، وشهدت بعض مظاهره أو مؤشرات رمزية له، مثل عودة "اللقاء المباشر" للعلاقات السعودية/المصرية/السورية، ولم تؤثر على ذلك كثيرا "المشاغبة القذافية الليبية"، ولولا أن تاريخ القمم السابقة جعل نهج التفاؤل عسيرا، لأمكن القول بوجود المزيد من مؤشرات التضامن.

من بين هذه المؤشرات ولادة مجلس السلم والأمن العربي، مع الأمل في أن يكون المقصود هو السلم العربي/العربي، وليس السلم بمعنى ما سمي "خيارا إستراتيجيا وحيدا"، وعلى جميع الأحوال يبقى العنوان الواقعي المناسب لقمة الرياض في كتب التاريخ هو "قمة تفعيل مبادرة بيروت".

القضايا الحية هي مقياس التضامن
علام أعطيت الأولوية في القمة العربية في الرياض لمسألة تفعيل المبادرة العربية؟.. هل كان ذلك فعلا تنفيذا لقرار أميركي وفق اتهامات القذافي؟ أم يمكن القول: وأخيرا اضطُر الطرف الإسرائيلي والطرف الأميركي إلى الاستجابة للرغبة العربية الرسمية المتمثلة في هذه المبادرة الجماعية منذ قمة بيروت قبل خمس سنوات، فأصبح تفعيلها من باب تحصيل حاصل؟.

بعض الخبراء من مركز الدراسات في الأهرام يقول إن كلمة "تفعيل" تنطوي على خطر كبير، فالقرار بعدم تعديل المضمون سيفقد مفعوله عندما يتم التعديل الفعلي له تحت عنوان "التفعيل"، أي بعد أن تنفضّ القمة ويصدر بيانها الختامي في أجواء "إعلامية" تؤكد -أو تنشر انطباعا مزيفا- أن الدول العربية لم تتراجع عما طرحته قبل سنوات، ولم تستجب للمطالب الأميركية والإسرائيلية، لاسيما فيما يتعلق بحق العودة!

يبقى السؤال المحوري فيما سبق وسواه هو السؤال عن توقيت هذا التفعيل. والجواب يمكن استخلاصه من سؤال آخر افتراضي، ما الذي طرح نفسه على القمة العربية عام 2007م، فيما لو غاب قرار "تفعيل المبادرة" عن جدول الأعمال؟

"
المسؤولية تقتضي القول إنه كان المطلوب من قمة الرياض أن تحقق التضامن العربي الرسمي، العملي لا القولي فقط، على أسس جديدة وطيدة، تجاه هذه القضايا جميعا

"
تنعقد القمة في غمرة أحداث كبرى تشهد جميعا منعطفات بالغة الأهمية، وهي:

1- استمرار تفعيل الفتنة الطائفية في العراق وإخفاق إخضاعه للعنف الإرهابي الأميركي باسم الأمن.
2- استمرار تفعيل الأزمة في لبنان بعد الحرب العدوانية الإسرائيلية ضده.
3- استمرار التصعيد في أزمة الملف النووي الإيراني ما بين نذر الحرب وإشعال أزمة تتجاوز مياه الخليج.
4- استمرار جولات معركة مستقبل الصومال بعد إخفاق الحل العسكري الحبشي في حسمها.
5- استمرار الحملة الغربية باسم "مجتمع دولي" على السودان باتجاه تفتيته إلى دويلات.
6- استمرار استهداف سوريا وإن تبدلت الوسائل بعد الهزيمة الإسرائيلية في لبنان.

هذا علاوة على مشكلات مزمنة لم تجد "حلولا عربية" ولا "حلولا إسلامية" على أساس "مبادرات" جماعية أو انفرادية، ما بين الجزر الثلاث في الخليج في أقصى المشرق العربي والصحراء الغربية في أقصى المغرب العربي، وما بين الأمن الغذائي وأمن المواطن على نفسه وحقوقه في بلده.

