وليد الزبيدي

يقترب عمر مشروع "المصالحة في العراق" من السنة دون أن يتزحزح من مكانه، وبدلا من أن يكون هذا المشروع منقذا لحكومة المالكي التي وضعت كراسيها منذ البداية على أرضية هشة وسيطر القلق والارتباك على جميع مفاصلها، تحولت المصالحة إلى تلك العصا الساخنة التي يمسك بها الأميركيون، يهددون ويتوعدون المالكي بها في حال عدم تمكنه من تحقيق المستحيل، أي المصالحة.

"
الأميركيون يريدون استخدام شعار المصالحة للظهور أمام الرأي العام وكأنهم حريصون على وحدة العراق بعد أن انكشف للعالم جوهر العمل السياسي الذي بذروه هناك، والذي يهدف إلى إشعال الفتنة الطائفية والعرقية وتقسيم العراق وجره إلى الاحتراب الداخلي
"
وأقوى تلك التهديدات جاءت على لسان وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس، خلال زيارته لبغداد، ملوحا بهذه العصا الساخنة، ومؤكدا أنها الفرصة الأخيرة، وهو يعلم مثل كبار قادة البيت الأبيض والبنتاغون أن هذا المشروع لن يخرج عن إطاره النظري الذي يسعى إلى تحقيق أهداف خاصة بحكومة المالكي وبالإدارة الأميركية، ولم يحقق أي تقدم يذكر إلا في إطار التصريحات التي أطلقها المالكي وبعض المسؤولين في حكومته، ومن الكتل المشاركة في العملية السياسية، وهنا لابد من البحث في سببين أساسيين، يقفان وراء فشل مشروع "المصالحة في العراق":

الأول: يرتبط بجوهر مشروع المصالحة، الذي لا يخرج عن إطار يكرس النهج السياسي الذي تمت صياغته في ظل الاحتلال الأميركي، ويعتمد التقسيمات العرقية والطائفية.

وهو ما رفضته القوى الوطنية العراقية جملة وتفصيلا، وأصبح العمل على إفشاله أحد الأهداف الرئيسية لدى فصائل المقاومة في العراق، لأنها وجدت فيه أخطر الأمراض التي تفتك بوحدة العراقيين وبمستقبل أجيالهم، لذلك أصبح أحد الأهداف الرئيسية في عملها المقاوم للاحتلال.

ومن يقرأ تفاصيل عملية "المصالحة"، يجد أنها تعمل على إدخال الآخرين في دائرة سياسية مرفوضة من قبلهم، بل إن الآخر ينبذ هذه الدائرة بجميع محتوياتها وتفاصيلها، ولم تحاول "عملية المصالحة" الاقتراب من الآخر، الذي يعلن مشروعه السياسي الواضح، ساعيا للوصول إلى إخراج المحتل والمحافظة على وحدة العراق، واعتماد الكفاءات في إدارة البلد، بديلا عن الولاءات التي أثبتت فشلها وخطورتها على العراق والعراقيين.

منذ البداية لم يكن هناك أي معنى لمفهوم المصالحة، لأنه لا يوجد خلاف بين العراقيين، ولأن الخلاف ينحصر بين فئتين واحدة تعمل بكامل قدراتها وإمكاناتها لإنجاح مشروع الاحتلال الأميركي للعراق، متمثلة في حكومة المالكي والحكومات التي سبقتها، والثانية تضحي بالغالي والنفيس لإفشال هذا المشروع، متمثلة في فصائل المقاومة في العراق.

ومن يتابع تفاصيل المصالحة المطروحة، لا يجد فيها مقاربة واحدة، بل إن الخطاب الحكومي وسياسته تدفع باتجاه التباعد على أوسع ما يكون، ويتجسد ذلك في ما تفعله الأجهزة الأمنية الحكومية من ممارسات خطيرة ضد العراقيين، وما يطالب به نوري المالكي من بقاء قوات الاحتلال في العراق، وهذا ما ترفضه المقاومة رفضا قاطعا.