أما قضية فلسطين التي يتمحور "تفعيل المبادرة" حولها، فلا يغيب عن الأنظار أن المحور الآني الأشد إلحاحا من حيث حاجته إلى قرار عربي جماعي يجد طريقه إلى التنفيذ الفعلي، هو محور التعامل مع الحكومة الفلسطينية الجديدة وبالتالي مع شعب فلسطين، بعد اتفاق مكة، وبتعبير أوضح: كسر الحصار رغم مَن يرفض ذلك من القوى الدولية.

وما كان الوضع الفلسطيني ليصل إلى ما وصل إليه لولا ما سبق من التعامل العربي مع قضية فلسطين بتحويلها من قضية إسلامية، إلى عربية، إلى مجابهة ومساندة، إلى فلسطينية منفصلة عما سمي "مشكلة الشرق الأوسط"، مع اقتران ذلك بالتخلي عن الإمساك بزمام المسؤولية عنها.

المسؤول عن جميع ذلك هم "القادة العرب" على حد تعبير الملك السعودي المضيف. والمسؤولية تقتضي القول إنه كان المطلوب من قمة الرياض أن تحقق التضامن العربي الرسمي، العملي لا القولي فقط، على أسس جديدة وطيدة، تجاه هذه القضايا جميعا.

فافتقاد "الأمن والسلم" عربيا، وافتقاد "التضامن" عربيا، على مستوى العلاقات البينية، وعلى مستوى العلاقات بين الشعوب والأنظمة، هو مشكلة المشاكل من وراء مختلف التطورات الجارية على صعيد كل قضية على حدة من القضايا المذكورة وسواها.

كما أن تحرير الإرادة الشعبية والرسمية، مع اجتماع الكلمة -والفعل- عربيا، يمكن أن يترك آثاره على تلك التطورات لتأخذ منحى آخر، غير ما وصلت إليه من مستوى جعل من الممكن توجيه اتهام تنفيذ قرارات أميركية مسبقا واتخاذ ذلك ذريعة لغياب دولة عربية مثل ليبيا.

مفعول التفعيل ومغزاه

"
المطالب المشروعة تتقلص جولة بعد جولة ومبادرة بعد مبادرة، والثمن الذي يُعلن الاستعداد لدفعه كان يعلو جولة بعد جولة ومبادرة بعد مبادرة, وهذا هو عين الطريق إلى "الإفلاس" لو كان الأمر أمر صفقة تقررها شركة
"
سيان ما يكون الموقف من الذريعة الليبية، يبقى أن إعطاء تفعيل المبادرة موضع الصدارة في قمة الرياض، جاء متزامنا -كيلا نقول استجابة وتنفيذا- مع الدعوة الأميركية والإسرائيلية المفاجئة إلى ذلك التفعيل.

صحيح أن معالم الهزائم الأميركية في المنطقة ما بين أفغانستان والصومال، وأميركا اللاتينية وأوروبا الحليفة، والضربة العسكرية السياسية التي تلقتها آلة الحرب الإسرائيلية وهي تفتك بالمدنيين في لبنان، جميع ذلك جعل الطرف الصهيوأميركي -أي الطرف العدو في قضية فلسطين- يبحث عن مخرج.

وجعل العودة إلى ذكر المبادرة بعد إهمالها واعتبارها ميتة، صالحا لتسويقه وكأنه صورة من صور التراجع، بغض النظر عن طرح شروط ومطالب قديمة وجديدة كالمعتاد، ولكن الأمر الحاسم هو أمر التوقيت، وهذا ما ينبغي النظر إليه على ضوء قرار القمة، ويعني ذلك:

1- جميع ما سيلي قمة الرياض حول المبادرة، من اتصالات ومساومات، وطرحها للتسجيل كوثيقة رسمية في الأمم المتحدة، وغير ذلك، سيتحول على أرض الواقع إلى انشغال بقضايا مستقبلية تطرحها المبادرة.

بدعوى أنها تمثل "جذور" الأزمة، عن قضايا آنية فورية تتطلب القرار والتصرف دون تأخير، ومن دون ذلك لا يمكن الوصول إلى موقع قائم على منطلقات كفيلة بتحقيق أهداف مشروعة حول المسائل "الجذرية".

هذا علاوة على افتقاد أي صورة من صور الضمان للوصول مستقبلا حتى إلى القدر الذي تطرحه المبادرة، وهو زهيد للغاية بالمقارنة مع أصل قضية فلسطين، ومعروض مع الاستعداد لدفع ثمن باهظ، يتجاوز ما كان في مشروع فاس، وكامب ديفد، ومؤتمر مدريد، ونفق أوسلو، والمفروض أن في تجارب جولات ماضية مشابهة دروسا كافية على هذا الصعيد، لمن يريد صناعة قرار "جديد" وفرض واقع آخر.

2- المطلب الأميركي الإسرائيلي المفاجئ بتفعيل المبادرة لا يعني الموافقة عليها من حيث الأساس، ثم مجرد البحث عن صيغ ما للتفاصيل، بل هو -بوضوح- الموافقة على "التفاوض" على محتوياتها مع اقتران ذلك بشروط مسبقة.

وهنا تتكرر الصورة السلبية التي هيمنت على التعامل مع قضية فلسطين من قبل النكبة الأولى حتى الآن، وظهرت في تحويل هدف التحرير الكامل، إلى هدف تحرير ما احتلته القوة الصهيونية في حرب 1948م زيادة على قرار التقسيم، ثم إلى هدف "إزالة آثار العدوان" أي تحرير الأرض المحتلة عام 1967م.

ثم إلى عروض السلام مقابل الأرض، ثم -عبر المبادرة- إلى عروض "التطبيع" مقابل الأرض، وفي كل جولة من الجولات المتتابعة على منحدر التراجع، كان طريق المفاوضات والمساومات يؤدي إلى تراجع جديد.

إن مغزى مبادرة بيروت لا يكمن في مضمونها مجردا عن مجرى التعامل مع قضية فلسطين، بل يظهر عبر مقارنة هذا المضمون مع ما سبقها، استشرافا لما يمكن أن يتبعها.

العنصر الحاسم في هذا التعامل هو أن المطالب المشروعة تتقلص جولة بعد جولة -ومبادرة بعد مبادرة- وأن الثمن الذي يُعلن الاستعداد لدفعه كان يعلو، جولة بعد جولة، ومبادرة بعد مبادرة.

وهذا هو عين الطريق إلى "الإفلاس" لو كان الأمر أمر صفقة تقررها شركة، وليس أمر قضية مصيرية محورية، من المفروض أن القرار بصددها هو قرار الشعوب، وهي المغيبة، مثل الانتخابات والاستفتاءات الحقيقية النزيهة، أو عبر بقائها محظورة أصلا.

حق صناعة القرار
من أخطر ما ينطوي عليه تفعيل المبادرة هو تجديد طرحها في صيغة "هدف عربي جماعي جديد"، مغ غياب موقف إجماع مماثل في مختلف الميادين والقضايا الأخرى، وهذا في مقدمة ما يزيد الانفصام النكد بين الحكومات والشعوب.

ومن أخطر ما يعنيه التفعيل أنه إلى وقت قريب كانت مسألة "التطبيع" تحت عنوان "سلام كامل" أبدي (لا يوجد مثيل له في أي معاهدة دولية مشروعة) مسألة شذوذ دولة أو دويلة عربية، ويحول تفعيل المبادرة هذا "التطبيع" المرفوض إلى "هدف مشترك للتضامن العربي"!.

ومن أخطر ما يرافق التفعيل تغييب المنطقة، شعوبا وحكومات، عن التحرك الفعال في مواجهة مختلف الأخطار الآنية الماثلة والمتفاقمة في أنحاء المنطقة العربية والإسلامية.