الثاني: أن القوى المعارضة للاحتلال وفصائل المقاومة في العراق تدرك أن مشروع المصالحة، لا يخرج عن إطار خدمة قوات الاحتلال الأميركي والحكومة الحالية، وأن هذا المشروع ليس بديلا عن الخطط الأمنية والعمليات العسكرية التي تتواصل وتهدف إلى القضاء على معارضي الاحتلال والمقاومين له.

بل إن مسألة "المصالحة"، بالمفهوم الذي أراده الأميركيون والحكوميون الحاليون هو الوجه الثاني للخطط الأمنية.

ومن الواضح، أن القراءة الدقيقة لهذه المسألة (مسألة المصالحة)، تؤكد جانبين:

1- أن الأميركيين يريدون استخدام شعار المصالحة للظهور أمام الرأي العام بمظهر الحريصين على وحدة العراقيين، بعد أن انكشف للعالم جوهر العمل السياسي الذي بذروه في العراق، والذي يهدف إلى إشعال الفتنة الطائفية والعرقية وتقسيم العراق وجره إلى الاحتراب الداخلي.

"
حكومة المالكي تحاول الاستعانة بـ"المصالحة" عسى أن تغطي على آلاف العورات التي اتسمت بها فترتها، ولتتخلص قليلا من الصورة البشعة التي ظهر بها العراق وازدادت بشاعة في الفترة الأخيرة
"
كما أن الأميركيين وضعوا في حساباتهم الوجه الآخر للمصالحة، أي استخدام فشل المالكي في اكتساب ورقة يرتديها الخطاب الأميركي عند اتخاذ قرار الانسحاب النهائي من العراق، وهو ما أدركت حتميته الإدارة الأميركية منذ عام أو أكثر، وفي كلتا الحالتين، فإنه يخدم الإدارة الأميركية.

2- إن حكومة المالكي لم تفشل في كل شي فحسب، بل إن حقبتها (عام 2006 وما بعده) سجلت أسوأ الأحداث في تاريخ العراق على الإطلاق، إذ أطلقت العصابات والمليشيات الطائفية من جميع الأطراف لتقتل وتختطف وتعذب وتشوه جثث الضحايا.

وتحولت حياة العراقيين إلى جحيم لا يطاق، وسيطر الرعب والهلع والخوف على الجميع، وانتشرت ظاهرة الاختطاف الجماعي وسط العاصمة بغداد، وتحت أنظار الأجهزة الأمنية وبمساعدتها.

كما شاعت ظاهرة الجثث الملقاة في المزابل وعلى الأرصفة، وتدهورت الأوضاع المعيشية والخدمية، وازداد عدد الباحثين عن عمل، وانتشر الفساد وسرقات الأموال في الحكومة والوزارات، فصنفت منظمة الشفافية الدولية العراق في المرتبة الأولى في الفساد والرشوة والسرقات من بين 163 دولة في العالم.

ثم إن حكومة المالكي لم تف بوعدها الذي قدمته للإدارة الأميركية والذي تضمن القضاء على الفصائل المسلحة العراقية وطرد تنظيم القاعدة من العراق، رغم حصولها على جميع أنواع الدعم من الأميركيين.

فقد وضعوا القوة الجوية والمروحيات الأميركية، والقوات المدرعة والبرية الموجودة في العراق (وصل عددها إلى أكثر من 150 ألفا)، في خدمة أي خطة عسكرية وأمنية تحقق ما تريده الإدارة الأميركية.

إلا أن كل ذلك لم يحقق شيئا، بل ازدادت عمليات المقاومة وتطور الأداء العسكري والتقني والاستخباري، مما دفع الأميركيين إلى تصنيف حكومة المالكي، بأنها "الأكثر فشلا".

ولهذا بدأ الحديث في الكونغرس عن إعطاء مدة محددة لحكومة المالكي، فإما أن تنجح في تحقيق الأهداف التي أشرنا إليها، وإلا فتغييرها.

وكانت تلك هي أقوى الطروحات أثناء استضافة لجنة القوات المسلحة في الكونغرس للقائد السابق للقوات الأميركية في العراق وليم كيسي في شهر يونيو/حزيران 2006، واقترحوا حينها إعطاء حكومة المالكي ستة أشهر، وعند انتهاء هذه المدة التقى الرئيس الأميركي جورج بوش بنوري المالكي أواخر عام 2006 في عمان، وتركز الحوار على المدة المتبقية.

ومنذ ذلك الحين والحديث يزداد عن أهمية خطة "أمن بغداد"، وعن قرب انتهاء صبر أميركا على حكومة المالكي، ويتم تغليف كل ذلك بأمل نجاح مشروع "المصالحة".

"
البيت الأبيض وصل إلى قناعة تامة بأن الحقن اليائسة لن تبعث الروح في حكومة المالكي التي أرادت من مشروع "المصالحة" جسرا لخدمة نفسها وخدمة المشروع الأميركي، لا خطوات نحو استقلال العراق
"
من هنا، فإن القراءة الدقيقة لمسألة المصالحة تقول إن حكومة المالكي تحاول الاستعانة بـ"المصالحة" عسى أن تغطي على آلاف العورات التي اتسمت بها هذه الحقبة، ولتتخلص قليلا من الصورة البشعة التي ظهر بها العراق منذ بداية الاحتلال ربيع 2003، وازدادت بشاعة خلال الحكومات المتلاحقة، لتصل إلى أخطرها عام 2006 وحتى الآن.

إن أهم ورقتين تمسك بهما الإدارة الأميركية الآن ضد حكومة المالكي هما الفشل في ورقة "المصالحة" وعدم قدرتها على تحقيق الهدف المنشود، وهي جلب المعارضين إلى العملية السياسية، إلى دائرتها التي لا تخرج عن حدود المنطقة الخضراء، والقضاء على فصائل المقاومة في العراق، وانخراط الجميع في قطار السياسة الأميركية، ضمن مشروعها الذي لم يتحقق منه شيء.

وفشلت ورقة "خطة أمن بغداد" التي أرادها الأميركيون لتحقق النزر اليسير من طموحاتهم، وهو تنظيف بغداد تماما من أي جهد مقاوم، وتأمين العاصمة العراقية، والظهور أمام الرأي العام بأن الأوضاع في العراق سائرة نحو الأحسن.

وإن حكومة المالكي التي تمكنت من إنجاز مهمة "أمن بغداد" قادرة على تنفيذ نفس الخطة على مراحل في بقية مدن العراق، وحينها يتم اقتناع الرأي العام الأميركي والدولي بأن الولايات المتحدة أنجزت مهمتها وقررت الانسحاب من العراق وفق الطريقة التي وصفها نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني بالانسحاب المشرف.

لكن الذي حصل على أرض الواقع هو أن حكومة المالكي لم تتمكن من تحقيق أي من الورقتين، لهذا فإن الإدارة الأميركية تجد نفسها مضطرة لاستخدام هاتين الورقتين "فشل المصالحة" و"فشل خطة أمن بغداد" ضد حكومة المالكي التي لم تتمكن من القضاء على المقاومة في العراق، ولأن خسائر القوات الأميركية آخذة بالارتفاع، وجنودها في وضع نفسي على أسوأ ما يكون، إذ باتوا ينتظرون ساعة المغادرة هروبا من الموت المحدق بهم من كل جانب.

ولم يتمكن الرئيس بوش من إقناع الأميركيين ببقاء جنودهم في العراق، وهدر مئات المليارات سنويا على مشروع تم الإعلان عن وفاته نهائيا بفعل ضربات المقاومة العراقية وجهدها الكبير في إفشال هذا المشروع الكوني الذي تقرر انطلاقه من العراق إلى مناطق ودول وشعوب أخرى.

إن عصا "المصالحة" تزداد سخونة بأيدي الأميركيين، وما التلويح بها بهذا الشكل إلا الدليل على أن البيت الأبيض قد وصل إلى قناعة تامة بأن الحقن اليائسة لن تبعث الروح في حكومة المالكي التي أرادت من مشروع "المصالحة" جسرا لخدمتها وخدمة المشروع الأميركي، لا خطوات نحو استقلال العراق وتخليصه من أمراض وأخطار الاحتلال.
__________________
كاتب عراقي

المصدر : الجزيرة