"
ما تحتاج إليه قضية فسطين بعد أن أوصلها مسلسل التراجع والتنازلات حتى الآن إلى الحضيض هو مبادرة أخرى جماعية وتضامن حقيقي على مستوى القمم وعلى مستوى الشعوب وعلى مستوى القوى المؤثرة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية
"
وكان من أخطر ما قامت عليه المبادرة من الأصل، وقامت عليه مشاريع ومبادرات عربية سابقة، هو تصوير اتخاذ القرار في مثل هذه القضايا المصيرية، مشروعا، لمجرد اتفاق الحكومات العربية عليه.

فمع تجاوز حقيقة غياب الانتخابات الشرعية، وغياب التمثيل الشرعي للشعوب، يبقى الأمر الساري المفعول دوليا على أي خطوة تنطوي على التخلي عن حقوق ثابتة أو عن أهداف حيوية سابقة، أو حتى عن صلاحيات الدولة في ميدان ما من ميادين صناعة القرار.. يبقى ساريا أن المسؤول السياسي -وإن كان منتخَبا- يعود إلى إرادة الشعوب لتثبيت مشروعية ما يراه ويصنعه.

وهذا ما شهدنا مثالا عليه في وضع دستور أوروبي مشترك، فلم يكن باستطاعة الحكومات تمريره دون عملية التصديق المعقدة عليه، ثم وقفت عاجزة أمام رفضه في استفتاءين شعبيين في دولتين من أصل بضع وعشرين دولة عضوا في الاتحاد الأوروبي.

قضية فلسطين قضية عربية إسلامية، فإذا تجاوزنا ما يعنيه ذلك من منطلق قومي عربي ومنطلق عقدي إسلامي، يبقى أنها في منظور القانون الدولي والأسس التي يقوم عليها، قضية شعوب لا زعامات تأتي وتمضي، وقضية أجيال لا حكومات آنية، وقضية مصير لا قضية سياسات تصنعها ضغوط خارجية أو فرقة محلية.

وقضية تنطوي على تطبيق أرسخ قواعد القانون الدولي (الشرعية الدولية) أو انتهاكها، أي حق تقرير المصير الذي تملكه الشعوب مباشرة، وعدم مشروعية اغتصاب الأراضي بالقوة، وهو ما يبيح استخدام القوة لاستعادتها.

وما تحتاج إليه قضية فلسطين بعد أن أوصلها مسلسل التراجع والتنازلات حتى الآن إلى الحضيض، هو مبادرة أخرى، جماعية، وتضامن حقيقي، على مستوى القمم، وعلى مستوى الشعوب، وعلى مستوى القوى المؤثرة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية من أحزاب وجماعات وهيئات ومؤسسات.

لتعود بها إلى جذورها الأولى، قضية أرض مغتصبة وتحرير مشروع، واحتلال عدواني ومقاومة مشروعة، وبمستقبل قضية فلسطين يرتبط مستقبل العرب والمسلمين، ويرتبط به أيضا مستقبل الأمن والسلم إقليميا ودوليا على السواء.

ولا يتحقق ذلك دون مبادرة في ميدان آخر، وهو استعادة زمام استقلالية صناعة القرار العربي، بصدد قضايا المنطقة جميعا ومشكلاتها، سواء كان ذلك تحت عنوان "مجلس سلم وأمن" أو "معاهدة دفاع مشترك" أو "سوق عربية مشتركة".

أو سوى ذلك من المسميات، التي يعتبر مجرد تغييبها عاما بعد عام، وقمة بعد قمة، وما بين انعقاد القمم وإصدار بياناتها أيضا، ولكن لحساب سلام وأمن مع عدو إسرائيلي، ومعاهدات ثنائية وتجارة حرة مع قوى دولية.. يعتبر هذا كله كافيا للقول إن صانع القرار في بلادنا لا يصنع القرار الذي تريده شعوبنا وذاك في الأصل من مسؤولياته، ولا يملك حق صنع القرار عبر مثل تلك المبادرة في الاتجاه الذي لا تريده الشعوب قطعا، وليس هذا من صلاحياته.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك